وَقَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] يَقُولُ: فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنَ اشْتِرَائِهِ لَهْوَ الْحَدِيثِ، جَهْلًا مِنْهُ بِمَا لَهُ فِي الْعَاقِبَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ وِزْرِ ذَلِكَ وَإِثْمِهِ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: 6] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (وَيَتَّخِذُهَا) ، رَفْعًا، عَطْفًا بِهِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿يَشْتَرِي﴾ [لقمان: 6] كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وَيَتَّخِذُ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾
[لقمان: 6] نَصْبًا عَطْفًا عَلَى (يُضِلَّ) ، بِمَعْنَى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِيَتَّخِذَهَا هُزُوًا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ، فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي قِرَاءَتِهِ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ [لقمان: 6] مِنْ ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: 6] قَالَ: سَبِيلَ اللَّهِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ آيَاتِ الْكِتَابِ.
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الضَّلَالَةِ، أَنْ يَخْتَارَ حَدِيثَ الْبَاطِلِ عَلَى حَدِيثِ الْحَقِّ، وَمَا يَضُرُّ عَلَى مَا يَنْفَعُ» . ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: 6] يَسْتَهْزِئُ بِهَا وَيُكَذِّبُ بِهَا.
مِنْ أَنْ يَكُونَا مِنْ ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ أَشْبَهُ عِنْدِي لِقُرْبِهِمَا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الْآخَرُ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ.
وَاتِّخَاذُهُ ذَلِكَ هُزُوًا هُوَ اسْتِهْزَاؤُهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابٌ مُذِلٌّ مُخْزٍ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَى هَذَا الَّذِي اشْتَرَى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِلْإِضْلَالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ آيَاتُ كِتَابِ اللَّهِ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: 7] يَقُولُ: أَدْبَرَ عَنْهَا، وَاسْتَكْبَرَ اسْتِكْبَارًا،
وَأَعْرَضَ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ وَالْإِجَابَةِ عَنْهُ ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: 7] يَقُولُ: ثُقْلًا، فَلَا يُطِيقُ مِنْ أَجْلِهِ سَمَاعَهُ، كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: 7] قَالَ: ثُقْلًا "
وَقَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَبَشِّرْ هَذَا الْمُعْرِضَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِ اسْتِكْبَارًا بِعَذَابٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُوجِعٍ، وَذَلِكَ عَذَابُ النَّارِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 62] بِاللَّهِ فَوَحَّدُوهُ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ وَاتَّبَعُوهُ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: فَأَطَاعُوا اللَّهَ، فَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: 8] يَقُولُ: لِهَؤُلَاءِ بَسَاتِينُ النَّعِيمِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: 122] يَقُولُ: وَعَدَهُمُ اللَّهُ وَعْدًا حَقًّا، لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا خُلْفَ لَهُ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [إبراهيم: 4] يَقُولُ: وَهُوَ الشَّدِيدُ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ، وَالصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32] فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّهُ ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ السَّبْعَ ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2] وَقَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا مَضَى اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2] وَبَيَّنَا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَقَدْ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: 10] قَالَ: لَعَلَّهَا بِعَمَدٍ لَا تَرَوْنَهَا "
وَقَالَ: ثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «إِنَّهَا بِعَمَدٍ لَا تَرَوْنَهَا»
قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَعَلَّهَا بِعَمَدٍ لَا تَرَوْنَهَا»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي هَذَا الْحَرْفِ " ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قَالَ: تَرَوْنَهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ، وَهِيَ بِعَمَدٍ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: «إِنَّهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا، لَيْسَ لَهَا عَمَدٌ»
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: 10] قَالَ: «لَهَا عَمَدٌ لَا تَرَوْنَهَا»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] يَقُولُ: وَجَعَلَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَوَاسِيَ، وَهِيَ ثَوَابِتُ الْجِبَالِ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] أَنْ لَا تَمِيدَ بِكُمْ.
