وَقَوْلُهُ: ﴿بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39] وَهِيَ جَمْعُ قَاعٍ، كَالْجِيرَةِ جَمْعُ جَارٍ، وَالْقَاعُ مَا انْبَسَطَ مِنَ الْأَرْضِ وَاتَّسَعَ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: 39] يَقُولُ: يَظُنُّ الْعَطْشَانُ مِنَ النَّاسِ السَّرَابَ مَاءً ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ [النور: 39] وَالْهَاءُ مِنْ ذِكْرِ السَّرَابِ، وَالْمَعْنَى: حَتَّى إِذَا جَاءَ الظَّمْآنُ السَّرَابَ مُلْتَمِسًا مَاءً يَسْتَغِيثُ بِهِ مِنْ عَطَشِهِ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39] يَقُولُ: لَمْ يَجِدِ السَّرَابَ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي
غُرُورٍ , يَحْسِبُونَ أَنَّهَا مُنْجِيَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عَذَابِهِ، كَمَا حَسِبَ الظَّمْآنُ الَّذِي رَأَى السَّرَابَ , فَظَنَّهُ مَاءً يَرْوِيهِ مِنْ ظَمَئِهِ؛ حَتَّى إِذَا هَلَكَ وَصَارَ إِلَى الْحَاجَةِ إِلَى عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَرَى أَنَّهُ نَافِعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، لَمْ يَجِدْهُ يَنْفَعُهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَمَلُهُ عَلَى كُفْرٍ بِاللَّهِ، وَوَجَدَ اللَّهَ هَذَا الْكَافِرُ عِنْدَ هَلَاكِهِ بِالْمِرْصَادِ، فَوَفَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِسَابَ أَعْمَالِهِ الَّتِي عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا , وَجَازَاهُ بِهَا جَزَاءَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مِنْهُ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39] فَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّرَابُ شَيْئًا، فَعَلَامَ أُدْخِلَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ [النور: 39] قِيلَ: إِنَّهُ شَيْءٌ يُرَى مِنْ بَعِيدٍ كَالضَّبَابِ الَّذِي يُرَى كَثِيفًا مِنْ بَعِيدٍ وَالْهَبَاءِ، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ الْمَرْءُ رَقَّ وَصَارَ كَالْهَوَاءِ.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذَا جَاءَ مَوْضِعَ السَّرَابِ لَمْ يَجِدِ السَّرَابَ شَيْئًا، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ السَّرَابِ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: 202] يَقُولُ: وَاللَّهُ سَرِيعٌ حِسَابُهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ أَصَابِعَ وَلَا حِفْظٍ بِقَلْبٍ وَلَكِنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ الْعَبْدُ، وَمِنْ بَعْدِهِ مَا عَمِلَهُ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: " ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39] قَالَ: وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، فَلَا يَجِدُ، فَيُدْخِلُهُ النَّارَ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39] يَقُولُ: «الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: 202] قَالَ: «هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِرَجُلٍ عَطِشَ فَاشْتَدَّ عَطَشُهُ، فَرَأَى سَرَابًا , فَحَسِبَهُ مَاءً، فَطَلَبَهُ , وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ، حَتَّى أَتَاهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، وَقُبِضَ عِنْدَ ذَلِكَ.
يَقُولُ الْكَافِرُ كَذَلِكَ، يَحْسِبُ أَنَّ عَمَلَهُ مُغْنٍ عَنْهُ , أَوْ نَافِعُهُ شَيْئًا، وَلَا يَكُونُ آتِيًا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، فَإِذَا أَتَاهُ الْمَوْتُ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ أَغْنَى عَنْهُ شَيْئًا , وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِلَّا كَمَا نَفَعَ الْعَطْشَانَ الْمُشْتَدَّ إِلَى السَّرَابِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39] قَالَ: " بِقَاعٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَالسَّرابُ عَمَلُهُ.
