وَقَوْلُهُ: ﴿عَصِيًّا﴾ [مريم: 14] فَعِيلٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ ذُو عِصْيَانٍ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَصَى فُلَانٌ رَبَّهُ، فَهُوَ يَعْصِيهِ عِصِيًّا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15] يَقُولُ: وَأَمَانٌ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ وُلِدَ مِنْ أَنْ يَنَالَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ السُّوءِ، بِمَا يَنَالُ بِهِ بَنِي آدَمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ
رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا» حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَال: ثني ابْنُ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14] قَالَ: كَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَذْكُرُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ذَا ذَنْبٍ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا»
قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا أَذْنَبَ، وَلَا هَمَّ بِامْرَأَةٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ [مريم: 15] يَقُولُ: وَأَمَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ مِنْ فَتَّانِي الْقَبْرِ، وَمِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15] يَقُولُ: وَأَمَانٌ لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَنْ يُرَوِّعَهُ شَيْءٌ، أَوْ أَنْ يُفْزِعَهُ مَا يُفْزِعُ الْخَلْقَ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي ذَلِكَ مَا:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْفَيْرُوزِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَطِيَّةَ يَقُولُ: أَوْحَشُ مَا يَكُونُ الْخَلْقُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: يَوْمَ يُولَدُ فَيَرَى نَفْسَهُ خَارِجًا مِمَّا كَانَ فِيهِ، وَيَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ عَايَنَهُمْ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرَى نَفْسَهُ فِي مَحْشَرٍ عَظِيمٍ، قَالَ: فَأَكْرِمَ اللَّهُ فِيهَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، فَخَصَّهُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ الْحَسَنَ، قَالَ: إِنَّ عِيسَى وَيَحْيَى الْتَقَيَا فَقَالَ لَهُ عِيسَى: اسْتَغْفِرْ لِي، أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: اسْتَغْفِرْ لِي، أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، سَلَّمْتَ عَلَى نَفْسِي، وَسَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَعَرَفَ وَاللَّهِ فَضْلَهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْكَ بِالْحَقِّ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ،
حِينَ اعْتَزَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا، وَانْفَرَدَتْ عَنْهُمْ، وَهُوَ افْتَعَلَ
مِنَ النَّبْذِ، وَالنَّبْذُ: الطَّرْحُ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ [مريم: 16] أَيِ انْفَرَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16] قَالَ: خَرَجَتْ مَكَانًا شَرْقِيًّا
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: خَرَجَتْ مَرْيَمُ إِلَى جَانِبِ الْمِحْرَابِ لِحَيْضٍ أَصَابَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَانْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا: فِي شَرْقِيِّ الْمِحْرَابِ
وَقَوْلُهُ: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16] يَقُولُ: فَتَنَحَّتْ وَاعْتَزَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا فِي مَوْضِعٍ قِبَلَ مُشْرِقِ الشَّمْسِ دُونَ مَغْرِبِهَا،
كَمَا:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16] قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأَيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصَارَى الْمَشْرِقَ قِبْلَةً؟ لِقَوْلِ اللَّهِ: فَانْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذُوا مِيلَادِ عِيسَى قِبْلَةً حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثني عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ إِلَى الْبَيْتِ، وَالْحَجُّ لِلَّهِ، وَمَا صَرَفَهُمْ عَنْهُمَا إِلَّا تَأْوِيلُ رَبِّكَ ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16] فَصَلَّوْا قِبَلَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16] قَالَ: شَاسِعًا مُتَنَحِّيًا وَقِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا صَارَتْ بِمَكَانٍ يَلِي مَشْرِقَ الشَّمْسِ، لِأَنَّ مَا يَلِي الْمَشْرِقَ عِنْدَهُمْ
كَانَ خَيْرًا مِمَّا يَلِي الْمَغْرِبَ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ عِنْدَ الْعَرَبِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: 17] يَقُولُ: فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِ أَهْلِهَا سِتْرًا يَسْتُرُهَا عَنْهُمْ وَعَنِ النَّاسِ.
وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهَا صَارَتْ بِمَكَانٍ يَلِي الْمَشْرِقَ، لِأَنَّ اللَّهَ أَظَلَّهَا بِالشَّمْسِ، وَجَعَلَ لَهَا مِنْهَا حِجَابًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16] قَالَ: مَكَانًا أَظَلَتْهَا الشَّمْسُ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَقَالَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: 17] مِنَ الْجُدْرَانِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا حِينَ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، وَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا: جِبْرِيلُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيْهَا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا جِبْرِيلَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: وَجَدَتْ عِنْدَهَا جِبْرِيلَ قَدْ مَثَّلَهُ اللَّهُ بَشَرًا سَوِيًّا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] قَالَ: جِبْرِيلُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثني عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلِ ابْنِ أَخِي وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى مَرْيَمَ، فَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: فَلَمَّا طَهُرَتْ، يَعْنِي مَرْيَمُ مِنْ حَيْضِهَا، إِذَا هِيَ بِرَجُلٍ مَعَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَتَشَبَّهَ لَهَا فِي صُورَةِ آدَمَيٍّ سَوِيِّ الْخَلْقِ مِنْهُمْ، يَعْنِي فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ مُعْتَدِلِ الْخَلْقِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَخَافَتْ مَرْيَمُ رَسُولَنَا، إِذْ تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، وَظَنَّتْهُ رَجُلًا يُرِيدُهَا عَلَى نَفْسِهَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ
﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18] قَالَ: خَشِيَتْ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا يُرِيدُهَا عَلَى نَفْسِهَا
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17] فَلَمَّا رَأَتْهُ فَزِعَتْ مِنْهُ وَقَالَتْ: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18] فَقَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ أَيُّهَا الرَّجُلُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ، تَقُولُ: أَسْتَجِيرُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ أَنْ تَنَالَ مِنِّي مَا حَرَّمَهُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ ذَا تَقْوًى لَهُ تَتَّقِي مَحَارِمَهُ، وَتَجْتَنِبَ مَعَاصِيهِ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ لِلَّهِ تَقِيًّا، فَإِنَّهُ يَجْتَنِبُ ذَلِكَ , وَلَوْ وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا عَنَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَتَّقِي اللَّهَ فِي اسْتِجَارَتِي وَاسْتِعَاذَتِي بِهِ مِنْكَ كَانَ وَجْهًا.
كَمَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18] وَلَا تَرَى إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَذَكَرَ قَصَصَ مَرْيَمَ فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ حِينَ قَالَتْ: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} [مريم: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَالَ لَهَا رُوحُنَا: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ يَا مَرْيَمُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ غَيْرَ أَبِي عَمْرٍو: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] بِمَعْنَى: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ: يَقُولُ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ لِأَهَبَ لَكِ ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19] عَلَى الْحِكَايَةِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: (لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) بِمَعْنَى: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ لِيَهَبَ اللَّهُ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ، مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ ﴿لِأَهَبَ لَكَ﴾ [مريم: 19] بِالْأَلِفِ دُونَ الْيَاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ قَدِيمِهِمْ وَحَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَبِي عَمْرٍو، وَغَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا سَائِغَ لِأَحَدٍ خِلَافُ مَصَاحِفِهِمْ، وَالْغُلَامُ الزَّكِيُّ: هُوَ الطَّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: غُلَامٌ زَاكٍ وَزَكِيٌّ، وَعَالٍ وَعَلِيٌّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ مَرْيَمُ لِجِبْرِيلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران: 40] مِنْ أَيِّ وَجْهٍ
يَكُونُ لِي غُلَامٌ؟ أَمِنْ قِبَلِ زَوْجٍ أَتَزَوَّجُ، فَأُرْزَقُهُ مِنْهُ، أَمْ يَبْتَدِئُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ ابْتِدَاءً ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بِشْرٌ﴾ [آل عمران: 47] مِنْ وَلَدِ آدَمَ بِنِكَاحٍ حَلَالٍ ﴿وَلَمْ أَكُ﴾ [مريم: 20] إِذْ لَمْ يَمْسَسْنِي مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ ﴿بَغِيًّا﴾ [البقرة: 90] بَغَيْتُ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ مِنَ الْوَجْهِ الْحَرَامِ، فَحَمَلْتُهُ مِنْ زِنًا، كَمَا:
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20] يَقُولُ: زَانِيَةً