وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: 39] يَقُولُ: إِذْ فُرِغَ مِنَ الْحُكْمِ لِأَهْلِ النَّارِ بِالْخُلُودِ فِيهَا، وَلِأَهْلِ الْجَنَّةِ بِمُقَامِ الْأَبَدِ فِيهَا، بِذِبْحِ الْمَوْتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: 39] يَقُولُ: وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ يَأْتُونَهُ خَارِجِينَ إِلَيْهِ مِنْ قُبُورِهِمْ، مِنْ تَخْلِيدِهِ إِيَّاهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَتَوْرِيثِهِ مَسَاكِنَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غَيْرَهُمْ ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهُمْ لَا
يُصَدِّقُونَ بِالْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ، وَمُجَازَاةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى سَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ، بِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ مُجَازِيهِمْ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّ إِلَيْنَا مَرْجِعَهُمْ وَمَصِيرَهُمْ وَمَصِيرِ جَمِيعِ الْخَلْقِ غَيْرِهِمْ، وَنَحْنُ وَارِثُو الْأَرْضِ وَمَنَ
عَلَيْهَا مِنَ النَّاسِ، بِفَنَائِهِمْ مِنْهَا، وَبَقَائِهَا لَا مَالِكَ لَهَا غَيْرُنَا، ثُمَّ عَلَيْنَا جَزَاءُ كُلِّ عَامِلٍ مِنْهُمْ بِعَمَلِهِ، عِنْدَ مَرْجِعِهِ إِلَيْنَا، الْمُحْسِنُ مِنْهُمْ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وَاذْكُرْ﴾ [آل عمران: 41] يَا مُحَمَّدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَاقْصُصْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَصَصَهُ وَقَصَصَ أَبِيهِ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ [مريم: 41] يَقُولُ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ فِي حَدِيثِهِ وَأَخْبَارِهِ وَمَوَاعِيدِهِ لَا يَكْذِبُ، وَالصِّدِيقُ هُوَ الْفَعِيلُ مِنَ الصِّدْقِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
﴿نَبِيًّا﴾ [مريم: 30] يَقُولُ: كَانَ اللَّهُ قَدْ نَبَّأَهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ [مريم: 42] يَقُولُ: اذْكُرْهُ حِينَ قَالَ لِأَبِيهِ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ﴾ [مريم: 42] يَقُولُ: مَا تَصْنَعُ بِعِبَادَةِ الْوَثَنِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42] شَيْئًا ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42] يَقُولُ: وَلَا يَدْفَعُ عَنْكَ ضُرَّ شَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ صُورَةٌ مُصَوَّرَةٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ.
يَقُولُ مَا تَصْنَعُ بِعِبَادَةِ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ؟ اعْبُدِ
الَّذِي إِذَا دَعْوَتَهُ سَمِعَ دُعَاءَكَ، وَإِذَا أُحِيطَ بِكَ أَبْصَرَكَ فَنَصَرَكَ، وَإِذَا نَزَلَ بِكَ ضُرٌّ دَفَعَ عَنْكَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿يَا أَبَتِ﴾ [يوسف: 4] فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهَا قُلْتُ: يَا أَبَهْ، وَهِيَ هَاءٌ زِيدَتْ نَحْوَ قَوْلِكَ: يَا أُمَّهْ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أُمَّ إِذَا وُصِلَ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَبُ عَلَى حَرْفَيْنِ، كَانَ كَأَنَّهُ قَدْ أُخِلَّ بِهِ، فَصَارَتِ الْهَاءُ لَازِمَةً، وَصَارَتِ الْيَاءُ كَأَنَّهَا بَعْدَهَا، فَلِذَلِكَ قَالُوا: يَا أَبَةْ أَقْبِلْ، وَجُعِلَ التَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وَيَجُوزُ التَّرْخِيمُ مِنْ يَا أَبُ أَقْبِلْ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَدْعُوَ مَا تُضِيفُهُ إِلَى نَفْسِكَ فِي الْمَعْنَى مَضْمُومًا، نَحْوَ قَوْلِ الْعَرَبِ: يَا رَبُّ اغْفِرْ لِي، وَتَقِفُ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَبَهْ فِي الْكِتَابِ.