يَقُولُ: أَنْ لَا تَضْطَرِبَ بِكُمْ، وَلَا تَتَحَرَّكَ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً، وَلَكِنْ تَسْتَقِرُّ بِكُمْ، كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: 15] أَيْ جِبَالًا ". ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] أَثْبَتَهَا بِالْجِبَالِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا
أَقَرَّتْ عَلَيْهَا خَلْقًا، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ [البحر الرجز] وَالْمُهْرُ يَأْبَى أَنْ يَزَالَ مُلْهِبًا بِمَعْنَى: لَا يَزَالُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: 164] يَقُولُ: وَفَرَّقَ فِي الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الدَّوَابِّ.
وَقِيلَ الدَّوَابُّ اسْمٌ لِكُلِّ مَا أَكَلَ وَشَرِبَ، وَهُوَ عِنْدِي لِكُلِّ مَا دَبَّ عَلَى الْأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا، فَأَنْبَتْنَا بِذَلِكَ الْمَطَرِ فِي الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ، يَعْنِي: مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ النَّبَاتِ كَرِيمٍ، وَهُوَ الْحَسَنُ النَّبْتَةُ، كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 7] أَيْ حَسَنٍ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ، فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي أَعْدَدْتُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَنِّي خَلَقْتُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَلْقُ اللَّهِ الَّذِي لَهُ أُلُوهَةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعِبَادَةُ كُلِّ خَلْقٍ، الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِهِ، وَلَا تَنْبَغِي لِشَيْءٍ سِوَاهُ، فَأَرُونِي
أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ
مِنْ دُونِهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ، أَيُّ شَيْءٍ خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ مِنْ آلِهَتِكِمْ وَأَصْنَامِكُمْ، حَتَّى اسْتَحَقَّتْ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ فَعَبَدْتُمُوهَا مِنْ دُونِهِ، كَمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ خَالِقُكُمْ، وَخَالِقُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عَدَدْتُهَا عَلَيْكُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 11] مَا ذَكَرَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَثَّ مِنَ الدَّوَابِّ، وَمَا أَنْبَتَ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ، الْأَصْنَامُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا عَبَدَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَخْلِقُ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُمْ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَتِهَا ضَلَالُهُمْ، وَذَهَابُهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ، فَهُمْ فِي ضَلَالٍ.
يَقُولُ: فَهُمْ فِي جَوْرٍ عَنِ الْحَقِّ، وَذَهَابٍ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ ﴿مُبِينٍ﴾ [البقرة: 168] يَقُولُ: يَبِينُ لِمَنْ
تَأَمَّلَهُ، وَنَظَرَ فِيهِ، وَفَكَّرَ بِعَقْلٍ أَنَّهُ ضَلَالٌ لَا هُدًى.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْفِقْهَ فِي الدِّينِ، وَالْعَقْلَ، وَالْإِصَابَةَ فِي الْقَوْلِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12] قَالَ: الْفِقْهَ وَالْعَقْلَ وَالْإِصَابَةَ فِي الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ نُبُوَّةٍ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ " ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12] أَيِ الْفِقْهَ فِي الْإِسْلَامِ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12] قَالَ: الْحِكْمَةُ: الصَّوَابُ "
وَقَالَ غَيْرُ أَبِي بِشْرٍ: «الصَّوَابُ فِي غَيْرِ النُّبُوَّةِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ لُقْمَانُ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا»
حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ، وَابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ سَعِيدٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ عَبْدًا حَبَشِيًّا، غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ، مُصْفَحَ الْقَدَمَيْنِ، قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ»
حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى الرَّمْلِيُّ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا أَسْوَدَ، عَظِيمَ الشَّفَتَيْنِ، مُشَقَّقَ الْقَدَمَيْنِ»
حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: ثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: «كَانَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ أَسْوَدَ مِنْ سُودَانِ مِصْرَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا»
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ: ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، قَالَ: جَاءَ أَسْوَدُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: " لَا تَحْزَنْ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ أَسْوَدُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ مِنَ السُّودَانِ: بِلَالٌ، وَمُهْجَعٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلُقْمَانُ الْحَكِيمِ كَانَ أَسْوَدَ نُوبِيًّا ذَا
مَشَافِرَ "