وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 29] يَقُولُ: فَإِذَا هُمْ هَالِكُونَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مُجَاهِدٍ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: 52] «مِمَّا سَرَّ الْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ هَذَا حِينَ الْبَعْثَ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52] قَالَ: " قَالَ أَهْلُ الْهُدَى: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كِلَا الْقَوْلَيْنِ، أَعِنِّي ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52] مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] «ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ» : ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52] «كَانُوا أَخْبَرُونَا أَنَّا نُبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَنُحَاسَبُ وَنُجَازَى» وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ فِي قِيلِهِمْ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا بِمَنْ بَعَثَهُمْ مِنْ مَرْقَدِهِمْ جُهَّالًا، وَلِذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِمُ اسْتَثْبَتُوا، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونُوا اسْتَثْبَتُوا ذَلِكَ إِلَّا مِنْ
غَيْرِهِمْ، مِمَّنْ خَالَفَتْ صِفَتُهُ صِفَتَهُمْ فِي ذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنْ كَانَتْ إَعَادَتُهُمْ أَحْيَاءً بَعْدَ مَمَاتِهِمْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ فِي الصُّورِ ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 53] يَقُولُ: فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ لَدَيْنَا قَدْ أُحْضَرُوا، فَأُشْهِدُوا مَوْقِفَ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، لَمْ
يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي قِرَاءَتِهِمْ ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس: 29] بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ فِيمَا مَضَى، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ [الأعراف: 51] يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [يس: 54] كَذَلِكَ رَبُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسًا شَيْئًا، فَلَا يُوفِيهَا جَزَاءَ عَمَلِهَا الصَّالِحِ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا وِزْرَ
غَيْرِهَا، وَلَكِنَّهُ يُوفِي كُلَّ نَفْسٍ أَجْرَ مَا عَمِلَتْ مِنْ صَالِحٍ، وَلَا يُعَاقِبُهَا إِلَّا بِمَا اجْتَرَمَتْ وَاكْتَسَبَتْ مِنْ شَيْءٍ ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: 54] يَقُولُ: وَلَا تُكَافَؤُونَ إِلَّا مُكَافَأَةَ أَعْمَالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الشُّغُلِ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] قَالَ: «شُغُلُهُمُ افْتِضَاضُ الْعَذَارَى»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] قَالَ: «افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ»
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] قَالَ: «افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ» حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ زُرَيْقِ الطُّهَوِيُّ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ
حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّدَائِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو النَّضْرِ، عَنِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ وَائِلِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] قَالَ: «فِي افْتِضَاضِ الْعَذَارَى»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ: أَنَّهُمْ فِي نِعْمَةٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ [يس: 55] قَالَ: «فِي نِعْمَةٍ»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [يس: 55] . . الْآيَةَ، قَالَ: «شُغُلُهُمُ النَّعِيمُ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ فِي شُغُلٍ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [يس: 55] الْآيَةَ، قَالَ: «فِي شُغُلٍ عَمَّا يَلْقَى أَهْلُ النَّارِ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [يس: 55] وَهُمْ أَهْلُهَا ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] بِنِعَمٍ تَأْتِيهِمْ فِي شُغُلٍ، وَذَلِكَ
الشُّغُلُ الَّذِي هُمْ فِيهِ نِعْمَةٌ، وَافْتِضَاضُ أَبْكَارٍ، وَلَهْوٌ وَلَذَّةٌ، وَشُغُلٌ عَمَّا يَلْقَى أَهْلُ النَّارِ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ [يس: 55] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ: (فِي شُغْلٍ) بِضَمِّ الشِّينِ وَتَسْكِينِ الْغَيْنِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الضَّمُّ فِي الشِّينِ وَالتَّسْكِينُ فِي الْغَيْنِ، وَالْفَتْحُ فِي الشِّينِ وَالْغَيْنِ جَمِيعًا فِي شَغَلٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ﴿فِي شُغُلٍ﴾ [يس: 55] بِضَمِّ الشِّينِ وَالْغَيْنِ، وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَتُهُ بِضَمِّ الشِّينِ وَالْغَيْنِ، أَوْ بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ، بِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَهُ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ مَعَ تَقَارُبِ مَعْنَيَيْهُمَا وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْغَيْنِ، فَغَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدِي، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهَا وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] بِالْأَلِفِ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: (فَكِهُونَ) بِغَيْرِ أَلِفٍ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالْأَلِفِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَرِحُونَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] يَقُولُ: «فَرِحُونَ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: عَجِبُونَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] قَالَ: «عَجِبُونَ»
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] قَالَ: «عَجِبُونَ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: مِنْهُمُ الْفَكِهُ الَّذِي يَتَفَكَّهُ وَقَالَ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَتَفَكَّهُ بِالطَّعَامِ أَوْ بِالْفَاكِهَةِ، أَوْ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ: إِنَّ فُلَانًا لَفَكِهٌ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ، قَالَ: وَمَنْ قَرَأَهَا ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55] جَعَلَهُ كَثِيرَ الْفَوَاكِهِ صَاحِبَ فَاكِهَةٍ، وَاسْتُشْهِدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْحُطَيْئَةِ: [البحر الكامل]
وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّـ ... ـكَ لَابِنٌ بِالصَّيْفِ تَامِرْ
أَيْ عِنْدَهُ لَبَنٌ كَثِيرٌ، وَتَمْرٌ كَثِيرٌ، وَكَذَلِكَ عَاسِلٌ، وَلَاحِمٌ، وَشَاحِمٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ حَاذِرُونَ وَحَذِرُونَ، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَشْبَهُ بِالْكَلِمَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ يَعْنِي تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿هُمْ﴾ [البقرة: 4] أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [الرعد: 23] مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ
كَمَا: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس: 56] قَالَ: «حَلَائِلُهُمْ فِي ظُلَلٍ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: (فِي ظُلَلٍ) بِمَعْنَى: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَمَا تُجْمَعُ الْحُلَّةُ حُلَلًا.
