تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 238-250

وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105] يَقُولُ: بِمَا كُنْتُمْ تُصِيبُونَ فِي الدُّنْيَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ فِيهَا طَاعَةَ اللَّهِ طَلَبَ مَرْضَاتِهِ

صفحات 238-250
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: 47] يَعْنِي: «يَأْخُذُ الْعَذَابَ طَائِفَةٌ وَيَتْرُكُ أُخْرَى، وَيُعَذِّبُ الْقَرْيَةَ وَيُهْلِكُهَا، وَيَتْرُكُ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا»

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يَقُولُ: فَإِنَّ رَبَّكُمْ إنْ لَمْ يَأْخُذْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ بِعَذَابٍ مُعَجَّلٍ لَهُمْ، وَأَخَذَهُمْ بِمَوْتٍ وَتَنَقَّصَ بَعْضَهُمْ فِي أَثَرِ بَعْضٍ، لَرَءُوفٌ بِخَلْقِهِ، رَحِيمٌ بِهِمْ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ لَمْ يَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَلَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الْعَذَابَ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُهُمْ وَيُنْقِصُهُمْ بِمَوْتٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [الرعد: 41] بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ (أَوَلَمْ تَرَوْا) بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ.
وَأَوْلَى

الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَيْرِ عَنِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ قَصَصِهِمْ وَالْخَبَرِ عَنْهُمْ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ الْخَبَرَ عَنْ ذَهَابِهِمْ عَنْ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَتَرْكِهِمُ النَّظَرَ فِي أَدِلَّتِهِ وَالِاعْتِبَارِ بِهَا، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: أَوَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ جِسْمٍ قَائِمٍ، شَجَرٍ، أَوْ جَبَلٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ يَقُولُ: يَرْجِعُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، فَهُوَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَلَى حَالٍ، ثُمَّ يَتَقَلَّصُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى حَالٍ أُخْرَى فِي آخِرِ النَّهَارِ.
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَقُولُونَ فِي الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ مَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للَّهِ﴾ «أَمَّا الْيَمِينُ فَأَوَّلُ النَّهَارِ، وَأَمَّا الشِّمَالُ فَآخِرُ النَّهَارِ» .

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ،﴾ قَالَ: «الْغُدُوُّ وَالْآصَالُ، إِذَا فَاءَتِ الظِّلَالُ، ظِلَالُ كُلِّ شَيْءٍ، بِالْغُدُوِّ سَجَدَتْ للَّهِ، وَإِذَا فَاءَتْ بِالْعَشِيِّ سَجَدَتْ للَّهِ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ يَعْنِي: «بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ،» تَسْجُدُ الظِّلَالُ للَّهِ غُدْوَةً إِلَى أَنْ يَفِئَ الظِّلُّ، ثُمَّ تَسْجُدُ للَّهِ إِلَى اللَّيْلِ، يَعْنِي ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ " وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُهُ فِي قَوْلِهِ ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ﴾ مَا:

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ﴾ يَقُولُ: تَتَمَيَّلُ ". وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا للَّهِ﴾ [النحل: 48] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ سُجُودُهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ﴾ قَالَ: «ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ سُجُودُهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ﴾ قَالَ: «سَجَدَ ظِلُّ الْمُؤْمِنِ طَوْعًا، وَظِلُّ الْكَافِرِ كَرْهًا» . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ﴾ كُلًّا عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ فِي حَالِ سُجُودِهَا، قَالُوا: وَسُجُودُ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ ظِلَالِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ، قَالَا: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ قَالَ: " إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ تَوَجَّهَ كُلُّ شَيْءٍ سَاجِدًا قِبَلَ الْقِبْلَةِ مِنْ نَبْتٍ أَوْ شَجَرٍ، قَالَ: فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلَاةَ عِنْدَ ذَلِكَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ﴾ قَالَ: «إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ بِالسُّجُودِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ظِلَالَ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّمَا يَسْجُدُ ظِلَالُهَا دُونَ الَّتِي لَهَا الظِّلَالُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ﴾ قَالَ: " هُوَ