زَادَ الْحَارِثُ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْحَسَنِ: وَالسَّرَابُ: عَمَلُ الْكَافِرِ.
﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39] . إِتْيَانُهُ إِيَّاهُ: مَوْتُهُ , وَفِرَاقُهُ الدُّنْيَا.
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ [النور: 39] عِنْدَ فِرَاقِهِ الدُّنْيَا، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ "﴾ [النور: 39]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39] قَالَ: بِقِيعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: 39] هُوَ مَثَلٌ
ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ الْكَافِرِ، يَقُولُ: «يَحْسِبُ أَنَّهُ فِي شَيْءٍ , كَمَا يَحْسِبُ هَذَا السَّرَابَ مَاءً» ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39] " وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ إِذَا مَاتَ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ شَيْئًا ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: 39] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النور: 39] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: 39] قَالَ: " هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا؛ ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39] قَدْ رَأَى السَّرَابَ، وَوَثِقَ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ مَاءٌ، فَلَمَّا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا.
قَالَ: وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ أَعْمَالَهُمْ صَالِحَةٌ، وَأَنَّهُمْ سَيَرْجِعُونَ مِنْهَا إِلَى خَيْرٍ، فَلَمْ يَرْجِعُوا مِنْهَا , إِلَّا كَمَا رَجَعَ صَاحِبُ السَّرَابِ؛ فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ "
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: 202] يَقُولُ: وَاللَّهُ سَرِيعٌ حِسَابُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ أَصَابِعَ , وَلَا حِفْظٍ بِقَلْبٍ، وَلَكِنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ الْعَبْدُ , وَمِنْ بَعْدِ مَا عَمِلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَثَلُ أَعْمَالِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ فِي
أَنَّهَا عُمِلَتْ عَلَى خَطَأٍ وَفَسَادٍ وَضَلَالَةٍ وَحَيْرَةٍ مِنْ عُمَّالِهَا فِيهَا , وَعَلَى غَيْرِ هُدًى، مَثَلُ ظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ.
وَنَسَبَ الْبَحْرَ إِلَى اللُّجَّةِ، وَصْفًا لَهُ بِأَنَّهُ عَمِيقٌ كَثِيرُ الْمَاءِ.
وَلُجَّةُ الْبَحْرِ: مُعْظَمُهُ.
﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: 40] يَقُولُ: يَغْشَى الْبَحْرَ مَوْجٌ، ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: 40] يَقُولُ: مِنْ فَوْقِ الْمَوْجِ مَوْجٌ آخَرُ يَغْشَاهُ، ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور: 40] يَقُولُ: مِنْ فَوْقِ الْمَوْجِ الثَّانِي الَّذِي يَغْشَى الْمَوْجَ الْأَوَّلَ سَحَابٌ.
فَجَعَلَ
الظُّلُمَاتِ مَثَلًا لِأَعْمَالِهِمْ، وَالْبَحْرَ اللُّجِّيَّ مَثَلًا لِقَلْبِ الْكَافِرِ، يَقُولُ: عَمِلَ بِنِيَّةِ قَلْبٍ قَدْ غَمَرَهُ الْجَهْلُ , وَتَغَشَّتْهُ الضَّلَالَةُ وَالْحَيْرَةُ , كَمَا يَغْشَى هَذَا الْبَحْرَ اللُّجِّيَ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ، فَكَذَلِكَ قَلْبُ هَذَا الْكَافِرِ الَّذِي مَثَلُ عَمَلِهِ مَثَلُ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ، يَغْشَاهُ الْجَهْلُ بِاللَّهِ، بِأَنَّ اللَّهَ خَتَمَ عَلَيْهِ , فَلَا يَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ، وَعَلَى سَمْعِهِ , فَلَا يَسْمَعُ مَوَاعِظَ اللَّهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً , فَلَا يُبْصِرُ بِهِ حُجَجَ اللَّهِ، فَتِلْكَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور: 40] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] قَالَ: يَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ الْأَعْمَالَ، وَبِالْبَحْرِ اللُّجِّيِ قَلْبَ الْإِنْسَانِ.