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ [يس: 56] ؛ وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ جَمْعَ الظُّلَلِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْكِنِّ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ حِينَئِذٍ: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي كِنٍّ لَا يُضَحُونَ لِشَمْسٍ كَمَا يُضْحِي لَهَا أَهْلُ
الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ لَا شَمْسَ فِيهَا وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ جَمْعَ ظُلَّةٍ، فَيَكُونُ وَجْهُ جَمْعِهَا كَذَلِكَ نَظِيرَ جَمْعِهِمُ الْخَلَّةَ فِي الْكَثْرَةِ: الْخِلَالُ، وَالْقِلَّةِ: قِلَالٌ
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وَالْأَرَائِكُ: هِيَ الْحِجَالُ فِيهَا السُّرَرُ وَالْفَرْشُ: وَاحِدَتُهَا أَرِيكَةُ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ فِرَاشٍ أَرِيكَةٌ، وَيَسْتَشْهِدُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ ذِي الرِّمَّةِ: كَأَنَّمَا يُبَاشِرْنَ بِالْمَعْزَاءِ مَسَّ الْأَرَائِكِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ قَالَ: «هِيَ السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ»
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ قَالَ: " الْأَرَائِكُ: السُّرُرُ عَلَيْهَا الْحِجَالُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا حُصَيْنٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الكهف: 31] قَالَ: " الْأَرَائِكُ: السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ "
حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [يس: 56] قَالَ: «سُرُرٌ عَلَيْهَا الْحِجَالُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّ عِكْرِمَةَ قَالَ: " الْأَرَائِكُ: السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْأَرَائِكِ قَالَ: " هِيَ الْحِجَالُ أَهْلُ الْيَمَنِ يَقُولُونَ: أَرِيكَةُ فُلَانٍ "
وَسَمِعْتُ عِكْرِمَةَ وَسُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: «هِيَ الْحِجَالُ عَلَى السُّرُرِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ قَالَ: «هِيَ الْحِجَالُ فِيهَا السُّرُرُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ [يس: 57] يَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ فَاكِهَةٌ ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57] يَقُولُ: وَلَهُمْ فِيهَا مَا يَتَمَنَّوْنَ وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ: دَعْ عَلَيَّ مَا شِئْتَ: أَيْ تَمَنَّ عَلَيَّ مَا شِئْتَ
وَقَوْلُهُ: ﴿سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58] فِي رَفْعِ سَلَّامٍ وَجْهَانِ فِي قَوْلِ بَعْضِ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمَا يَدَّعُونَ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ لَهُمْ خَالِصٌ وَإِذَا وُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا تَوْكِيدًا خَارِجًا مِنَ السَّلَامِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَهُمْ فِيهَا
مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ خَالِصٌ حَقًّا، كَأَنَّهُ قِيلَ: قَالَهُ قَوْلًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿سَلَّامٌ﴾ [الأنعام: 54] مَرْفُوعًا عَلَى الْمَدْحِ، بِمَعْنَى: هُوَ سَلَّامٌ لَهُمْ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: سَلَّامًا قَوْلًا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُتَنَاهٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57] ثُمَّ نَصَبَ سَلَامًا عَلَى التَّوْكِيدِ، بِمَعْنَى: مُسْلِمًا قَوْلًا، وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: انْتَصَبَ قَوْلًا عَلَى الْبَدَلِ مِنَ اللَّفْظِ بِالْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَقُولُ ذَلِكَ قَوْلًا قَالَ: وَمَنْ نَصَبَهَا نَصَبَهَا عَلَى خَبَرِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ﴾ [البقرة: 7] فِيهَا ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ [الحج: 62] وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، أَنْ يَكُونَ ﴿سَلَّامٌ﴾ [الأنعام: 54] خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57] فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَهُمْ فِيهَا مَا يَدَّعُونَ، وَذَلِكَ هُوَ سَلَّامٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، بِمَعْنَى: تَسْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ، وَيَكُونُ سَلَّامٌ تَرْجَمَةَ مَا يَدَّعُونَ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ خَارِجًا مِنْ قَوْلِهِ: سَلَّامٌ
وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا: حَدَّثَنَا بِهِ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ، يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: " إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، أَقْبَلَ يَمْشِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، فَيَقِفُ عَلَى أَوَّلِ أَهْلٍ دَرَجَةً، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58] فَيَقُولُ: سَلُوا، فَيَقُولُونَ: مَا نَسْأَلُكَ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ، لَوْ أَنَّكَ قَسَمْتَ بَيْنَنَا أَرْزَاقَ الثَّقَلَيْنِ لَأَطْعَمْنَاهُمْ وَسَقَيْنَاهُمْ وَكَسَوْنَاهُمْ، فَيَقُولُ: سَلُوا، فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُكَ رِضَاكَ، فَيَقُولُ: رِضَائِي أَحَلَّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَهْلِ كُلِّ دَرَجَةٍ حَتَّى
يَنْتَهِيَ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْحُورِ الْعَيْنِ طَلَعَتْ لَأَطْفَأَ ضَوْءُ سِوَارَيْهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، فَكَيْفَ بِالْمُسَوَّرَةِ " حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثنا حَرْمَلَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَقْبَلَ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، قَالَ: فَيُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامَ، قَالَ الْقُرَظِيُّ: وَهَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58] فَيَقُولُ: سَلُونِي، فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَسْأَلُكَ، أَيْ رَبِّ؟ قَالَ: بَلْ سَلُونِي، قَالُوا: نَسْأَلُكَ أَيْ رَبِّ رِضَاكَ، قَالَ: رِضَائِي أَحَلَّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي، قَالُوا: يَا رَبِّ وَمَا الَّذِي نَسْأَلُكَ فَوَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِ مَكَانِكَ، لَوْ قَسَمْتَ عَلَيْنَا رِزْقَ الثَّقَلَيْنِ لَأَطْعَمْنَاهُمْ، وَلَأَسْقَيْنَاهُمْ، وَلَأَلْبَسْنَاهُمْ وَلَأَخْدَمْنَاهُمْ، لَا يُنْقِصْنَا ذَلِكَ شَيْئًا، قَالَ: إِنَّ لَدَيَّ مَزِيدًا، قَالَ: فَيَفْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي دَرَجِهِمْ حَتَّى يَسْتَوِيَ فِي مَجْلِسِهِ، قَالَ: ثُمَّ تَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ تَحْمِلُهَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا حَرْمَلَةُ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
قَالَ: إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، أَقْبَلَ يَمْشِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَيَقِفُ، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَيَقُولُونَ: فَمَاذَا نَسْأَلُكَ يَا رَبِّ، فَوَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِ مَكَانِكَ، لَوْ أَنَّكَ قَسَمْتَ عَلَيْنَا أَرْزَاقَ الثَّقَلَيْنِ، الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَأَطْعَمْنَاهُمْ، وَلَسَقَيْنَاهُمْ، وَلَأَخْدَمْنَاهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عِنْدَنَا، قَالَ: بَلَى فَسَلُونِي، قَالُوا: نَسْأَلُكَ رِضَاكَ، قَالَ: رِضَائِي أَحَلَّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي، فَيَفْعَلُ هَذَا بِأَهْلِ كُلِّ دَرَجَةٍ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَجْلِسِهِ.
وَسَائِرُ الْحَدِيثِ مِثْلُهُ فَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ «سَلَامٌ» بَيَانٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ [الحج: 62] وَأَنَّ الْقَوْلَ خَارِجٌ مِنَ السَّلَامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58] يَعْنِي: رَحِيمٌ بِهِمْ إِذْ لَمْ يُعَاقِبْهُمْ بِمَا سَلَفَ لَهُمْ مِنْ جُرْمٍ فِي الدُّنْيَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 60] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَامْتَازُوا﴾ [يس: 59] تَمَيَّزُوا؛ وَهِيَ افْتَعِلُوا، مِنْ مَازَ يَمِيزُ، فَعَلَ يَفْعِلُ مِنْهُ: امْتَازَ يَمْتَازُ امْتِيَازًا وَبِنَحْوِ الَّذِي
قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