سُجُودُ الظِّلَالِ، ظِلَالُ كُلِّ شَيْءٍ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، قَالَ: سُجُودُ ظِلَالِ الدَّوَابِّ، وَظِلَالُ كُلِّ شَيْءٍ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ «مَا خَلَقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ يَمِينِهِ وَشَمَائِلِهِ، فَلَفْظُ» مَا " لَفْظٌ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ، قَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّكَ إِذَا صَلَّيْتَ الْفَجْرَ كَانَ مَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا ظِلًّا؟ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا، وَقَبَضَ اللَّهُ الظِّلَّ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ظِلَالَ الْأَشْيَاءِ هِيَ الَّتِي تَسْجُدُ، وَسُجُودُهَا: مَيَلَانُهَا وَدَوَرَانُهَا مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، وَنَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: سَجَدَتِ النَّخْلَةُ إِذَا مَالَتْ، وَسَجَدَ الْبَعِيرُ وَأُسْجِدَ: إِذَا أُمِيلَ لِلرُّكُوبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى السُّجُودِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: 48] يَعْنِي: وَهُمْ صَاغِرُونَ يُقَالُ مِنْهُ: دَخَرَ فُلَانٌ للَّهِ

يَدْخُرُ دَخَرًا وَدُخُورًا: إِذَا ذَلَّ لَهُ وَخَضَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [البحر الطويل] فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا دَاخِرٌ فِي مُخَيَّسٍ ... وَمُنْجَحِرٌ فِي غَيْرِ أَرْضِكَ فِي جُحْرِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: 48] صَاغِرُونَ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: 48] أَيْ صَاغِرُونَ ". حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ.
وَأَمَّا تَوْحِيدُ الْيَمِينِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: 48] فَجَمَعَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ

ظِلَالُ مَا خَلَقَ مِنْ شَيْءٍ عَنْ يَمِينِهِ: أَيْ مَا خَلَقَ، وَشَمَائِلِهِ، فَلَفْظُ «مَا» لَفْظٌ وَاحِدٌ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْجَمْعِ، فَقَالَ: «عَنْ الْيَمِينِ» بِمَعْنَى: عَنْ يَمِينِ مَا خَلَقَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَعْنَاهُ فِي الشَّمَائِلِ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: إِنَّمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْكَلَامِ مُوَاجَهَةُ الْوَاحِدِ الْوَاحِدَ، فَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: خُذْ عَنْ يَمِينِكَ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ إِذَا وَحَّدَ ذَهَبَ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْمِ، وَإِذَا جَمَعَ فَهُوَ الَّذِي لَا مُسَاءَلَةَ فِيهِ، وَاسْتَشْهَدَ لِفِعْلِ الْعَرَبِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] بِفِي الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إِنْ كَانَ هَدَّنِي ... رَزِيَّةُ شِبْلَى مُخْدِرٍ فِي الضَّرَاغِمِ فَقَالَ: «بِفِيِّ الشَّامِتِينَ» ، وَلَمْ يَقُلْ: " بِأَفْوَاهِ، وَقَوْلُ الْآخَرِ: [البحر البسيط] الْوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذَرَا سَبَإٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الْجَوَامِيسِ وَلَمْ يَقُلْ: جُلُودُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِلَّهِ يَخْضَعُ وَيَسْتَسْلِمُ لَأَمْرِهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ يَدِبُّ عَلَيْهَا، وَالْمَلَائِكَةُ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ التَّذَلُّلِ لَهُ بِالطَّاعَةِ

﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 22] وَظِلَالُهُمْ تَتَفَيَّأُ عَنِ الْيَمِينِ، وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: اجْتُزِئَ بِذِكْرِ الْوَاحِدِ مِنَ الدَّوَابِّ عَنْ ذِكْرِ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْمَلَائِكَةِ، كَمَا يُقَالُ: مَا أَتَانِي مِنْ رَجُلٍ، بِمَعْنَى: مَا أَتَانِي مِنَ الرِّجَالِ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا قِيلَ: مِنْ دَابَّةٍ؛ لِأَنَّ «مَا» وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ الَّذِي، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، فَإِذَا أُبْهِمَتْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ أَشْبَهَتِ الْجَزَاءَ، وَالْجَزَاءُ يُدْخِلُ مِنْ فِيمَا جَاءَ مِنَ اسْمٍ بَعْدَهُ مِنَ النَّكِرَةِ، فَيُقَالُ: مَنْ ضَرَبَهُ مِنْ رَجُلٍ فَاضْرِبُوهُ، وَلَا تَسْقُطُ «مِنْ» مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُشْبِهَ أَنْ تَكُونَ حَالًا لِـ «مَنْ» وَ «مَا» ، فَجَعَلُوهُ بِمِنْ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمَا وَمَنْ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُؤَقَّتَتَيْنِ، فَكَانَ دُخُولُ مِنْ فِيمَا بَعْدَهُمَا تَفْسِيرًا لِمَعْنَاهُمَا، وَكَانَ دُخُولُ مِنْ أَدَلُّ عَلَى مَا لَمْ يُوَقَّتْ مِنْ «مَنْ وَمَا» ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْغَيَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَخَافُ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ إِنْ عَصَوْا أَمْرَهُ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] يَقُولُ: وَيَفْعَلُونَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيُؤَدُّونَ حُقُوقَهُ،

وَيَجْتَنِبُونَ سَخَطَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ: لَا تَتَّخِذُوا لِي شَرِيكًا أَيُّهَا النَّاسُ، وَلَا تَعْبُدُوا مَعْبُودَيْنِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا عَبَدْتُمْ مَعِي غَيْرِي جَعَلْتُمْ لِي شَرِيكًا، وَلَا شَرِيكَ لِي، إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ

وَاحِدٌ وَمَعْبُودٌ وَاحِدٌ، وَأَنَا ذَلِكَ ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: 51] يَقُولُ: فَإِيَّايَ فَاتَّقُوا، وَخَافُوا عِقَابِي بِمَعْصِيَتِكُمْ إِيَّايَ إِنْ عَصَيْتُمُونِي وعَبَدْتُمْ غَيْرِي، أَوْ أَشْرَكْتُمْ فِي عِبَادَتِكُمْ لِي شَرِيكًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا، أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِلَّهِ مُلْكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ، وَبِيَدِهِ حَيَاتُهُمْ وَمَوْتُهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾

[النحل: 52] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَهُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ دَائِمًا ثَابِتًا وَاجِبًا، يُقَالُ مِنْهُ: وَصَبَ الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبًا وَوَصْبًا، كَمَا قَالَ الدِّيلِيُّ: [البحر الكامل]

لَا أَبْتَغِي الْحَمْدَ الْقَلِيلَ بَقَاؤُهُ ... يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أَجْمَعَ وَاصِبَا وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: 9] وَقَوْلُ حَسَّانَ: [البحر المديد] غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ ... وَهَزِيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُ فَأَمَّا مِنَ الْأَلَمِ، فَإِنَّمَا يُقَالُ: وَصَبَ الرَّجُلُ يُوصَبُ وَصْبًا، وَذَلِكَ إِذَا أَعْيَا وَمَلَّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر البسيط] لَا يَغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ وَلَا وَصَبٍ ... وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْوَاصِبِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ، مَا قُلْنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: «دَائِمًا»

حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: «دَائِمًا»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ

عِكْرِمَةَ، قَالَ: «دَائِمًا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: «دَائِمًا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: «دَائِمًا»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: «دَائِمًا» . حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] أَيْ دَائِمًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا عَبَدَهُ، طَائِعًا أَوْ كَارِهًا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: " دَائِمًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: 9]

أَيْ دَائِمٌ؟ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: " دَائِمًا وَالْوَاصِبُ: الدَّائِمُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: الْوَاصِبُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْوَاجِبُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: «وَاجِبًا»

وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: " مَعْنَى الدِّينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْإِخْلَاصُ " وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الدِّينِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: 52] قَالَ: «الْإِخْلَاصُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ

جارٍ التحميل