وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: 152] يَقُولُ: حَتَّى يَبْلُغَ وَقْتَ اشْتِدَادِهِ فِي الْعَقْلِ، وَتَدْبِيرِ مَالِهِ، وَصَلَاحِ حَالِهِ فِي دِينِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي أَهْلِ قَرْيَةٍ أَذِنَ اللَّهُ فِي هَلَاكِهَا وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: 58] يَعْنِي فِي الْكِتَابِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ كُلُّ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَذَلِكَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: 58] قَالَ: فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَقَرَأَ ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: 58] مَكْتُوبًا مُبَيَّنًا وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] وَاعْلَمْ بِأَنَّ ذَا الْجَلَالِ قَدْ قَدَرْ فِي الْكُتُبِ الْأُولَى الَّتِي كَانَ سَطَرْ أَمْرَكَ هَذَا فَاحْتَفِظْ فِيهِ النَّهَرْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا مَنَعَنَا يَا مُحَمَّدُ أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ الَّتِي سَأَلَهَا قَوْمُكَ، إِلَّا أَنْ كَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، سَأَلُوا ذَلِكَ مِثْلَ سُؤَالِهِمْ، فَلَمَّا آتَاهُمْ مَا سَأَلُوا مِنْهُ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، فَلَمْ يُصَدِّقُوا مَعَ مَجِيءِ الْآيَاتِ، فَعُوجِلُوا فَلَمْ نُرْسِلْ إِلَى قَوْمِكَ بِالْآيَاتِ، لَأَنَّا لَوْ أَرْسَلْنَا بِهَا إِلَيْهَا، فَكَذَّبُوا بِهَا سَلَكْنَا فِي تَعْجِيلِ الْعَذَابِ لَهُمْ مَسْلَكَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّي عَنْهُمُ الْجِبَالَ، فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نَسْتَأْنِيَ بِهِمْ لَعَلَّنَا نَجْتَنِي مِنْهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أُهْلِكَ مَنْ قَبْلَهُمْ، قَالَ: «بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 59]
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا مَسْعُودُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59] قَالَ: رَحْمَةٌ لَكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ، إِنَّا لَوْ أَرْسَلْنَا بِالْآيَاتِ فَكَذَّبْتُمْ بِهَا أَصَابَكُمْ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَكُمْ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَكَ أَنْبِيَاءُ، فَمِنْهُمْ مِنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، فَإِنْ سَرَّكَ أَنْ نُؤْمِنَ بِكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَادْعُ رَبَّكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ الَّذِيَ قَالُوا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَفْعَلَ الَّذِي قَالُوا، فَإِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا نَزَلَ الْعَذَابُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُنَاظَرَةٌ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْتَأْنِيَ قَوْمَكَ اسْتَأْنَيْتَ بِهَا، قَالَ: «يَا رَبِّ أَسْتَأْنِي»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59] قَالَ: قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، وَيَسُرُّكَ أَنْ نُؤْمِنَ، فَحَوِّلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا، فَأَتَاهُ جِبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ كَانَ الَّذِي سَأَلَكَ قَوْمُكَ، وَلَكِنَّهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُنَاظَرُوا، وَإِنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتَ بِقَوْمِكَ، قَالَ: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِقَوْمِي» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: 59] وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفْهَمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 6]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنْ يُحَوَّلَ الصَّفَا، ذَهَبًا، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَأْتِ قَرْيَةً بِآيَةٍ فَيُكَذِّبُوا بِهَا إِلَّا عُذِّبُوا، فَلَوْ جَعَلْتُ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا وَ «أَنْ» الْأُولَى الَّتِي مَعَ مَنَعَنَا، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ مَنَعَنَا عَلَيْهَا، وَأَنِ الثَّانِيَةُ رَفْعٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا مَنَعَنَا إِرْسَالُ الْآيَاتِ إِلَّا تَكْذِيبُ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْأُمَمِ، فَالْفِعْلُ لِأَنِ الثَّانِيَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَدْ سَأَلَ الْآيَاتِ يَا مُحَمَّدُ مَنْ قَبْلَ قَوْمِكَ ثَمُودُ فَآتَيْنَاهَا مَا سَأَلَتْ، وَحَمَلْنَا تِلْكَ الْآيَةَ نَاقَةً مُبْصِرَةً.
جَعَلَ الْإِبْصَارَ لِلنَّاقَةِ، كَمَا تَقُولُ لِلشَّجَّةِ: مُوضِحَةٌ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ
مُبَيِّنَةٌ.
وَإِنَّمَا عَنَى بِالْمُبْصِرَةِ: الْمُضِيئَةِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي مَنْ يَرَاهَا كَانُوا أَهْلَ بَصَرٍ بِهَا، أَنَّهَا لِلَّهِ حُجَّةٌ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67] كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 59] أَيْ بَيِّنَةً
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي
الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 59] قَالَ: آيَةً حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الأعراف: 103] يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: فَكَانَ بِهَا ظُلْمُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهَا وَعَقَرُوهَا، فَكَانَ ظُلْمُهُمْ بِعَقرِهَا وَقَتْلِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَكَفَرُوا بِهَا، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُ أَرَادَ: فَكَفَرُوا بِاللَّهِ بِقَتْلِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا