وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: 152] يَقُولُ: حَتَّى يَبْلُغَ وَقْتَ اشْتِدَادِهِ فِي الْعَقْلِ، وَتَدْبِيرِ مَالِهِ، وَصَلَاحِ حَالِهِ فِي دِينِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
فِيهِ وَأَنْذَرْنَاهُمْ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: 41] يَقُولُ: لِيَتَذَكَّرُوا تِلْكَ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ، فَيَعْقِلُوا خَطَأَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ، وَيَعْتَبِرُوا بِالْعِبَرِ، فَيَتَّعِظُوا بِهَا، وَيُنِيبُوا مِنْ جَهَالَتِهِمْ، فَمَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا، وَلَا يَتَذَكَّرُونَ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآيَاتِ وَالنُّذُرِ، وَمَا يَزِيدُهُمْ تَذْكِيرُنَا إِيَّاهُمْ ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: 41] يَقُولُ: إِلَّا ذَهَابًا عَنِ الْحَقِّ، وَبُعْدًا مِنْهُ وَهَرَبًا.
وَالنُّفُورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَفَرَ فُلَانٌ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ يَنْفُرُ مِنْهُ نَفْرًا وَنُفُورًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغُوا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ: مِنْ أَنَّ مَعَهُ آلِهَةً وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا
تَقُولُونَ، إِذَنْ لَابْتَغَتْ تِلْكَ الْآلِهَةُ الْقِرْبَةَ مِنَ اللَّهِ ذِي الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْتَمَسَتِ الزُّلْفَةَ إِلَيْهِ، وَالْمَرْتَبَةَ مِنْهُ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 42] يَقُولُ: لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ إِذَنْ لَعَرَفُوا فَضْلَهُ وَمَرْتَبَتَهُ وَمَنْزِلَتَهُ عَلَيْهِمْ، فَابْتَغَوْا مَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 42] قَالَ: لَابْتَغَوُا الْقُرْبَ إِلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ وَهَذَا تَنْزِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، الْجَاعِلُونَ مَعَهُ آلِهَةً غَيْرَهُ،
الْمُضِيفُونَ إِلَيْهِ الْبَنَاتِ، فَقَالَ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ وَعُلُوًّا لَهُ عَمَّا تَقُولُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ، مِنَ الْفِرْيَةِ وَالْكَذِبِ، فَإِنَّ مَا تُضِيفُونَ إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ صِفَةٌ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 43] يُسَبِّحُ نَفْسَهُ إِذْ قِيلَ عَلَيْهِ الْبُهْتَانُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾ [الإسراء: 43] وَلَمْ يَقُلْ: تَعَالَيًا، كَمَا قَالَ: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8] كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل]
أَنْتَ الْفِدَاءُ لِكَعْبَةٍ هَدَّمْتَهَا ... وَنَقَرْتَهَا بِيَدَيْكَ كُلَّ مُنَقَّرِ مُنِعَ الْحَمَّامُ مَقِيلَهُ مِنْ سَقْفِهَا ... وَمِنَ الْحَطِيمِ فَطَارَ كُلَّ مُطَيَّرِ وَقَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ يَقُولُ: تَنَزَّهَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ عَمَّا وَصَفْتُمُوهُ بِهِ إِعْظَامًا لَهُ وَإِجْلَالًا، السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةَ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَأَنْتُمْ مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ، وَجَمِيلِ أَيَادِيهِ عِنْدَكُمْ، تَفْتَرُونَ عَلَيْهِ بِمَا تَفْتَرُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، كَمَا:
حَدَّثَنِي بِهِ، نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ نُوحٌ ابْنَهُ؟ إِنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ آمُرُكَ أَنْ تَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْخَلْقِ، وَتَسْبِيحُ الْخَلْقِ، وَبِهَا تُرْزَقُ الْخَلْقُ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِنَّ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: لَا يَعِيبَنَّ أَحَدُكُمْ دَابَّتَهُ وَلَا ثَوْبَهُ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] قَالَ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ، وَالْأُسْطُوَانَةُ تُسَبِّحُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، قَالَا: ثنا جَرِيرٌ أَبُو الْخَطَّابِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ وَمَعَهُ الْحَسَنُ فِي طَعَامٍ، فَقَدَّمُوا الْخِوَانَ، فَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ يُسَبِّحُ هَذَا الْخِوَانُ: فَقَالَ: كَانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] قَالَا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: الطَّعَامُ يُسَبِّحُ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ، مِنْ شَجَرٍ أَوْ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ الرَّجُلَ، إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ
الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا حَتَّى يَقُولُهَا، فَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَهِيَ كَلِمَةُ الشُّكْرِ الَّتِي لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَبْدٌ قَطُّ حَتَّى يَقُولُهَا: فَإِذَا قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَهِيَ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَهِيَ صَلَاةُ الْخَلَائِقِ الَّتِي لَمْ يَدْعُ اللَّهَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا نَوَّرَهُ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ، فَإِذَا قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَ مَا عَدَا تَسْبِيحِ مَنْ كَانَ يُسَبِّحُ بِمِثْلِ أَلْسِنَتِكُمْ ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ [الإسراء: 44] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ حَلِيمًا لَا يَعْجَلُ عَلَى خَلْقِهِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ، وَيَكْفُرُونَ بِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَاجَلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَهُ الْآلِهَةَ
وَالْأَنْدَادَ بِالْعُقُوبَةِ.