قَالَ: يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ , قَالَ: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْغَشَاوَةَ الَّتِي عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ " وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7] الْآيَةَ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا تَذْكَّرُونَ﴾ [يونس: 3]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: 40] " عَمِيقٍ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ يَعْمَلُ فِي
ضَلَالَةٍ وَحَيْرَةٍ قَالَ: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: 40] " وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
مَا حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: 40] . الْآيَةَ , قَالَ: ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ لِلْكَافِرٍ، فَقَالَ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: 40] . الْآيَةَ قَالَ: فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسٍ مِنَ الظُّلْمِ: فَكَلَامُهُ ظُلْمَةٌ، وَعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَصِيرُهُ إِلَى الظُّلُمَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى النَّارِ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: 40] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: 40] قَالَ: شَرٌّ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ "
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40] يَقُولُ: إِذَا أَخْرَجَ النَّاظِرُ يَدَهُ فِي هَذِهِ الظُّلُمَاتِ، لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، مَعَ شِدَّةِ هَذِهِ الظُّلْمَةِ
الَّتِي وَصَفَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَمْ أكدْ أَرَى فُلَانًا، إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتٌ مِنْهُ لِنَفْسِهِ رُؤْيَتَهُ بَعْدَ جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، وَمِنْ دُونِ الظُّلُمَاتِ الَّتِي وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا لَا يَرَى النَّاظِرُ يَدَهُ إِذَا أَخْرَجَهَا فِيهِ، فَكَيْفَ فِيهَا؟ قِيلَ: فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ نَذْكُرُهَا، ثُمَّ نُخْبِرُ بِالصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ رَائِيًا لَهَا لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا؛ أَيْ: لَمْ يَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ يَرَاهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَرَهَا، وَيَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ﴾ [النور: 40] فِي دُخُولِهِ فِي الْكَلَامِ، نَظِيرَ دُخُولِ الظَّنِّ فِيمَا هُوَ يَقِينٌ مِنَ الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصِ﴾ [فصلت: 48] وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ رَآهَا بَعْدَ بُطْءٍ وَجَهْدٍ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ: مَا كِدْتُ أَرَاكَ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَقَدْ رَآهُ، وَلَكِنْ بَعْدَ إِيَاسَ وَشِدَّةٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّالِثُ أَظْهَرُ مَعَانِي الْكَلِمَةِ مِنْ جِهَةِ مَا تَسْتَعْمِلَ الْعَرَبُ (أَكَادُ) فِي كَلَامِهَا.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ الَّذِي قُلْنَا إِنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: لَمْ يَرَهَا، قَوْلٌ أَوْضَحُ مِنْ جِهَةِ التَّفْسِيرِ، وَهُوَ أَخْفَى مَعَانِيهِ.
وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، أَعْنِي: أَنْ يَقُولَ: لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا , مَعَ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ الَّتِي ذَكَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ , لَا خَبَرٌ عَنْ كَائِنٍ كَانَ.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ [النور: 40] يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ إِيمَانًا , وَهُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ ,
وَمَعْرِفَةً بِكِتَابِهِ، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] يَقُولُ: فَمَا لَهُ مِنْ إِيمَانٍ , وَهُدًى , وَمَعْرِفَةٍ بِكِتَابِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تَنْظُرْ يَا مُحَمَّدُ بِعَيْنِ قَلْبِكَ فَتَعْلَمَ
أَنَّ اللَّهَ يُصَلِّي لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ مَلَكٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ.
﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: 41] فِي الْهَوَاءِ أَيْضًا تُسَبِّحُ لَهُ.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: 41] وَالتَّسْبِيحُ عِنْدَكَ صَلَاةٌ، فَيُقَالُ: قِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ لِبَنِي آدَمَ , وَالتَّسْبِيحَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ، وَلِذَلِكَ فَصَلَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثني عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ قَالَ: «وَالصَّلَاةُ لِلْإِنْسَانِ، وَالتَّسْبِيحُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْخَلْقِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ قَالَ: " صَلَاتُهُ: لِلنَّاسِ، وَتَسْبِيحُهُ: عَامَّةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ " وَيَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: 41] لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: 41] مِنْ ذِكْرِ ﴿كُلٌّ﴾ [النور: 41] ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: كُلٌّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٌ مِنْهُمْ , قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، وَيَكُونُ (الْكَلُّ) حِينَئِذٍ مُرْتَفِعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: 41] وَهُوَ الْهَاءُ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ أَيْضًا لِـ (الْكَلِّ) ، وَيَكُونُ (الْكَلُّ) مُرْتَفِعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ فِي ﴿عَلِمَ﴾ [النور: 41] وَيَكُونُ ﴿عَلِمَ﴾ [النور: 41] فِعْلًا لِـ (الْكَلِّ) ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: قَدْ عَلِمَ كُلُّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٌ مِنْهُمْ صَلَاةَ نَفْسِهِ , وَتَسْبِيحَهُ الَّذِي كَلَّفَهُ , وَأَلْزَمَهُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْعِلْمُ لِـ (الْكَل) ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: قَدْ عَلِمَ كُلُّ مُسَبِّحٍ وَمُصَلٍّ صَلَاةَ اللَّهِ الَّتِي كَلَّفَهُ إِيَّاهَا، وَتَسْبِيحَهُ.
وَأَظْهَرُ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: كُلُّ مُصَلٍّ مِنْهُمْ وَمُسَبِّحٌ، قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَا يَفْعَلُ كُلُّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٌ مِنْهُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، طَاعَتُهَا
وَمَعْصِيَتُهَا، مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلِلَّهِ سُلْطَانُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُلْكُهَا، دُونَ كُلِّ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سُلْطَانٍ وَمَلِكٍ، فَإِيَّاهُ فَارْهَبُوا أَيُّهَا النَّاسُ، وَإِلَيْهِ فَارْغَبُوا لَا إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ بِيَدِهِ خَزَائِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا يَخْشَى بِعَطَايَاكُمْ مِنْهَا فَقْرًا.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾
[آل عمران: 28] يَقُولُ: وَأَنْتُمْ إِلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِكُمْ، مَصِيرُكُمْ , وَمَعَادُكُمْ، فَيُوَفِّيكُمْ أُجُورَ أَعْمَالِكُمُ الَّتِي عَمِلْتُمُوهَا فِي الدُّنْيَا، فَأَحْسِنُوا عِبَادَتَهُ، وَاجْتَهِدُوا فِي طَاعَتِهِ، وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمُ الصَّالِحَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] يَا مُحَمَّدُ ﴿أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾ [النور: 43] يَعْنِي يَسُوقُ ﴿سَحَابًا﴾ [الأعراف: 57] حَيْثُ يُرِيدُ.
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: 43] يَقُولُ: ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَ السَّحَابِ.
وَأَضَافَ (بَيْنَ) إِلَى السَّحَابِ، وَلَمْ يُذْكَرْ مَعَ غَيْرِهِ، و (بَيْنَ) لَا تَكُونُ مُضَافَةً إِلَّا إِلَى جَمَاعَةٍ أَوِ اثْنَيْنِ، لِأَنَّ السَّحَابَ فِي مَعْنَى جَمْعٍ، وَاحِدُهُ سَحَابَةٌ، كَمَا يُجْمَعُ النَّخْلَةُ: نَخْلٌ، وَالتَّمْرَةُ تَمْرٌ، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ قَائِلٍ: جَلَسَ فُلَانٌ بَيْنَ النَّخْلِ.