وَقَدْ يَقِفُ بَعْضُ الْعَرَبِ عَلَى الْهَاءِ بِالتَّاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: الْهَاءُ مَعَ أَبَهْ وَأُمَّهْ هَاءُ وَقْفٍ، كَثُرَتْ فِي كَلَامِهِمْ حَتَّى صَارَتْ كَهَاءِ التَّأْنِيثِ، وَأَدْخَلُوا عَلَيْهَا الْإِضَافَةَ، فَمَنْ طَلَبَ الْإِضَافَةَ، فَهِيَ بِالتَّاءِ لَا غَيْرُ، لِأَنَّكَ تَطْلُبُ بَعْدَهَا الْيَاءَ، وَلَا تَكُونُ الْهَاءُ حِينَئِذٍ إِلَّا تَاءً، كَقَوْلِكَ: يَا أَبَتِ لَا غَيْرُ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَبِهْ، فَهُوَ الَّذِي يَقِفُ بِالْهَاءِ، لِأَنَّهُ لَا
يَطْلُبُ بَعْدَهَا يَاءً، وَمَنْ قَالَ: يَا أَبَتَا، فَإِنَّهُ يَقِفُ عَلَيْهَا بِالتَّاءِ، وَيَجُوزُ بِالْهَاءِ، فَأَمَّا بِالتَّاءِ، فَلِطَلَبِ أَلِفِ النَّدْبَةِ، فَصَارَتِ الْهَاءُ تَاءً لِذَلِكَ، وَالْوَقْفُ بِالْهَاءِ بَعِيدٌ، إِلَّا فِيمَنْ قَالَ: «يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ» فَجَعَلَ هَذِهِ الْفَتْحَةَ مِنْ فَتْحَةِ التَّرْخِيمِ، وَكَأَنَّ هَذَا طَرَفُ الِاسْمِ، قَالَ: وَهَذَا يُعِيدُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ آتَانِي اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤْتِكَ فَاتَّبِعْنِي: يَقُولُ: فَاقْبَلْ مِنِّي نَصِيحَتِي ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 43] يَقُولُ: أُبَصِّرُكَ هُدَى الطَّرِيقِ
الْمُسْتَوِي الَّذِي لَا تَضِلُّ فِيهِ إِنْ لَزِمْتَهُ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا.
وَالْعَصِيُّ هُوَ ذُو الْعِصْيَانِ، كَمَا الْعَلِيمُ ذُو الْعِلْمِ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ:
الْعِصِيُّ: هُوَ الْعَاصِي، وَالْعَلِيمُ هُوَ الْعَالِمُ، وَالْعَرِيفُ هُوَ الْعَارِفُ، وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، بِقَوْلِ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ الْعَنْبَرِيِّ.
[البحر الكامل]
أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلَةٌ ... بَعَثُوا إِلَيَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ
وَقَالُوا: قَالَ عَرِيفَهُمْ وَهُوَ يُرِيدُ: عَارِفَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 45] يَقُولُ: يَا أَبَتِ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ أَنَّهُ يَمَسُّكَ عَذَابٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 45] يَقُولُ: تَكُونُ لَهُ وَلِيًّا دُونَ اللَّهِ وَيَتَبَرَّأُ اللَّهُ مِنْكَ فَتَهْلِكُ، وَالْخَوْفُ فِي هَذَا
الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، كَمَا الْخَشْيَةُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 80]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ لِإِبْرَاهِيمَ، حِينَ دَعَاهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَتَرْكِ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ [مريم: 46] يَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ عِبَادَةِ
آلِهَتِي؟ ﴿لَئِنْ﴾ [المائدة: 12] أَنْتَ ﴿لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم: 46] عَنْ ذِكْرِهَا بِسُوءٍ ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46] يَقُولُ: لَأَرْجُمَنَّكَ بِالْكَلَامِ، وَذَلِكَ السَّبُّ، وَالْقَوْلُ الْقَبِيحُ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46] بِالشَّتِيمَةِ وَالْقَوْلِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46] قَالَ: بِالْقَوْلِ لَأَشْتِمَنَّكَ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46] يَعْنِي: رَجْمَ الْقَوْلِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَاهْجُرْنِي حِينًا طَوِيلًا وَدَهْرًا.
وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْمَلِيِّ إِلَى الْمَلَاوَةِ مِنَ الزَّمَانِ، وَهُوَ الطَّوِيلُ مِنْهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ: دَهْرًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ حِينًا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ: طَوِيلًا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ: زَمَانًا طَوِيلًا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] يَقُولُ: دَهْرًا، وَالدَّهْرُ: الْمَلِيُّ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ دَهْرًا
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ: أَبَدًا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَاهْجُرْنِي سَوِيًّا سَالِمًا مِنْ عُقُوبَتِي إِيَّاكَ، وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْمَلِيِّ إِلَى قَوْلِ النَّاسِ: فُلَانٌ مَلِيُّ بِهَذَا الْأَمْرِ: إِذَا كَانَ مُضْطَلِعًا بِهِ غَنِيًّا فِيهِ.
وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ كَانَ عِنْدَهُمْ: وَاهْجُرْنِي وَعِرْضُكَ وَافِرٌ مِنْ عُقُوبَتِي، وَجِسْمُكَ مُعَافًى مِنْ أَذَايَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] يَقُولُ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ: اجْتَنِبْنِي سَالِمًا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ: سَالِمًا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ بْنِ دِرْهَمِ أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدِ، عَنْ عَطِيَّةَ الْجَدَلِيِّ، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قَالَ: سَالِمًا
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] اجْتَنِبْنِي سَالِمًا لَا يُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَاهْجُرْنِي سَوِيًّا، سَلَمًا مِنْ عُقُوبَتِي، لِأَنَّهُ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46] وَذَلِكَ وَعِيدٌ مِنْهُ لَهُ إِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِ بِالسُّوءِ أَنْ يَرْجُمَهُ بِالْقَوْلِ السَّيِّئِ، وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَتَّبِعَ ذَلِكَ التَّقَدُّمَ إِلَيْهِ بِالِانْتِهَاءِ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَنَالَهُ الْعُقُوبَةُ، فَأَمَّا الْأَمْرُ بِطُولِ هِجْرِهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ حِينَ تَوَعَّدَهُ عَلَى نَصِيحَتِهِ إِيَّاهُ وَدُعَائِهِ إِلَى اللَّهِ بِالْقَوْلِ السَّيِّئِ وَالْعُقُوبَةِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ
يَا أَبَتِ، يَقُولُ: أَمَنَةً مِنِّي لَكَ أَنْ أُعَاوِدَكَ فِيمَا كَرِهْتَ، وَلِدُعَائِكَ إِلَيَّ مَا تَوَعَّدْتَنِي عَلَيْهِ بِالْعُقُوبَةِ وَلَكِنِّي ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: 47] يَقُولُ: وَلَكِنِّي سَأَسْأَلُ رَبِّي أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْكَ ذُنُوبَكَ بِعَفْوِهِ إِيَّاكَ عَنْ عُقُوبَتِكَ
عَلَيْهَا ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47] يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي عَهِدْتُهُ بِي لَطِيفًا يُجِيبُ دُعَائِي إِذَا دَعَوْتُهُ يُقَالُ مِنْهُ: تَحَفَّى بِي فُلَانٌ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47] يَقُولُ: لَطِيفًا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47] قَالَ: إِنَّهُ كَانَ بِي لَطِيفًا، فَإِنَّ الْحَفِيَّ: اللَّطِيفُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ﴾ [مريم: 48] يَقُولُ: وَأَجْتَنِبُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [مريم: 48] يَقُولُ: وَأَدْعُو رَبِّي، بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَإِفْرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48] يَقُولُ: عَسَى أَنْ لَا أَشْقَى بِدُعَاءِ رَبِّي، وَلَكِنْ يُجِيبُ دُعَائِي، وَيُعْطِينِي مَا
أَسْأَلُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا اعْتَزَلَ إِبْرَاهِيمُ قَوْمَهُ وَعِبَادَةَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ
مِنَ الْأَوْثَانِ آنَسْنَا وَحْشَتَهُ مِنْ فِرَاقِهِمْ، وَأَبْدَلْنَاهُ مِنْهُمْ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ، فَوَهَبْنَا لَهُ ابْنَهُ إِسْحَاقَ، وَابْنَ ابْنِهِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: 49] يَقُولُ: وَجَعَلْنَاهُمْ كُلَّهُمْ، يَعْنِي بِالْكُلِّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْبِيَاءَ وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: 49] فَوَحَّدَ، وَلَمْ يَقُلْ أَنْبِيَاءَ، لِتَوْحِيدِ لَفْظِ كُلٍّ
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَرَزَقْنَا جَمِيعَهُمْ، يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مِنْ رَحْمَتِنَا، وَكَانَ الَّذِي وَهَبَ لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، مَا بَسَطَ لَهُمْ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِنْ سَعَةِ رِزْقِهِ، وَأَغْنَاهُمْ بِفَضْلِهِ