تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 366-378

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 30] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِذُنُوبِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ، شَكُورٌ لِحَسَنَاتِهِمْ

صفحات 366-378
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 30] «إِنَّهُ غَفُورٌ لِذُنُوبِهِمْ، شَكُورٌ لِحَسَنَاتِهِمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: 31]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [فاطر: 31] يَا مُحَمَّدُ، وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنفال: 32] يَقُولُ: هُوَ الْحَقُّ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ، وَتَتَّبِعَ مَا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أُوحِيَتْ إِلَى غَيْرِكَ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: 97] يَقُولُ: هُوَ يُصَدِّقُ مَا مَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَصَارَ أَمَامَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلْتُهَا إِلَى مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر: 31] «لِلْكُتُبِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَهُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَذُو عِلْمٍ وَخِبْرَةٍ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بِمَا يُصْلِحَهُمْ مِنَ التَّدْبِيرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْكِتَابِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ أَوْرَثَهُ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَنِ

الْمُصْطَفُونَ مِنْ عِبَادِهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْكِتَابُ: هُوَ الْكُتُبُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنْ قَبْلِ الْفُرْقَانِ، وَالْمُصْطَفُونَ مِنْ عِبَادِهِ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ: أَهْلُ الْإِجْرَامِ مِنْهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر: 32] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32] «هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَّثَهُمُ اللَّهُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، فَظَالِمُهُمْ يُغْفَرُ لَهُ، وَمُقْتَصَدُهُمْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَسَابِقُهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: " هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَثُلُثٌ يَجِيئُونَ بِذُنُوبٍ عِظَامٍ، حَتَّى يَقُولُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: هَؤُلَاءِ جَاؤُوا بِذُنُوبٍ عِظَامٍ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا بِكَ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا هَؤُلَاءِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِي وَتَلَا عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32]

حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا عَوْنٌ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: ثنا كَعْبُ الْأَحْبَارِ، " أَنَّ الظَّالِمَ، لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ،

وَالْمُقْتَصَدُ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ: كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ؛ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36]

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبًا يَقُولُ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصَدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: " كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: ثنا كَعْبٌ، أَنَّ الظَّالِمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُقْتَصِدَ، وَالسَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ كُلَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ؛ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لُغُوبِ﴾ [فاطر: 35] وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ، قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: «فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ النَّارِ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يَقُولُ: قَالَ كَعْبٌ: " إِنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ، وَالْمُقْتَصِدَ، وَالسَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33]

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32] فَقَالَ: «تَمَاسَّتْ مَنَاكِبُهُمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ أُعْطُوا الْفَضْلَ بِأَعْمَالِهِمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ [فاطر: 32] قَالَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: «أَمَّا مَا سَمِعْتُ مُنْذُ سِتِّينَ سُنَّةً، فَكُلُّهُمْ نَاجٍ»

قَالَ: ثنا عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةَ، قَالَ: «إِنَّهَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ؛ الظَّالِمُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَالْمُقْتَصِدُ فِي الْجَنَّاتِ عِنْدَ اللَّهِ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فِي الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ» وَقَالَ آخَرُونَ: الْكِتَابُ الَّذِي أُورِثَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، هُوَ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ وَالْمُصْطَفُونَ هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنْهُمْ هُوَ الْمُنَافِقُ، وَهُوَ فِي النَّارِ؛ وَالْمُقْتَصِدُ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فِي الْجَنَّةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: «اثْنَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَوَاحِدٌ فِي النَّارِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: «جَعَلَ أَهْلَ الْإِيمَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَازِلٍ» كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: 41] ، ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 27] ، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 11] «فَهُمْ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: 32] الْآيَةَ، قَالَ: " الِاثْنَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَوَاحِدٌ فِي النَّارِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الَّتِي فِي الْوَاقِعَةِ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 27] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: 41] ، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: 10]

حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32]

قَالَ: " هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: «هُمْ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ» ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: «هُمُ السَّابِقُونَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهُمْ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ عَوْفٌ، قَالَ الْحَسَنُ: «أَمَا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُنَافِقُ، سَقَطَ هَذَا وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ، فَهُمَا صَاحِبَا الْجَنَّةِ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: " الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ: الْمُنَافِقُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] «شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32] «هَذَا الْمُنَافِقُ» فِي قَوْلِ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: هَذَا صَاحِبُ الْيَمِينِ ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: هَذَا الْمُقَرِّبُ قَالَ قَتَادَةُ: " كَانَ النَّاسُ ثَلَاثَ مَنَازِلٍ فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاثَ مَنَازِلٍ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَثَلَاثَ مَنَازِلٍ فِي الْآخِرَةِ.
أَمَا الدُّنْيَا، فَكَانُوا: مُؤْمِنٌ، وَمُنَافِقٌ، وَمُشْرِكٌ وَأَمَّا عِنْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرُوحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نُعَيْمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 89] . وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَكَانُوا أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 8]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: " هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: «أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ» ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: «فَهُمُ السَّابِقُونَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: " سَقَطَ هَذَا ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: سَبَقَ هَذَا بِالْخَيْرَاتِ، وَهَذَا مُقْتَصِدٌ عَلَى أَثْرِهِ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] الْكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِنْ قَبْلِ الْفُرْقَانِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، وَأَمَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتْلُونَ غَيْرَ كِتَابِهِمْ، وَلَا يَعْمَلُونَ إِلَّا بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْإِيمَانَ بِالْكِتَابِ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا، فَمِنْهُمْ مُؤْمِنُونَ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ قَبْلَ كِتَابِهِمْ وَعَامِلُونَ بِهِ،

لِأَنَّ كُلَّ كِتَابٍ أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْفُرْقَانِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَمَلِ بِالْفُرْقَانِ عِنْدَ نُزُولِهِ، وَبِاتِّبَاعِ مَنْ جَاءِ بِهِ، وَذَلِكَ عَمَلُ مَنْ أَقَرَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَعَمِلَ بِمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَبِمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا قِيلَ: عَنَى بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر: 32] الْكُتُبَ الَّتِي ذَكَرْنَا لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر: 31] ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ [فاطر: 32] فَكَانَ مَعْلُومًا، إِذْ كَانَ مَعْنَى الْمِيرَاثِ إِنَّمَا هُوَ انْتِقَالُ مَعْنًى مِنْ قَوْمٍ إِلَى آخَرِينَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَقَلَ إِلَيْهِمْ كِتَابٌ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا قَبْلَهُمْ غَيْرَ أُمَّتِهِ، أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُصْطَفِينَ مِنْ عِبَادِهِ هُمْ مُؤْمِنُو أُمَّتِهِ؛ وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ دُونَ النِّفَاقِ وَالشِّرْكِ عِنْدِي أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْآيَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُنَافِقَ أَوِ الْكَافِرَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَتْبَعَ هَذِهِ الْآيَةَ قَوْلَهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33] فَعَمَّ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ جَمِيعَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33] إِنَّمَا عَنَى بِهِ الْمُقْتَصِدَ وَالسَّابِقَ؛ قِيلَ لَهُ: وَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ؟ فَإِنْ قَالَ: قِيَامُ الْحُجَّةِ أَنَّ الظَّالِمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَيَدْخُلُ النَّارَ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ أَحَدٌ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَعِيدٌ؛ قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ خَبَرٌ

أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ النَّارَ، وَإِنَّمَا فِيهَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ جَنَّاتِ عَدْنٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَدْخُلَهَا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ عُقُوبَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى ذُنُوبِهِ الَّتِي أَصَابَهَا فِي الدُّنْيَا، وَظُلْمِهِ نَفْسَهُ فِيهَا بِالنَّارِ، أَوْ بِمَا شَاءَ مِنْ عِقَابِهِ، ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، فَيَكُونُ مِمَّنْ عَمَّهُ خَبَرُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33] وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ، وَإِنْ كَانَ فِي أَسَانِيدِهَا نَظَرٌ، مَعَ دَلِيلِ الْكِتَابِ عَلَى صِحَّتِهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنْتُ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثتا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: ذَكَرَ أَبُو ثَابِتٍ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ آنِسْ وَحْشَتِي، وَارْحَمْ غُرْبَتِي، وَيَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَأَنَا أَسْعَدُ بِهِ مِنْكَ سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ مُنْذُ سَمِعْتُهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32] " فَأَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ، فَيَدْخُلُهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُصِيبُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ الْغَمِّ وَالْحَزَنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34]

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا، مِنْ ثَقِيفَ حَدَّثَ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ كِنَانَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32] قَالَ: «وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ» وَعَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] الَّذِينَ اخْتَرْنَاهُمْ لِطَاعَتِنَا وَاجْتَبَيْنَاهُمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32] يَقُولُ: فَمِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، مَنْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِرُكُوبِهِ الْمَآثِمَ، وَاجْتِرَامِهِ الْمَعَاصِيَ، وَاقْتِرَافِهِ الْفَوَاحِشَ ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: 32] وَهُوَ غَيْرُ الْمَبَالِغِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَغَيْرُ الْمُجْتَهِدِ فِيمَا أَلْزَمَهُ مِنْ خِدْمَةِ رَبِّهِ، حَتَّى يَكُونَ عَمَلُهُ فِي ذَلِكَ قَصْدًا ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32] وَهُوَ الْمُبَّرَزُ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي خِدْمَةِ رَبِّهِ، وَأَدَاءِ مَا لَزِمَهُ مِنْ فَرَائِضِهِ، فَسَبَقَهُمْ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَهِيَ الْخَيْرَاتُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 97] يَقُولُ: بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُ لِذَلِكَ

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سُبُوقُ هَذَا السَّابِقِ مَنْ سَبَقَهُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ الَّذِي فَضَّلَ بِهِ مِنْ كَانَ مُقَصِّرًا عَنْ مَنْزِلَتِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مِنَ الْمُقْتَصِدِ وَالظَّالِمِ لِنَفْسِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَسَاتِينُ إِقَامَةٌ يَدْخُلُونَهَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَوْرَثْنَاهُمُ الْكِتَابَ، الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا يَوْمَ

الْقِيَامَةِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: 31] يَلْبَسُونَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أَسْوِرَةً مِنْ ذَهَبٍ ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: 23] يَقُولُ: وَلِبَاسُهُمْ فِي الْجَنَّةِ حَرِيرٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَزَنِ الَّذِي حَمِدَ اللَّهَ عَلَى إِذْهَابِهِ عَنْهُمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ الْحُزْنُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ مِنْ خَوْفِ النَّارِ، إِذْ كَانُوا خَائِفِينَ أَنْ يَدْخُلُوهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ صَاحِبُ الدَّسْتُوَائِيِّ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34] قَالَ: «حُزْنَ النَّارِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ

الْحَسَنِ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] قَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمُ ذَلَلٍ، ذَلَّتْ وَاللَّهِ الْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مَرَضٌ، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّةُ الْقُلُوبِ، وَلَكِنْ دَخَلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمَهُمْ بِالْآخِرَةِ، فَقَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34] ، وَالْحَزَنُ: وَاللَّهِ مَا حُزْنُهُمْ حَزْنَ الدُّنْيَا، وَلَا تَعَاظَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَأَنَّهُ مَنْ لَا يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ يَقْطَعْ نَفْسَهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ، فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَحَضَرَ عَذَابُهُ " وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهِ الْمَوْتَ "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطِيَّةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34] قَالَ: «الْمَوْتُ» وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهِ حُزْنَ الْخُبْزِ

جارٍ التحميل