تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 322-331

وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: 85] يَقُولُ: أَوْ تَكُونُ مِمَّنْ هَلَكَ بِالْمَوْتِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

صفحات 322-331
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: «كَاسِدَةٌ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا عَبْدَةُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: «كَاسِدَةٌ غَيْرُ طَائِلٍ»

حُدِّثْنَا عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88] يَقُولُ: كَاسِدَةٌ غَيْرُ نَافِقَةٍ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ

أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88] قَالَ: " النَّاقِصَةُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: فِيهَا تَجَوُّزٌ "

قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الدَّرَاهِمُ الرَّدِيَّةُ الَّتِي لَا تَجُوزُ إِلَّا بِنُقْصَانٍ»

قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الدَّرَاهِمُ الرُّذَالُ الَّتِي لَا تَجُوزُ إِلَّا بِنُقْصَانٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «دَرَاهِمُ فِيهَا جَوَازٌ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88] أَيْ «يَسِيرَةً» . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88] قَالَ: " الْمُزْجَاةُ: الْقَلِيلَةُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88] أَيْ قَلِيلَةً لَا تَبْلُغُ مَا كُنَّا نَشْتَرِي بِهِ مِنْكَ، إِلَّا أَنْ تَتَجَاوزَ لَنَا فِيهَا "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: 88] بِهَا، وَأَعْطِنَا بِهَا مَا كُنْتَ تُعْطِينَا قَبْلُ بِالثَّمَنِ

الْجَيِّدِ وَالدَّرَاهِمِ الْجَائِزَةِ الْوَافِيَةِ الَّتِي لَا تُرَدُّ، كَمَا

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: 88] أَيْ أَعْطِنَا مَا كُنْتَ تُعْطِينَا قَبْلُ، فَإِنَّ بِضَاعَتَنَا مُزْجَاةً "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: 88] قَالَ: «كَمَا كُنْتَ تُعْطِينَا بِالدَّرَاهِمِ الْجِيَادِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالُوا: وَتَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِمَا بَيْنَ سِعْرِ الْجِيَادِ وَالرَّدِيَّةِ، فَلَا تُنْقِصْنَا مِنْ سِعْرِ طَعَامِكَ لِرَدِيِّ بِضَاعَتِنَا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: 88] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُثِيبُ الْمُتَفَضِّلِينَ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ بِأَمْوَالِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] قَالَ: «تَفْضَّلْ بِمَا بَيْنَ الْجِيَادِ وَالرَّدِيَّةِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] «لَا تَنْقُصْنَا مِنَ السِّعْرِ مِنْ أَجْلِ رَدِيِّ دَرَاهِمِنَا»

وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّدَقَةِ، هَلْ كَانَتْ حَلَالًا لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ كَانَتْ حَرَامًا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ تَكُنْ حَلَالًا لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " مَا سَأَلَ نَبِيٌّ قَطُّ الصَّدَقَةَ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا ﴿جِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] لَا تُنْقِصْنَا مِنَ السِّعْرِ " وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَا

حَدَّثَنِي بِهِ الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: يُحْكَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ: " هَلْ حُرِّمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: 88] . قَالَ الْحَارِثُ: قَالَ الْقَاسِمُ: يَذْهَبُ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إِلَّا وَالصَّدَقَةُ لَهُمْ حَلَالٌ، وَهُمْ أَنْبِيَاءُ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا إِلَيْنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ

: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] قَالَ: «رُدَّ إِلَيْنَا أَخَانَا» وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ، فَلَيْسَ بِالْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] لِأَنَّ الصَّدَقَةَ فِي الْمُتَعَارَفِ: إِنَّمَا هِيَ إِعْطَاءُ الرَّجُلِ ذَا الْحَاجَةِ بَعْضَ أَمْلَاكِهِ ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةً، فَتَوْجِيهُ تَأْوِيلِ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَغْلَبِ مِنْ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، وَسُئِلَ: هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، إِنَّمَا الصَّدَقَةُ لِمَنْ يَبْغِي الثَّوَابَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: 89] ذُكِرَ أَنَّ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمَّا قَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ، مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرَّ، وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ، فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا، إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: 88] أَدْرَكَتْهُ الرِّقَةُ وَبَاحَ لَهُمْ بِمَا كَانَ يَكْتُمُهُمْ مِنْ شَأْنِهِ، كَمَا

