تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21] يَقُولُ: دَخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَابٍ الْمِحْرَابَ؛ الْمِحْرَابُ مَقْدَمُ كُلِّ مَجْلِسٍ وَبَيْتٍ وَأَشْرَفُهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21] يَقُولُ: دَخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَابٍ الْمِحْرَابَ؛ الْمِحْرَابُ مَقْدَمُ كُلِّ مَجْلِسٍ وَبَيْتٍ وَأَشْرَفُهُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ﴾ فَكَرَّرَ إِذْ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: قَدْ يَكُونُ مُعْنَاهُمَا كَالْوَاحِدِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُكَ إِذْ دَخَلْتَ عَلَيَّ إِذِ اجْتَرَأْتَ، فَيَكُونُ الدُّخُولُ هُوَ الِاجْتِرَاءُ، وَيَكُونُ أَنْ تَجْعَلَ إِحْدَاهَمَا عَلَى مَذْهَبِ لَمَّا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ لَمَّا دَخَلُوا، قَالَ: وَإِنْ

شِئْتَ جَعَلْتَ لَمَّا فِي الْأَوَّلِ، فَإِذَا كَانَ لَمَّا أَوَّلًا أَوْ آخِرًا، فَهِيَ بَعْدَ صَاحِبَتِهَا، كَمَا تَقُولُ: أَعْطَيْتُهُ لَمَّا سَأَلَنِي، فَالسُّؤَالُ قَبْلَ الْإِعْطَاءِ فِي تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص: 22] يَقُولُ الْقَائِلُ: وَمَا كَانَ وَجْهُ فَزَعِهِ مِنْهُمَا وَهُمَا خَصْمَانِ،

فَإِنَّ فَزَعَهُ مِنْهُمَا كَانَ لِدُخُولِهِمَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ الَّذِي كَانَ الْمُدْخِلُ عَلَيْهِ، فَرَاعَهُ دُخُولُهُمَا كَذَلِكَ عَلَيْهِ وَقِيلَ: إِنَّ فَزَعَهُ كَانَ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَيْهِ لَيْلًا فِي غَيْرِ وَقْتِ نَظَرِهِ بَيْنَ النَّاسِ؛ قَالُوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [هود: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ لَهُ الْخَصْمُ: لَا تَخَفْ يَا دَاوُدُ، وَذَلِكَ لَمَّا رَأَيَاهُ قَدِ ارْتَاعَ مِنْ دُخُولِهِمَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ظَهْرَ مِنَ الْكَلَامِ مِنْهُ، وَهُوَ مُرَافِعُ خَصْمَانِ، وَذَلِكَ نَحْنُ وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُ إِظْهَارِ ذَلِكَ مَعَ حَاجَةِ الْخَصْمَيْنِ إِلَى الْمُرَافِعِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿خَصْمَانِ﴾ [الحج: 19] فِعْلٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَالْعَرَبُ تُضْمِرُ لِلْمُتَكَلِّمِ وَالْمُكَلَّمِ وَالْمُخَاطَبِ مَا يَرْفَعُ أَفْعَالَهُمَا، وَلَا يَكَادُونَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِهِمَا، فَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ يُخَاطِبُونَهُ: أَمُنْطَلِقٌ يَا فُلَانُ، وَيَقُولُ الْمُتَكَلِّمُ لِصَاحِبِهِ: أَحْسِنُ إِلَيْكَ وَتُجْمِلُ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُكَلَّمِ، لِأَنَّهُمَا حَاضِرَانِ يَعْرِفُ السَّامِعُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ إِذَا حُذِفَ الِاسْمُ، وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِفْهَامِ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ، فَيُقَالُ: أُجَالِسٌ رَاكِبٌ؟ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ خَصْمَانِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] وَقُولَا إِذَا جَاوَزْتُمَا أَرْضَ عَامِرٍ ... وَجَاوَزْتُمَا الْحَيَّيْنِ نَهْدًا وَخَثْعَمَا

نَزِيعَانِ مِنْ جَرْمِ بْنِ رَبَّانِ إِنَّهُمْ ... أَبَوْا أَنْ يُمِيرُوا فِي الْهَزَاهِزِ مِحْجَمَا وَقَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الطويل] تَقُولُ ابْنَةُ الْكَعْبِيِّ يَوْمَ لَقِيتُهَا ... أَمْنُطَلِقٌ فِي الْجَيْشِ أَمْ مُتَثَاقِلُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مُحْسِنَةً فَهِيلِي وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ» ، وَقَوْلُهُ: «جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» كُلُّ ذَلِكَ بِضَمِيرٍ رَفَعَهُ

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: 22] يَقُولُ: تَعَدَّى أَحَدُنَا عَلَى صَاحِبِهِ

بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [ص: 22] يَقُولُ: فَاقْضِ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22] يَقُولُ: وَلَا تَجُرْ، وَلَا تُسْرِفْ فِي حُكْمِكَ، بِالْمِيلِ مِنْكَ مَعَ أَحَدِنَا عَلَى صَاحِبِهِ وَفِيهِ لُغَتَانِ: أَشَطَّ، وَشَطَّ وَمِنَ الْإِشْطَاطِ قَوْلُ الْأَحْوَصِ: [البحر الطويل] أَلَا يَا لِقَوْمِ قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذِلِي ... وَيَزْعُمَنَّ أَنَّ أَوْدَى بِحَقِّي بَاطِلِي وَمَسْمُوعٌ مِنْ بَعْضِهِمْ: شَطَطْتَ عَلَيَّ فِي السَّوْمِ فَأَمَّا فِي الْبُعْدِ فَإِنْ أَكْثَرَ كَلَامِهِمْ: شَطَّتِ الدَّارُ، فَهِيَ تَشِطُّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر المتقارب] تَشِطُّ غَدًا دَارُ جِيرَانِنَا ... وَالدَّارُ بَعْدَ غَدٍ أَبْعَدُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] يَقُولُ: وَأَرْشِدْنَا إِلَى قَصْدِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22] «أَيْ لَا تَمَلُّ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ

السُّدِّيِّ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22] يَقُولُ: «لَا تُحِفْ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22] «تُخَالِفْ عَنِ الْحَقِّ» وَكَالَّذِي قُلْنَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] قَالُوا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] «إِلَى عِدْلِهِ وَخَيْرِهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] «إِلَى عَدْلِ الْقَضَاءِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] قَالَ: " إِلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ: الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22] تَذْهَبْ إِلَى غَيْرِهَا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] «أَيِ احْمِلْنَا عَلَى الْحَقِّ، وَلَا تُخَالِفْ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23]

وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ الْخَصْمُ الْمُتَسَوِّرُونَ عَلَى دَاوُدَ مِحْرَابِهِ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ دَاوُدَ كَانَتْ لَهُ فِيمَا قِيلَ: تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَكَانَتْ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَغْزَاهُ حَتَّى قُتِلَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَلَمَّا قُتِلَ نَكَحَ فِيمَا ذُكِرَ دَاوُدُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا أَخِي يَقُولُ: أَخِي عَلَى دِينِي

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ [ص: 23] «أَيْ عَلَى دِينِي» ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: 23] وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «وَإِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى» وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَوْكِيدِ الْعَرَبِ الْكَلِمَةَ، كَقَوْلِهِمْ: هَذَا رَجُلٌ ذَكَرٌ، وَلَا يَكَادُونَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إِلَّا فِي الْمُؤَنَّثِ وَالْمُذَكَّرِ الَّذِي تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ فِي نَفْسِهِ كَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ وَالنَّاقَةُ، وَلَا يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا هَذِهِ دَارٌ أُنْثَى، وَمِلْحَفَةٌ أُنْثَى، لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا فِي اسْمِهَا لَا فِي مَعْنَاهَا.
وَقِيلَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: أُنْثَى: أَنَّهَا حَسَنَةٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، «إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى» يَعْنِي بِتَأْنِيثِهَا: حُسْنَهَا "

جارٍ التحميل