تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: 33] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: كَذَبُوا فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَيُصَدِّقُوا بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: 33] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: كَذَبُوا فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَيُصَدِّقُوا بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: 34] يَقُولُ: جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَلْيَأْتِ قَائِلُو ذَلِكَ لَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا مِنْ ذَلِكَ بِمِثْلِ الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

تَقَوَّلَهُ وَتَخَلَّقَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَخُلِقَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَيْ مِنْ غَيْرِ آبَاءٍ وَلَا أَمْهَاتٍ، فَهُمْ كَالْجَمَادِ، لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، وَلَا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ، وَلَا

يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنَى: لِغَيْرِ شَيْءٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35] يَقُولُ: أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ هَذَا الْخَلْقَ، فَهُمْ لِذَلِكَ لَا يَأْتَمِرُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا يَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، لِأَنَّ لِلْخَالِقِ الْأَمْرَ وَالنَّهْي ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يَقُولُ: أَخَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَيَكُونُوا هُمُ الْخَالِقِينَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: لَمْ يَخْلُقُوا السَّمَاوَاتِ

وَالْأَرْضَ ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 36] يَقُولُ: لَمْ يَتْرُكُوا أَنْ يَأْتَمِرُوا لِأَمْرِ رَبِّهِمْ، وَيَنْتَهُوا إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ

وَنَهَى، لِأَنَّهُمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَكَانُوا بِذَلِكَ أَرْبَابًا، وَلَكِنَّهُمْ فَعَلُوا، لِأَنَّهُمْ لَا يُوقِنُونَ بِوَعِيدِ اللَّهِ وَمَا أَعَدَّ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَعِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ خَزَائِنُ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ، فَهُمْ لِاسْتِغْنَائِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ، أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ اخْتَلَفَ أَهْلُ

التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَمْ هُمُ الْمُسَلَّطُونَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: 37] يَقُولُ: «الْمُسَلَّطُونَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَمْ هُمُ الْمُنْزِلُونَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: 37] قَالَ: «يَقُولُ أَمْ هُمُ الْمُنْزِلُونَ»

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَمْ هُمُ الْأَرْبَابُ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: يُقَالُ: سَيْطَرْتُ عَلَيَّ: أَيِ اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَمْ هُمُ الْجَبَّارُونَ الْمُتَسَلِّطُونَ الْمُسْتَكْبِرُونَ عَلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسَيْطِرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْجَبَّارُ الْمُتَسَلِّطُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] يَقُولُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ مُسَلَّطٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: 38] يَقُولُ: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَرْتَقُونَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هُنَالِكَ مِنَ اللَّهِ أَنَّ الَّذِيَ هُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَهُمْ بِذَلِكَ مُتَمَسِّكُونَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: 38] يَقُولُ: فَإِنْ كَانُوا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلْيَأْتِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ اسْتَمَعَ ذَلِكَ فَسَمِعَهُ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، يَعْنِي بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ أَنَّهَا حَقٌّ، كَمَا أَتَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا عَلَى حَقِيقَةِ قَوْلِهِ، وَصِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَالسُّلَّمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: السَّبَبُ

وَالْمِرْقَاةُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: لَا تُحْرِزِ الْمَرْءَ أَحْجَاءُ الْبِلَادِ وَلَا ... تُبْنَى لَهُ فِي السَّمَاوَاتِ السَّلَالِيمُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: جَعَلْتُ فُلَانًا سُلَّمًا لِحَاجَتِي: إِذَا جَعَلْتَهُ سَبَبًا لَهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ: أَلِرَبِّكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ؟ ذَلِكَ إِذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزَى

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَسْأَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ثَوَابًا وَعِوَضًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَهُمْ مِنْ ثِقَلِ مَا حَمَّلْتَهُمْ مِنَ الْغُرْمِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِجَابَتِكَ

إِلَى مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: 40] يَقُولُ: «هَلْ سَأَلْتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَجْرًا يُجْهِدُهُمْ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ الْإِسْلَامَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: 40] قَالَ: يَقُولُ: «أَسَأَلْتَهُمْ عَلَى هَذَا أَجْرًا، فَأَثْقَلَهُمُ الَّذِي يُبْتَغَى أَخْذُهُ مِنْهُمْ»

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ عِنْدَهُمْ عِلْمُ الْغَيْبِ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ، فَيُنَبِّئُونَهُمْ بِمَا شَاءُوا، وَيُخْبِرُونَهُمْ بِمَا أَرَادُوا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَلْ يُرِيدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ بِكَ وَبِدِينِ اللَّهِ كَيْدًا ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور: 42] يَقُولُ: فَهُمُ الْمَكِيدُونَ الْمَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ،

وَامْضِ لِمَا أَمَرَكَ بِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: 43] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَمْ لَهُمْ مَعْبُودٌ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الْعِبَادَةَ غَيْرُ اللَّهِ، فَيَجُوزُ لَهُمْ عِبَادَتُهُ، يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الْعِبَادَةُ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: 43] يَقُولُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنْ شِرْكِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قِطْعًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا، وَالْكِسْفُ: جَمْعُ كِسْفَةٍ، مِثْلَ التَّمْرُ جَمْعُ تَمْرَةٍ، وَالسِّدْرُ جَمْعُ سِدْرَةٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي

ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

قَوْلَهُ: ﴿كِسْفًا﴾ [الإسراء: 92] يَقُولُ: «قِطْعًا»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ [الطور: 44] يَقُولُ: «وَإِنْ يَرَوْا قِطْعًا» ﴿مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: 44] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: " يَقُولُوا لِذَلِكَ الْكِسْفِ مِنَ السَّمَاءِ السَّاقِطِ: هَذَا سَحَابٌ مَرْكُومٌ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ مَرْكُومٌ: بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ " وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَاتِ، فَقَالُوا لَهُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: 90] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنَا كِسْفًا﴾ [الإسراء: 92] فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِنْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مَا سَأَلُوا مِنَ الْآيَاتِ، فَعَايَنُوا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا، لَمْ يَنْتَقِلُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَقَالُوا: إِنَّمَا هَذَا سَحَابٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، يَقُولُوا ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: 44] يَقُولُ: «لَا يُصِدِّقُوا بِحَدِيثٍ، وَلَا يُؤْمِنُوا بِآيَةٍ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: 44] قَالَ: " حِينَ سَأَلُوا الْكِسْفَ قَالُوا: أَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ "؛ قَالَ: يَقُولُ: " لَوْ أَنَّا فَعَلْنَا لَقَالُوا:

سَحَابٌ مَرْكُومٌ "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَدَعْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يَهْلِكُونَ، وَذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: 45] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى

عَاصِمٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ (يَصْعَقُونَ) ، وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: 45] بِضَمِّ الْيَاءِ، وَالْفَتْحُ أَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيْنَا، لِأَنَّهُ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ وأَشْهَرُهُمَا، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَائِزَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: صَعِقَ الرَّجُلُ وَصُعِقَ، وَسَعِدَ وَسُعَدَ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّعْقِ بِشَوَاهِدِهِ، وَمَا قَالَ فِيهِ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: 47] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [الطور: 46] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَيَّ يَوْمٍ هُوَ،

فَقَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، يَعْنِي: مَكْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا، فَالْيَوْمُ الثَّانِي تَرْجَمَةٌ عَنِ الْأَوَّلِ

جارٍ التحميل