﴿غَفُورًا﴾ [النساء: 23] يَقُولُ: سَاتِرًا ذُنُوبَهُمْ، إِذَا هُمْ تَابُوا مِنْهَا بِالْعَفْوِ مِنْهُ لَهُمْ، كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ [الإسراء: 44] عَنْ خَلْقِهِ، فَلَا يَعْجَلُ كَعَجَلَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ﴿غَفُورًا﴾ [النساء: 23] لَهُمْ إِذَا تَابُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا قَرَأْتَ يَا مُحَمَّدُ الْقُرْآنَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا
يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ، وَلَا يُقِرُّونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا، يَحْجُبُ قُلُوبَهُمْ عَنْ أَنْ يَفْهَمُوا مَا تُقِرُّوهُ عَلَيْهِمْ، فَيَنْتَفِعُوا بِهِ عُقُوبَةً مِنَّا لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَالْحِجَابُ هَاهُنَا: هُوَ السَّاتِرُ كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] الْحِجَابُ الْمَسْتُورُ أَكِنَّةً عَلَى قُلُوبِهِمْ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَأَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] قَالَ: هِيَ الْأَكِنَّةُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] قَالَ: قَالَ أَبِي: لَا يَفْقَهُونَهُ، وَقَرَأَ: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: 25] لَا يَخْلُصُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ حِجَابًا مَسْتُورًا حِجَابًا سَاتِرًا، وَلَكِنَّهُ أُخْرِجَ وَهُوَ فَاعِلٌ فِي لَفْظِ الْمَفْعُولِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّكَ مَشْئُومٌ عَلَيْنَا وَمَيْمُونٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَائِمٌ وَيَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَأَمَهُمْ وَيَمَنَهُمْ.
قَالَ: وَالْحِجَابُ هَهُنَا: هُوَ السَّاتِرُ.
وَقَالَ: مَسْتُورًا.
وَكَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: مَعْنَى ذَلِكَ: حِجَابًا مَسْتُورًا عَنِ الْعِبَادِ فَلَا يَرَوْنَهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَظْهَرُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْتُورُ هُوَ الْحِجَابَ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ لِلَّهِ سِتْرًا عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ فَلَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُهُمْ، وَإِنْ كَانَ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عِنْدَ قِرَاءَتِكَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ أَكِنَّةً، وَهِيَ جَمْعُ كِنَانٍ، وَذَلِكَ مَا يَتَغَشَّاهَا
مِنْ خِذْلَانِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَنْ فَهْمِ مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: 25] يَقُولُ: وَجَعَلْنَا فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَصَمَمًا.
وَالْوَقْرُ بِالْفَتْحِ فِي الْأُذُنِ: الثِّقَلُ.
وَالْوَقْرُ بِالْكَسْرِ: الْحَمْلُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ [الإسراء: 46] يَقُولُ: وَإِذَا قُلْتُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَأَنْتَ تَتْلُوهُ ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46] يَقُولُ: انْفَضُّوا، فَذَهَبُوا عَنْكَ نُفُورًا مِنْ قَوْلِكَ اسْتِكْبَارًا لَهُ وَاسْتِعْظَامًا مِنْ أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا﴾ [الإسراء: 46] وَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ وَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، فَصَافَّهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُمْضِيَهَا وَيَنْصُرَهَا وَيُفْلِجَهَا
وَيُظْهِرُهَا عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا، إِنَّهَا كَلِمَةٌ مَنْ خَاصَمَ بِهَا فُلِجَ، وَمَنْ قَاتَلَ بِهَا نُصِرَ، إِنَّمَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، الَّتِي يَقْطَعُهَا الرَّاكِبُ فِي لَيَالٍ قَلَائِلَ وَيَسِيرُ الدَّهْرُ فِي فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَهَا وَلَا يُقِرُّونَ بِهَا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46] قَالَ: بُغْضًا لِمَا تَكَلَّمَ بِهِ لِئَلَّا يَسْمَعُوهُ، كَمَا كَانَ قَوْمُ نُوحٍ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ لِئَلَّا يَسْمَعُوا مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ، وَيَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ، قَالَ: يِلْتَفُّونَ بِثِيَابِهِمْ، وَيَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ لِئَلَّا يَسْمَعُوا وَلَا يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46] الشَّيَاطِينَ، وَإِنَّهَا تَهْرُبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ، قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَبُو رَجَاءٍ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46] هُمُ الشَّيَاطِينُ وَالْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَشْبَهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى
أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] فَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى إِذْ كَانَ بِخَبَرِهِمْ مُتَّصِلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذِكْرٌ.
وَأَمَّا النُّفُورُ، فَإِنَّهَا جَمْعُ نَافِرٍ، كَمَا الْقُعُودُ جَمْعُ قَاعِدٍ، وَالْجُلُوسُ جَمْعُ جَالِسٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أُخْرِجَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ ﴿وَلَّوْا﴾ [الإسراء: 46] بِمَعْنَى: نَفَرُوا، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: نَفَرُوا نُفُورًا، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
[البحر الطويل]
وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ أَيَّ إِذْلَالِ
إِذَا كَانَ رُضْتُ بِمَعْنَى: أَذْلَلْتُ، فَأَخْرَجَ الْإِذْلَالَ مِنْ مَعْنَاهُ، لَا مِنْ لَفْظِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 47] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: نَحْنُ أَعْلَمُ يَا مُحَمَّدُ بِمَا يَسْتَمِعُ بِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ، إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ
﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: 47] وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: النَّجْوَى: فِعْلُهُمْ، فَجَعَلَهُمْ هُمُ النَّجْوَى، كَمَا يَقُولُ: هُمْ قَوْمٌ رِضًا، وَإِنَّمَا رِضًا: فِعْلُهُمْ
وَقَوْلُهُ ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 47] يَقُولُ: حِينَ يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مَا تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا.
وَعَنَى فِيمَا ذُكِرَ بِالنَّجْوَى: الَّذِينَ تَشَاوَرُوا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 47] قَالَ: هِيَ مِثْلُ قِيلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَمَنْ مَعَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ.
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ [الإسراء: 47] . . الْآيَةَ، وَنَجْوَاهُمْ أَنْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَجْنُونٌ.
وَأَنَّهُ سَاحِرٌ، وَقَالُوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان: 5] وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَذْهَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 47] إِلَى مَعْنَى: مَا تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا لَهُ سَحْرٌ: أَيْ لَهُ رِئَةٌ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الرِّئَةُ سَحْرًا، وَالْمُسَحَّرُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ إِذَا جَبُنَ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِكُلِّ مَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْ آدَمَيٍّ وَغَيْرِهِ: مَسْحُورُ وَمُسَحَّرٌ، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
[البحر الطويل]
فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ... عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ
وَقَالَ آخَرُونَ: [البحر الوافر]
وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ
أَيْ نُغَذَّى بِهِمَا.
فَكَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ كَانَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا لَهُ رِئَةٌ، يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَيَشْرَبُ الشَّرَابَ، لَا مَلَكًا لَا حَاجَةٌ بِهِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ بِعَيْنِ قَلْبِكَ فَاعْتَبِرْ كَيْفَ مَثَّلُوا لَكَ الْأَمْثَالَ، وَشَبَّهُوا لَكَ الْأَشْبَاهَ، بِقَوْلِهِمْ: هُوَ مَسْحُورٌ، وَهُوَ شَاعِرٌ، وَهُوَ مَجْنُونٌ ﴿فَضَلُّوا﴾ [النحل: 71] يَقُولُ: فَجَارُوا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ بِقِيلِهِمْ مَا
قَالُوا ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 48] يَقُولُ: فَلَا يَهْتَدُونَ لِطَرِيقِ الْحَقِّ لِضَلَالِهِمْ عَنْهُ وَبُعْدِهِمْ مِنْهُ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهُمْ عَنْ إِصَابَتِهِ، فَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْمَخْرَجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ كُفْرِهِمْ بِتَوْفِيقِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 48] قَالَ: مَخْرَجًا، الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَصْحَابُهُ أَيْضًا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 48] مَخْرَجًا، الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَصْحَابُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَقَالُوا بِعَنَتِهِمْ: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ [الإسراء: 49] لَمْ نَتَحَطَّمْ وَلَمْ نَتَكَسَّرْ بَعْدَ مَمَاتِنَا وَبِلَانَا ﴿وَرُفَاتًا﴾ [الإسراء: 49] يَعْنِي تُرَابًا فِي قُبُورِنَا،
كَمَا: