وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: 11] قَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: 18] قَالَ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: 18] «يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: 18] قَالَ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: 18] قَالَ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَرَأَ: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: 58]
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِذْ قُلُوبُ الْعِبَادِ مِنْ مَخَافَةِ عِقَابِ اللَّهِ لَدَى حَنَاجِرِهِمْ قَدْ شَخِصَتْ مِنْ صُدُورِهِمْ، فَتَعَلَّقْتُ بِحُلُوقِهِمْ كَاظِمِيهَا، يَرُومُونَ رَدَّهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا مِنْ صُدُورِهِمْ فَلَا تَرْجِعُ، وَلَا هِيَ تَخْرُجُ مِنْ أَبْدَانِهِمْ فَيَمُوتُوا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: 18] قَالَ: «قَدْ وَقَعَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْمَخَافَةِ، فَلَا هِيَ تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمْكِنَتِهَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، {إِذِ الْقُلُوبُ
لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} [غافر: 18] قَالَ: «شَخِصَتْ أَفْئِدَتُهُمْ عَنْ أَمْكِنَتِهَا، فَنَشَبَتْ فِي حُلُوقِهِمْ، فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ أَجْوَافِهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَى أَمْكِنَتِهَا فَتَسْتَقِرُّ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ النَّصْبِ ﴿كَاظِمِينَ﴾ [غافر: 18] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: انْتِصَابِهِ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ أَرَادَ: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الْإِضَافَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا قُلُوبُهُمْ لَدَى حَنَاجِرِهِمْ فِي حَالِ كَظْمِهِمْ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي يَرْجِعُ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي الْقُلُوبِ وَالْحَنَاجِرِ، الْمَعْنَى: إِذْ قُلُوبُهُمْ لَدَى حَنَاجِرِهِمْ كَاظِمِينَ قَالَ: فَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ قَطْعَهُ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ [مريم: 39] قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ وَجْهِ ذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [غافر: 18] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مَا لِلْكَافِرِينَ بِاللَّهِ يَوْمَئِذٍ مِنْ حَمِيمٍ يَحَمُّ لَهُمْ، فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ عَظِيمَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَيُطَاعُ فِيمَا شَفَعَ، وَيُجَابُ فِيمَا سَأَلَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمِ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [غافر: 18] قَالَ: «مِنْ يَعْنِيهِ أَمْرَهُمْ، وَلَا شَفِيعٍ لَهُمْ» وَقَوْلُهُ: ﴿يُطَاعُ﴾ [غافر: 18] صِلَةٌ لِلشَّفِيعِ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ إِذَا شَفَعَ أُطِيعَ فِيمَا شَفَعَ، فَأُجِيبَ وَقُبِلَتْ شَفَاعَتُهُ لَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: 19] يَقُولُ جَلَّ ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ صِفَةِ نَفْسِهِ: يَعْلَمُ رَبُّكُمْ مَا خَانَتْ أَعْيُنُ عِبَادِهِ، وَمَا أَخْفَتْهُ صُدُورُهُمْ، يَعْنِي: وَمَا أَضْمَرَتْهُ قُلُوبُهُمْ؛ يَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِهِمْ حَتَّى مَا يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ، وَيُضْمِرُهُ قَلْبُهُ إِذَا نَظَرَ مَاذَا يُرِيدُ بِنَظَرِهِ، وَمَا يَنْوِي ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: 20] يَقُولُ: وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَقْضِي فِي الَّذِي خَانَتْهُ الْأَعْيُنُ بِنَظَرِهَا، وَأَخْفَتْهُ الصُّدُورُ عِنْدَ نَظَرِ الْعُيُونِ بِالْحَقِّ، فَيَجْزِي الَّذِينَ أَغْمَضُوا أَبْصَارَهُمْ، وَصَرَفُوهَا عَنْ مَحَارِمِهِ حَذَارَ الْمَوْقِفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَسْأَلَتِهِ عَنْهُ بِالْحُسْنَى، وَالَّذِينَ رَدَّدُوا النَّظَرَ، وَعَزَمَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى مُوَاقَعَةِ الْفَوَاحِشِ إِذَا قَدَرَتْ، جَزَاءَهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ﴾ [غافر: 19] الْأَعْيُنِ «إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا تُرِيدُ الْخِيَانَةَ أَمْ لَا» ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19] " إِذَا قَدَرْتَ عَلَيْهَا أَتَزْنِي بِهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّتِي تَلِيهَا؟ قُلْتُ نَعَمْ " قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: 20] «قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَ بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ، وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ» ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 20] قَالَ الْحَسَنُ: فَقُلْتُ لِلْأَعْمَشِ: حَدَّثَنِي الْكَلْبِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَبِالْحَسَنَةِ عَشْرًا وَقَالَ الْأَعْمَشُ: إِنَّ الَّذِي عِنْدَ الْكَلْبِيِّ عِنْدِي، مَا خَرَجَ
مِنِّي إِلَّا بِحَقِيرٍ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: 19] قَالَ: «نَظَرَ الْأَعْيُنِ إِلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: 19] «أَيْ يَعْلَمُ هَمْزَهُ بِعَيْنِهِ، وَإِغْمَاضَهُ فِيمَا لَا يُحِبُّ اللَّهُ وَلَا يَرْضَاهُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: 20] يَقُولُ: وَالْأَوْثَانُ وَالْآلِهَةُ الَّتِي يَعْبُدُهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: فَاعْبُدُو االَّذِي يَقْدِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ،
فَيَجْزِي مُحْسِنَكُمْ بِالْإِحْسَانِ، وَالْمُسِيءَ بِالْإِسَاءَةِ، لَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَيَعْرِفُ الْمُحْسِنَ مِنَ الْمُسِيءِ، فَيُثِيبُ الْمُحْسِنَ، وَيُعَاقِبُ الْمُسِيءَ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 20] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ لِمَا تَنْطِقُ بِهِ أَلْسِنَتُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، الْبَصِيرُ بِمَا تَفْعَلُونَ مِنَ الْأَفْعَالِ، مُحِيطٌ بِكُلِّ ذَلِكَ مُحْصِيهِ
عَلَيْكُمْ، لِيُجَازِي جَمِيعَكُمْ جَزَاءَهُ يَوْمَ الْجَزَاءِ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الرعد: 14] فَقَرَأَ ذَلِكَ، عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَسِرْ هَؤُلَاءِ الْمُقِيمُونَ عَلَى شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ، الْمُكَذِّبُونَ رَسُولَهُ مِنْ
قُرَيْشٍ، فِي الْبِلَادِ، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: 21] يَقُولُ: فَيَرَوْا مَا الَّذِي كَانَ خَاتِمَةُ أُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ سَلَكُوا سَبِيلَهُمْ، فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [غافر: 21] يَقُولُ: كَانَتْ تِلْكَ الْأُمَمُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا، وَأَبْقَى فِي الْأَرْضِ آثَارًا، فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ شِدَّةُ قُوَاهُمْ، وَعِظَمُ أَجْسَامِهِمْ، إِذْ جَاءَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ، وَأَخَذَهُمْ بِمَا أَجْرَمُوا مِنْ مَعَاصِيهِ، وَاكْتَسَبُوا مِنَ الْآثَامِ، وَلَكِنَّهُ أَبَادَ جَمَعَهُمْ، وَصَارَتْ مَسَاكِنُهُمْ خَاوِيَةً مِنْهُمْ بِمَا ظَلَمُوا ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: 21] يَقُولُ: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِذْ جَاءَهُمْ، مِنْ وَاقٍ يَقِيهِمْ، فَيَدْفَعُهُ عَنْهُمْ
كَالَّذِي: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: 21] «يَقِيهِمْ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي فَعَلْتُ بِهَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَعَلْنَا بِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ بِالْبَيِّنَاتِ، يَعْنِي
بِالْآيَاتِ الدَّالَاتِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى طَاعَتِهِ ﴿فَكَفَرُوا﴾ [الصافات: 170] يَقُولُ: فَانْكَرُوا رِسَالَتَهَا، وَجَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ، وَأَبَوْا أَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 11] يَقُولُ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابِهِ فَأَهْلَكَهُمْ ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: 22] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ذُو قُوَّةٍ لَا يَقْهَرُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَغْلِبُهُ، وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ، شَدِيدٌ عِقَابُهُ مَنْ عَاقَبَ مِنْ خَلْقِهِ؛ وَهَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، الْمُكَذِّبِينَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَاحْذَرُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ أَنْ تَسْلُكُوا سَبِيلَهُمْ فِي تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُحُودِ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَيَسْلُكُ بِكُمْ فِي تَعْجِيلِ الْهَلَاكِ لَكُمْ مَسْلَكَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 24] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُسَلِّيًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَمَّا كَانَ يَلْقَى مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، بِإِعْلَامِهِ مَا لَقِيَ مُوسَى مِمَّنْ أُرْسَلَ إِلَيْهِ مِنْ تَكْذِيبٍ، وَمُخْبِرُهُ أَنْهُ
مُعْلِيهِ
عَلَيْهِمْ، وَجَاعِلٌ دَائِرَةَ السُّوءِ عَلَى مَنْ حَادَّهُ وَشَاقَّهُ، كَسُنَّتِهِ فِي مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، إِذْ أَعْلَاهُ، وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [هود: 96] يَعْنِي بِأَدِلَّتِهِ ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: 96]
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: 96] «أَيْ عُذْرٍ مُبِينٍ» يَقُولُ: وَحُجَجِهِ الْمُبَيَّنَةِ لِمَنْ يَرَاهَا أَنَّهَا حُجَّةٌ مُحَقَّقَةُ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مُوسَى ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 24] يَقُولُ: فَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى لِمُوسَى: هُوَ سَاحِرٌ يَسْحَرُ الْعَصَا، فَيَرَى النَّاظِرُ إِلَيْهَا أَنَّهَا حَيَّةٌ تَسْعَى، ﴿كَذَّابٌ﴾ [غافر: 24] يَقُولُ: يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ رَسُولًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 25] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا، وَذَلِكَ مَجِيئُهُ إِيَّاهُمْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ
بِطَاعَتِهِ، مَعَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، بِأَنَّ اللَّهَ ابْتَعَثَهُ إِلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ إِلَى ذَلِكَ ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: 25] بِاللَّهِ ﴿مَعَهُ﴾ [البقرة: 214] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر: 25] يَقُولُ: وَاسْتَبْقُوا نِسَاءَهُمْ لِلْخِدْمَةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا: اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ قَتْلُ فِرْعَوْنَ الْوِلْدَانَ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ حَذَارَ الْمَوْلُودَ الَّذِي كَانَ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَلَى رَأْسِهِ ذِهَابُ مُلْكِهِ، وَهَلَاكُ قَوْمِهِ، وَذَلِكَ كَانَ فِيمَا يُقَالُ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُوسَى نَبِيًّا؟ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بِقَتْلِ أَبْنَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ مُوسَى، وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ، كَانَ أَمْرًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ مِنْ بَعْدِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ مِنْ فِرْعَوْنَ قَبْلَ مَوْلِدِ مُوسَى
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر: 25] قَالَ: «هَذَا قَتْلٌ غَيْرُ الْقَتْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 25] يَقُولُ: وَمَا احْتِيَالُ أَهْلِ الْكُفْرِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ إِلَّا فِي جَوْزٍ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ، وَصَدٍ عَنْ قَصْدِ الْمَحَجَّةِ، وَأَخْذٍ عَلَى غَيْرِ هُدًى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتَلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوِ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: 79] لِمَلَئِهِ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر: 26] الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا فَيَمْنَعُهُ مِنَّا ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: 26] يَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ
أَنْ يُغَيِّرَ دِينَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِسِحْرِهِ
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ: (وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿أَوْ أَنْ﴾ [هود: 87] بِالْأَلِفِ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ يَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَرَفْعِ الْفَسَادِ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَسَادَ إِذَا أَظْهَرَهُ مُظْهِرًا كَانَ ظَاهِرًا، وَإِذَا ظَهَرَ فَبِإِظْهَارِ مَظْهَرِهِ يَظْهَرُ، فَفِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَى الْأُخْرَى، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي: ﴿أَوْ أَنْ يَظْهَرَ﴾ [غافر: 26] بِالْأَلْفِ وَبِحَذْفِهَا، فَإِنَّهُمَا أَيْضًا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا بُدِلَ إِلَى خِلَافِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ خِلَافَهُ الْمُبَدَّلَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ دُونَ الْمُبَدَّلِ، فَسَوَاءٌ عُطِفَ عَلَى خَبَرِهِ عَنْ خَوْفِهِ مِنْ مُوسَى أَنْ يُبَدِّلَ دِينَهُمْ بِالْوَاوِ أَوْ بِأَوْ، لِأَنَّ تَبْدِيلَ دِينِهِمْ كَانَ عِنْدَهُ ظُهُورَ الْفَسَادِ، وَظُهُورُ الْفَسَادَ كَانَ عِنْدَهُ هُوَ تَبْدِيلُ الدِّينِ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: إِنِّي أَخَافُ مِنْ مُوسَى أَنْ يُغَيِّرَ دِينَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ
يُظْهِرَ فِي أَرْضِكُمْ أَرْضِ مِصْرَ، عِبَادَةَ رَبِّهِ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُ هُوَ الْفَسَادُ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: 26] «أَيْ أَمْرَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ» ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26] «وَالْفَسَادُ عِنْدَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ: إِنِّي اسْتَجَرْتُ أَيُّهَا الْقَوْمُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ، مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ عَلَيْهِ، تَكَبَّرَ عَنْ تَوْحِيدِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَطَاعَتِهِ، لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ يُحَاسِبُ اللَّهُ فِيهِ خَلْقَهُ، فَيُجَازِي الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِمَا أَسَاءَ؛ وَإِنَّمَا خَصَّ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، الِاسْتِعَاذَةَ بِاللَّهِ مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِيَوْمِ الْحِسَابِ مُصَدِّقًا، لَمْ يَكُنْ لِلثَّوَابِ عَلَى
الْإِحْسَانِ رَاجِيًا، وَلَا لِلْعِقَابِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَقَبِيحِ مَا يَأْتِي مِنَ الْأَفْعَالِ خَائِفًا، وَلِذَلِكَ كَانَ اسْتِجَارَتُهُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ خَاصَّةً
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: 28] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ آمَنَ بِمُوسَى، وَكَانَ يُسِرُّ إِيمَانَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: 28] قَالَ: «هُوَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ» وَيُقَالُ: هُوَ الَّذِي نَجَا مَعَ مُوسَى، فَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، وَتَأَوَّلَ هَذَا التَّأْوِيلِ، كَانَ صَوَابًا الْوَقْفُ إِذَا أَرَادَ الْقَارِئُ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: 49] لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مُتَنَاهُ قَدْ تَمَّ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ الرَّجُلُ إِسْرَائِيلِيًّا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَالصَّوَابُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِمَنْ أَرَادَ الْوَقْفَ أَنْ يَجْعَلَ وَقَفَهُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: 28] لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: 49] صِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: 28] فَتَمَامُهُ قَوْلُهُ: يَكْتُمُ إِيمَانَهُ
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ " اسْمَ هَذَا الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: جِبْرِيلُ " كَذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ السُّدِّيُّ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ كَانَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، قَدْ أَصْغَى لَكَلَامِهِ، وَاسْتَمَعَ مِنْهُ مَا قَالَهُ، وَتَوَقَّفَ عَنْ قَتْلِ مُوسَى عِنْدَ نُهْيِهِ عَنْ قَتْلِهِ وَقِيلِهِ مَا قَالَهُ وَقَالَ لَهُ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا لَكَانَ حَرِيًّا أَنْ يُعَاجِلَ هَذَا الْقَاتِلَ لَهُ، وَلِمَلَئِهِ مَا قَالَ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى قَوْلِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَنْصِحُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِاعْتِدَادِهِ إِيَّاهُمْ أَعْدَاءً لَهُ، فَكَيْفَ بِقَوْلِهِ عَنْ قَتْلِ مُوسَى لَوْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؟ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ مَلَأِ قَوْمِهِ، اسْتَمَعَ قَوْلَهُ، وَكُفَّ عَمَّا كَانَ هُمْ بِهِ فِي مُوسَى
وَقَوْلُهُ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ﴾ [غافر: 28] يَقُولُ: أَتَقْتُلُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ مُوسَى لِأَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ؟ فَأَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لِمَا وَصَفْتُ ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: 28] يَقُولُ: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا يَقُولُ مِنْ ذَلِكَ.
وَتِلْكَ الْبَيِّنَاتُ مِنَ الْآيَاتِ يَدُهُ وَعَصَاهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: 28] «بِعَصَاهُ وَبِيَدِهِ»