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " ذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ لَمَّا كَلَّمُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا، ثُمَّ بِاحَ لَهُمْ بِالَّذِي يَكْتُمُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: 89] وَلَمْ يَعْنِ بِذِكْرِ أَخِيهِ مَا صَنَعَهُ هُوَ فِيهِ حِينَ أَخَذَهُ، وَلَكِنْ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ، إِذْ صَنَعُوا بِيُوسُفَ مَا صَنَعُوا "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مُسِنًّا وَأَهْلَنَا الضُّرَّ﴾ [يوسف: 88] الْآيَةَ، قَالَ: فَرَحِمَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: 89] " فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: هَلْ تَذْكُرُونَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، إِذْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا وَصَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ، يَعْنِي فِي حَالِ جَهْلِكُمْ بِعَاقِبَةِ مَا تَفْعَلُونَ بِيُوسُفَ، وَمَا إِلَيْهِ صَائِرُ أَمْرِهِ وَأَمْرِكُمْ؟

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أنا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لَهُ حِينَ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ يُوسُفُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ ، فَقَالَ: نَعَمْ ﴿أنا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي، قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 90] بِأَنْ

جَمَعَ بَيْنَنَا بَعْدَ مَا فَرَّقْتُمْ بَيْنَنَا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: 90] يَقُولُ: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيُرَاقِبُهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَيَصْبِرْ، يَقُولُ: وَيَكُفُّ نَفْسَهُ، فَيَحْبِسُهَا عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ مِنَ اللَّهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115] يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُبْطِلُ ثَوَابَ إِحْسَانِهِ وَجَزَاءَ طَاعَتِهِ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿أَئِنَّكَ﴾ [الصافات: 52] عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أَوَ أَنْتَ يُوسُفُ» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنِ أَنَّهُ قَرَأَ: (إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ) عَلَى الْخَبَرِ، لَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالِاسْتِفْهَامِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " لَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: 89] كَشَفَ الْغِطَاءَ فَعَرَفُوهُ، فَقَالُوا: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني مِنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ، يَذْكُرُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: 90] يَقُولُ: مَنْ يَتَّقِ

مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَيَصْبِرْ عَلَى السِّجْنِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا تَالَلَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لَهُ: تَالَلَّهِ لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَآثَرَكَ بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْفَضْلِ، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91] يَقُولُ: وَمَا كُنَّا فِي فِعْلِنَا الَّذِي فَعَلْنَا بِكَ فِي تَفْرِيقِنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِيكَ وَأَخِيكَ،

وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِنَا الَّذِي صَنَعْنَا بِكَ، إِلَّا خَاطِئِينَ: يَعْنُونَ مُخْطِئِينَ، يُقَالُ مِنْهُ: خَطِئَ فُلَانٌ يَخْطَأُ خَطَأً وَخِطْأً، وَأَخْطَأَ يُخْطِئُ إِخْطَاءً؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ الْأَسْكَرِ: [البحر الوافر] وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ ... لَعَمْرُ اللَّهِ قَدْ خَطِئَا وَحَابَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا قَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: ﴿أنا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: 90] اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: ﴿تَالَلَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91] فِيمَا كُنَّا صَنَعْنَا بِكَ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿تَالَلَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 91] وَذَلِكَ بَعْدَ مَا عَرَّفَهُمْ أَنْفُسَهُمْ، يَقُولُ: جَعَلَكَ اللَّهُ رَجُلًا حَلِيمًا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ [يوسف: 92] يَقُولُ: لَا تَغْيِيرَ عَلَيْكُمْ وَلَا إِفْسَادَ لِمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْحُرْمَةِ وَحَقِّ الْأُخُوَّةِ، وَلَكِنْ لَكُمْ عِنْدِي الصَّفْحُ وَالْعَفْوُ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي

ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ﴾ [يوسف: 92] لَمْ يُثَرِّبْ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَوْلُهُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92] قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: «لَا تَغْيِيرَ عَلَيْكُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92] «لَا تَأْنِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ عِنْدِي فِيمَا صَنَعْتُمْ»

جارٍ التحميل