وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: 46] يَقُولُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46] يَقُولُ: مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ يُنْذِرُكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللَّهِ عِقَابَهُ أَمَامَ عَذَابِ جَهَنَّمَ قَبْلَ أَنْ تَصْلُوهَا وَقَوْلُهُ: «هُوَ» كِنَايَةُ اسْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: 47]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ الْمُكَذِّبِيكَ، الرَّادِينَ عَلَيْكَ مَا أَتَيْتُهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ: مَا أَسْأَلُكُمْ مِنْ جُعْلٍ عَلَى إِنْذَارِيكُمْ عَذَابَ اللَّهِ، وَتَخْوِيفِكُمْ بِهِ بَأْسَهُ، وَنَصِيحَتِي لَكُمْ فِي أَمْرِي إِيَّاكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، فَهُوَ لَكُمْ لَا حَاجَةَ لِي بِهِ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَسْأَلْكُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا فَتَتَّهِمُونِي، وَتَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى اتِّبَاعِي لِمَالٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ [سبأ: 47] " أَيْ جُعْلٍ ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] يَقُولُ: لَمْ أَسْأَلْكُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ جُعْلًا "
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: 72] يَقُولُ: مَا ثَوَابِي عَلَى دُعَائِكُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَتَبْلِيغِكُمْ رِسَالَتَهُ، إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: 47] يَقُولُ: وَاللَّهُ عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ شَهِيدٌ يَشْهَدُ لِي بِهِ، وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: 49] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: 48] وَهُوَ الْوَحْيُ، يَقُولُ: يُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ،
فَيَقْذِفُهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109] يَقُولُ: عَلَّامُ مَا يَغِيبُ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَلَا مَظْهَرَ لَهَا، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ، وَذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الرَّبِّ؛ غَيْرَ أَنَّهُ رُفِعَ لِمَجِيئِهِ بَعْدَ الْخَبَرِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا وَقَعَ النَّعْتُ بَعْدَ الْخَبَرِ، فِي أَنِ اتْبَعُوا النَّعْتَ أَعْرَابَ مَا فِي الْخَبَرِ، فَقَالُوا: إِنَّ أَبَاكَ يَقُومُ الْكَرِيمُ، فَرَفَعَ الْكَرِيمَ عَلَى مَا وَصَفْتُ، وَالنَّصْبُ فِيهِ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْأَبٍ، فَيَتْبَعُ إِعْرَابَهُ ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [سبأ: 49] يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: جَاءَ الْقُرْآنُ وَوَحْيُ اللَّهِ ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ [سبأ: 49] يَقُولُ: وَمَا يُنْشِئُ الْبَاطِلُ خَلْقًا؛ وَالْبَاطِلُ هُوَ فِيمَا فَسَّرَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: إِبْلِيسُ ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: 49] يَقُولُ: وَلَا يُعِيدُهُ حَيًّا بَعْدَ فَنَائِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: 48] «أَيْ بِالْوَحْيِ» ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [سبأ: 49] «أَيِ الْقُرْآنُ» ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: 49] " وَالْبَاطِلُ: إِبْلِيسُ: أَيْ مَا يَخْلُقُ إِبْلِيسُ أَحَدًا، وَلَا يَبْعَثُهُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: 48] " فَقَرَأَ: ﴿بَلْ نقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [الأنبياء: 18] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18] قَالَ: " يُزْهِقُ اللَّهُ الْبَاطِلَ، وَيُثْبِتُ اللَّهُ
الْحَقَّ الَّذِي دَمَغَ بِهِ الْبَاطِلَ، يَدْمَغُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ، فَيُهْلِكُ الْبَاطِلَ وَيُثْبِتُ الْحَقَّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: 48]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إِنْ ضَلَلْتُ عَنِ الْهُدَى، فَسَلَكْتُ غَيْرَ طَرِيقِ الْحَقِّ، فَإِنَّمَا ضَلَالِي عَنِ الصَّوَابِ عَلَى نَفْسِي، يَقُولُ: فَإِنَّ ضَلَالِي عَنِ الْهُدَى عَلَى نَفْسِي ضُرُّهُ ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ [سبأ: 50] يَقُولُ: وَإِنِ اسْتَقَمْتُ عَلَى الْحَقِّ ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: 50] يَقُولُ: فَبِوَحْيِ اللَّهِ الَّذِي يُوحِي إِلَيَّ، وَتَوْفِيقِهِ لِلِاسْتِقَامَةِ عَلَى مَحَجَّةِ الْحَقِّ وَطَرِيقِ الْهُدَى
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ سُمَيْعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: 50] يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي سُمَيْعٌ لِمَا أَقُولُ لَكُمْ، حَافِظٌ لَهُ، وَهُوَ الْمُجَازِي لِي عَلَى صِدْقِي فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِنِّي غَيْرُ بَعِيدٍ، فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ سَمَاعُ مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَمَا تَقُولُونَ، وَمَا يَقُولُهُ غَيْرُنَا، وَلَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ يَسْمَعُ كُلَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ، أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ
إِذْ فَزِعُوا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبأ: 43] قَالَ: وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: 51] عِنْدَ نُزُولِ نَقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: «هَذَا مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: 51] قَالَ: «هَذَا عَذَابُ الدُّنْيَا»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: " هَؤُلَاءِ قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ، قَالَ: وَهُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ، أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ جَيْشٌ يُخْسَفُ بِهِمْ بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] قَالَ: «هُمُ الْجَيْشُ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ، يَبْقَى مِنْهُمْ رَجُلٌ يُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا لَقِيَ أَصْحَابُهُ»
حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثني مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ فِتْنَةً تَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قَالَ: " فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِمُ السُّفْيَانِيُّ مِنَ الْوَادِي الْيَابِسِ فِي فَوْرَةِ ذَلِكَ، حَتَّى يَنْزِلَ دِمَشْقَ، فَيَبْعَثُ جَيْشَيْنِ: جَيْشًا إِلَى الْمَشْرِقِ، وَجَيْشًا إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى يَنْزِلُوا بِأَرْضِ بَابِلَ فِي الْمَدِينَةِ الْمَلْعُونَةِ، وَالْبُقْعَةِ الْخَبِيثَةِ، فَيَقْتُلُونَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَيَبْقِرُونَ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ امْرَأَةٍ، وَيَقْتُلُونَ بِهَا ثَلَاثَ مِائَةِ كَبْشٍ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، ثُمَّ يَنْحَدِرُونَ إِلَى الْكُوفَةِ فَيَخْرُجُونَ مَا حَوْلَهَا، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى الشَّامِ، فَتَخْرُجُ رَايَةُ هَذَا مِنَ الْكُوفَةِ، فَتَلْحَقُ ذَلِكَ الْجَيْشَ مِنْهَا عَلَى الْفِئَتَيْنِ فَيَقْتُلُونَهُمْ، لَا يَفْلِتُ
مِنْهُمْ مُخْبِرٌ، وَيَسْتَنْقِذُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْيِ وَالْغَنَائِمِ، وَيُخَلِّي جَيْشَهُ التَّالِي بِالْمَدِينَةِ، فَيَنْهَبُونَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا طَافُوا بِالْبَيْدَاءِ، بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: يَا جَبْرَائِيلُ اذْهَبْ فَأَبِدْهُمْ، فَيَضْرِبُهَا بِرِجْلِهِ ضَرْبَةً يُخْسَفُ اللَّهُ بِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ سَبَأٍ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] الْآيَةَ، وَلَا يَنْفَلِتُ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا بَشِيرٌ، وَالْآخَرُ نَذِيرٌ، وَهُمَا مِنْ جُهَيْنَةَ، فَلِذَلِكَ جَاءَ الْقَوْلُ: وَعِنْدَ جُهَيْنَةَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَوَّادَ بْنَ الْجَرَّاحِ، عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي، حُدِّثَ بِهِ، عَنْهُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قِصَّةٍ، ذَكَرَهَا فِي الْفِتَنِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ سَمِعْتُهُ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَقُرِئَ عَلَيْهِ
وَأَنْتَ حَاضِرٌ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَمَا قِصَّتُهُ، فَمَا خَبَرُهُ؟ قَالَ: جَاءَنِي قَوْمٌ فَقَالُوا: مَعَنَا حَدِيثٌ عَجِيبٌ، أَوْ كَلَامٌ هَذَا مَعْنَاهُ، نَقْرَؤُهُ وَتَسْمَعُهُ، قُلْتُ لَهُمْ: هَاتُوهُ، فَقَرَءُوهُ عَلَيَّ، ثُمَّ ذَهَبُوا فَحَدَّثُوا بِهِ عَنِّي، أَوْ كَلَامٌ هَذَا مَعْنَاهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَقَدْ: حَدَّثَنِي بِبَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، قَالَ: رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الصُّدَائِيِّ، عَنْ شَيْخٍ، عَنْ رَوَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ بِطُولِهِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا فَزِعُوا عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: 51] قَالَ: «فَزِعُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ» وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: 51] حِينَ
عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] قَالَ: «أَفْزَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمْ يَفُوتُوا» وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَأَشْبَهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَعِيدُ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْمِهِ لِأَنَّ الْآيَاتَ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ جَاءَتْ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُمْ وَعَنْ أَسْبَابِهِمْ، وَبِوَعِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مَغَبَّتَهُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي سِيَاقِ تِلْكَ الْآيَاتِ، فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ حَالِهِمْ أَشْبَهَ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمَا لَمْ يُجِرْ لَهُ ذِكْرُهُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمَكَ، فَتُعَايِنُهُمْ حِينَ فَزِعُوا مِنْ مُعَايَنَتِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] يَقُولُ فَلَا سَبِيلَ حِينَئِذٍ أَنْ يَفُوتُوا بِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ يُعْجِزُونَا هَرَبًا، وَيُنْجَوْا مِنْ عَذَابِنَا
كَمَا: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] يَقُولُ: «فَلَا نَجَاةَ»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] قَالَ: «لَا هَرَبَ»