وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56] يَقُولُ: فَأَخْلِصُوا لِي عِبَادَتَكُمْ وَطَاعَتَكُمْ، وَلَا تُطِيعُوا فِي مَعْصِيَتِي أَحَدًا.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تَرْجَعُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ: هَاجِرُوا مِنْ أَرْضِ
الشِّرْكِ مِنْ مَكَّةَ، إِلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ، فَاصْبِرُوا عَلَى عِبَادَتِي، وَأَخْلِصُوا طَاعَتِي، فَإِنَّكُمْ مَيِّتُونَ، وَصَائِرُونَ إِلَيَّ، لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ حَيَّةً ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، ثُمَّ إِلَيْنَا بَعْدَ الْمَوْتِ تُرَدُّونَ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا أَعَدَّ لِلصَّابِرِينَ مِنْهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ، مِنْ كَرَامَتِهِ عِنْدَهُ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 9] يَعْنِي: صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ
فَأَطَاعُوهُ فِيهِ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: 58] يَقُولُ: لَنُنْزِلَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَالِيَ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [النحل: 41] بِالْبَاءِ , وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِالثَّاءِ: (لَنُثَوِّيَنَّهُمْ) . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [النحل: 41] مِنْ بَوَّأْتُهُ مَنْزِلًا: أَيْ أَنْزَلْتُهُ، وَكَذَلِكَ , لَنُثَوِّيَنَّهُمْ؛ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَثْوَيْتُهُ مَسْكَنًا , إِذَا أَنْزَلْتُهُ مَنْزِلًا، مِنَ الثَّوَاءِ، وَهُوَ الْمُقَامُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: 58] يَقُولُ: نِعْمَ جَزَاءُ الْعَامِلِينَ بِطَاعَةِ اللَّهِ هَذِهِ الْغُرَفُ الَّتِي يُثَوِّيهُمُوهَا اللَّهُ فِي جَنَّاتِهِ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [هود: 11] عَلَى أَذَى
الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يُرْضِيهِ، وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2] فِي أَرْزَاقِهِمْ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِمْ، فَلَا يَنْكِلُونَ عَنْهُمْ ثِقَةً مِنْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ مُعْلِي كَلِمَتِهِ، وَمُوهِنُ كَيْدِ
الْكَافِرِينَ، وَأَنَّ مَا قَسَمَ لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ فَلَنْ يَفُوتَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنٍ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، وَبِرَسُولِهِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَاجِرُوا وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَعْدَاءَهُ، وَلَا تَخَافُوا عَيْلَةً وَلَا إِقْتَارًا، فَكَمْ مِنْ دَابَّةٍ
ذَاتِ حَاجَةٍ إِلَى غِذَاءٍ وَمَطْعَمٍ وَمَشْرَبٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا، يَعْنِي: غِذَاءَهَا لَا تَحْمِلُهُ، فَتَرْفَعُهُ فِي يَوْمِهَا لِغَدِهَا لِعَجْزِهَا عَنْ ذَلِكَ ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: 60] يَوْمًا بِيَوْمٍ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [البقرة: 137] لِأَقْوَالِكُمْ: نَخْشَى بِفِرَاقِنَا أَوْطَانَنَا الْعَيْلَةَ ﴿الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 32] مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وَمَا إِلَيْهِ صَائِرٌ أَمْرُكُمْ، وَأَمْرُ عَدُوِّكُمْ مِنْ إِذْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَنُصْرَتِكُمْ عَلَيْهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ خَلْقِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَكَأَيَّنٍ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ [العنكبوت: 60] قَالَ: الطَّيْرُ وَالْبَهَائِمُ لَا تَحْمِلُ الرِّزْقَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ،
عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ " ﴿وَكَأَيِّنٍ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: 60] قَالَ: مِنَ الدَّوَابِّ مَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدَّخِرَ لِغَدٍ، يُوَفَّقُ لِرِزْقِهِ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَمُوتَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، " ﴿وَكَأَيِّنٍ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ [العنكبوت: 60] قَالَ: لَا تَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَئِنْ سَأَلْتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَسَوَّاهُنَّ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِعِبَادِهِ، يَجْرِيَانِ دَائِبَيْنِ لِمَصَالِحِ خَلْقِ اللَّهِ،
لَيَقُولُنَّ: الَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ اللَّهُ ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَنَّى يُصْرَفُونَ عَمَّنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَيَعْدِلُونَ عَنْ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ؟
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61] أَيْ يَعْدِلُونَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ يُوَسِّعُ مِنْ رِزْقِهِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَيُضَيِّقُ فَيُقَتِّرُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ.
يَقُولُ: فَأَرْزَاقُكُمْ وَقِسْمَتُهَا بَيْنَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِيَدِي , دُونَ كُلِّ أَحَدٍ
سِوَايَ؛ أَبْسُطُ لِمَنْ شِئْتُ مِنْهَا، وَأُقَتِّرُ عَلَى مَنْ شِئْتُ، فَلَا يُخَلِّفَنَّكُمْ عَنِ الْهِجْرَةِ وَجِهَادِ عَدُوِّكُمْ خَوْفُ الْعَيْلَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 75] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَصَالِحِكُمْ، وَمَنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ إِلَّا الْبَسْطُ فِي الرِّزْقِ، وَمَنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ إِلَّا التَّقْتِيرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَئِنْ سَأَلْتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ: مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُنَزِّلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّحَابِ ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: 164] يَقُولُ: فَأَحْيَا بِالْمَاءِ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ الْأَرْضَ، وَإِحْيَاؤُهَا: إِنْبَاتُهُ النَّبَاتَ فِيهَا ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ [العنكبوت: 63] مِنْ بَعْدِ جُدُوبِهَا وَقُحُوطِهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: 61] يَقُولُ: لَيَقُولُنَّ: الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: 59] يَقُولُ: وَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ، فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: 63] يَقُولُ: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْقِلُونَ مَا لَهُمْ فِيهِ النَّفْعُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، وَمَا فِيهِ الضُّرُّ، فَهُمْ لِجَهْلِهِمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ لِعِبَادَتِهِمُ الْآلِهَةَ دُونَ اللَّهِ، يَنَالُونَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَةً وَقُرْبَةً، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ هَالِكُونَ مُسْتَوْجِبُونَ الْخُلُودَ فِي النَّارِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ، وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: 64] الَّتِي يَتَمَتَّعُ مِنْهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: 64] يَقُولُ: إِلَّا تَعْلِيلُ النُّفُوسِ بِمَا تَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ هُوَ مُنْقَضٍ عَنْ قَرِيبٍ، لَا بَقَاءَ لَهُ وَلَا دَوَامَ ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64] يَقُولُ: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَفِيها الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا , وَلَا انْقِطَاعَ , وَلَا مَوْتَ مَعَهَا.
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64] حَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهَا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَا: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ " ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64] قَالَ: لَا مَوْتَ فِيهَا "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64] يَقُولُ: بَاقِيَةٌ "
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَقَصَرُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِاللَّهِ، وَإِشْرَاكِهِمْ غَيْرَهُ فِي عِبَادَتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبِرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِذَا رَكِبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ السَّفِينَةَ فِي الْبَحْرِ، فَخَافُوا الْغَرَقَ وَالْهَلَاكَ فِيهِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: 22] يَقُولُ: أَخْلَصُوا لِلَّهِ عِنْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمُ التَّوْحِيدَ، وَأَفْرَدُوا لَهُ الطَّاعَةَ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْعُبُودَةِ، وَلَمْ يَسْتَغِيثُوا بِآلِهَتِهِمْ وَأَنْدَادِهِمْ، وَلَكِنْ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبِرِّ﴾ [العنكبوت: 65] يَقُولُ: فَلَمَّا خَلَّصَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ وَسَلَّمَهُمْ، فَصَارُوا إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِمْ، وَيَدْعُونَ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ مَعَهُ أَرْبَابًا.
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبِرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65] فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ يُقِرُّونَ لِلَّهِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا نَجَّى اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ مِنَ الْغَرَقِ
إِلَى الْبِرِّ , إِذَا هُمْ بَعْدَ أَنْ صَارُوا إِلَى الْبَرِّ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [النحل: 55] يَقُولُ: لِيَجْحَدُوا نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: 66] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: 66] بِكَسْرِ اللَّامِ، بِمَعْنَى: وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا آتَيْنَاهُمْ ذَلِكَ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (وَلْيَتَمَتَّعُوا) ، بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى وَجْهِ الْوَعِيدِ
وَالتَّوْبِيخِ: أَيِ: اكْفُرُوا , فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَاذَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بِهِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِكَسْرِ اللَّامِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا اخْتَارُوا كَسْرَهَا عَطْفًا بِهَا عَلَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ [النحل: 55] وَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿لِيَكْفَرُوا﴾ [النحل: 55] لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ: كَيْ يَكْفُرُوا كَانَ الصَّوَابَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: 66] أَنْ يَكُونَ: وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا، إِذْ كَانَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: لِيَكْفُرُوا عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ الَّذِي ذَهَبُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَذْهَبٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَامَ قَوْلِهِ ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ [النحل: 55] صَلُحَتْ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى كَيْ، لِأَنَّهَا شَرْطٌ لِقَوْلِهِ: إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , كَيْ يَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ مِنَ النِّعَمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: 66] لِأَنَّ إِشْرَاكَهُمْ بِاللَّهِ كَانَ يَكْفُرُوا بِنِعْمَتِهِ، وَلَيْسَ إِشْرَاكُهُمْ بِهِ تَمَتُّعًا بِالدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ الْإِشْرَاكُ بِهِ يُسَهِّلُ لَهُمْ سَبِيلَ التَّمَتُّعِ بِهَا , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَوْجِيهُهُ إِلَى مَعْنَى الْوَعِيدِ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى مَعْنَى: وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا.
وَبَعْدُ فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «وَتَمَتَّعُوا» وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَنْ قَرَأَهُ بِسُكُونِ اللَّامِ بِمَعْنَى الْوَعِيدِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُذَكِّرًا هَؤُلَاءِ
الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، الْقَائِلِينَ: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمُ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا دُونَ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِنِعْمَتِهِ , وَإِشْرَاكِهِمْ فِي عِبَادَتِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ: أَوَ لَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، مَا خَصَصْنَاهُمْ بِهِ مِنْ نِعْمَتِنَا عَلَيْهِمْ دُونَ سَائِرِ عِبَادِنَا، فَيَشْكُرُونَا عَلَى ذَلِكَ، وَيَنْزَجِرُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بِنَا، وَإِشْرَاكِهِمْ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ فِي عِبَادَتِنَا , أَنَّا جَعَلْنَا بَلَدَهُمْ حَرَمًا , حَرَّمْنَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوهُ بِغَارَةٍ أَوْ حَرْبٍ، ﴿آمِنًا﴾ [البقرة: 8] يَأْمَنُ فِيهِ مَنْ سَكَنَهُ، فَأَوَى إِلَيْهِ مِنَ السِّبَاءِ وَالْخَوْفِ وَالْحَرَامِ الَّذِي لَا يَأْمَنُهُ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67] يَقُولُ: وَتُسْلَبُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ قَتْلًا وَسِبَاءً.
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ " ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67] قَالَ: كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ آيَةٌ، أَنَّ النَّاسَ يُغْزَوْنَ وَيُتَخَطَّفُونَ وَهُمْ آمِنُونَ "
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 72] يَقُولُ: أَفَبِالشِّرْكِ بِاللَّهِ يُقِرُّونَ بِأُلُوهَةِ الْأَوْثَانِ بِأَنْ يُصَدِّقُوا، ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 67] الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا مِنْ أَنْ جَعَلَ بَلَدَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يَكْفُرُونَ؟ يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: 61] : يَجْحَدُونَ.
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: 67] أَيْ بِالشِّرْكِ ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: 67] أَيْ يَجْحَدُونَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: 68] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ أَظْلَمُ أَيُّهَا النَّاسُ مِمَّنِ اخْتَلَقَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، فَقَالُوا إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا، وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا، وَاللَّهُ لَا يَأْمُرُ
بِالْفَحْشَاءِ ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: 68] يَقُولُ: أَوْ كَذَّبَ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَوْحِيدِهِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ لَمَّا جَاءَهُ هَذَا الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: 68] يَقُولُ: أَلَيْسَ فِي النَّارِ مَثْوًى وَمَسْكَنٌ لِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَجَحَدَ تَوْحِيدَهُ، وَكَذَّبَ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَهَذَا تَقْرِيرٌ، وَلَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: [البحر الوافر] أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ لِلْكَافِرِينَ بِاللَّهِ مَسْكَنًا فِي النَّارِ، وَمَنْزِلًا يَثْوُونَ فِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ قَاتَلُوا هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فِينَا، مُبْتَغِينَ بِقِتَالِهِمْ عُلُوَّ كَلِمَتِنَا، وَنُصْرَةَ دِينِنَا ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] يَقُولُ:
لَنُوَفِّقَنَّهُمْ لِإِصَابَةِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَذَلِكَ إِصَابَةُ دِينِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69] يَقُولُ: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ مَنْ أَحْسَنَ مِنْ خَلْقِهِ، فَجَاهَدَ فِيهِ أَهْلَ الشِّرْكِ، مُصَدِّقًا رَسُولَهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْعَوْنِ لَهُ، وَالنُّصْرَةِ عَلَى مَنْ جَاهَدَ مِنْ أَعْدَائِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: 69] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: 69] فَقُلْتُ لَهُ: قَاتَلُوا فِينَا؟ قَالَ: نَعَمْ "