وَتَأْلِيفُ اللَّهِ السَّحَابَ: جَمْعُهُ بَيْنَ مُتَفَرِّقِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: 43] يَقُولُ: ثُمَّ يَجْعَلُ السَّحَابَ الَّذِي يُزْجِيهِ وَيُؤَلِّفُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ ﴿رُكَامًا﴾ [النور: 43] يَعْنِي: مُتَرَاكِمًا بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، قَالَ: ثنا فِطْرٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: " الرِّيَاحُ أَرْبَعٌ: يَبْعَثُ اللَّهُ الرِّيحَ الْأُولَى فَتَقُمُّ الْأَرْضَ قَمًّا، ثُمَّ يَبْعَثُ الثَّانِيَةَ فَتُنْشِيءُ سَحَابًا، ثُمَّ يَبْعَثُ الثَّالِثَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَتَجْعَلُهُ رُكَامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ الرَّابِعَةَ فَتُمْطِرُهُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: 43] يَقُولُ: فَتَرَى الْمَطَرَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ السَّحَابِ، وَهُوَ الْوَدْقُ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر المتقارب]
فَلَا مُزْنَةٌ وَدِقَتْ وَدْقَهَا ... وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا
وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: 43] مِنْ ذِكْرِ السَّحَابِ، وَالْخِلَالُ: جَمْعُ خَلَلٍ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ ذَلِكَ: «مِنْ خَلَلِهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: ثنا قَتَادَةُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، أَنَّهُ " قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: 43] «مِنْ خَلَلِهِ»
قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، أَنَّهُ " قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: 43] «مِنْ خَلَلِهِ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " أَنَّهُ قَرَأَهَا: «مِنْ خَلَلِهِ» بِفَتْحِ الْخَاءِ، مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ " قَالَ هَارُونُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَمْرٍو، فَقَالَ: إِنَّهَا لَحَسَنَةٌ، وَلَكِنَّ خِلَالَهُ أَعَمُّ.
وَأَمَّا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّهُمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: 43] وَهِيَ الَّتِي نَخْتَارُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: 43] قَالَ: الْوَدْقُ الْقَطْرُ، وَالْخِلَالُ: السَّحَابُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: 43] قِيلَ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: وَأَنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِي السَّمَاءِ مِنْ بَرَدٍ، مَخْلُوقَةٌ هُنَالِكَ خَلْقُهُ.
كَأَنَّ الْجِبَالَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، هِيَ مِنْ بَرَدٍ، كَمَا يُقَالُ: جِبَالٌ مِنْ طِينٍ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ مِنَ
السَّمَاءِ قَدْرَ جِبَالٍ , وَأَمْثَالَ جِبَالٍ مِنْ بَرَدٍ إِلَى الْأَرْضِ، كَمَا يُقَالُ: عِنْدِي بَيْتَانِ تِبْنًا , وَالْمَعْنَى: قَدْرَ بَيْتَيْنِ مِنَ التِّبْنِ، وَالْبَيْتَانِ لَيْسَا مِنَ التِّبْنِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: 43] يَقُولُ: فَيُعَذَّبُ بِذَلِكَ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ مَنْ يَشَاءُ فَيُهْلِكُهُ، أَوْ يُهْلِكُ بِهِ زُرُوعَهُ وَمَالَهُ.
﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: 43] مِنْ خَلْقِهِ، يَعْنِي عَنْ زُرُوعِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: 43] يَقُولُ: يَكَادُ شِدَّةُ ضَوْءِ بَرْقِ هَذَا السَّحَابِ يَذْهَبُ بِأَبْصَارِ مَنْ لَاقَى بَصَرَهُ.
وَالسَّنَا: مَقْصُورٌ، وَهُوَ ضَوْءُ الْبَرْقِ
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور: 43] قَالَ: «ضَوْءُ بَرْقِهِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور: 43] يَقُولُ: «لَمَعَانُ الْبَرْقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ»