وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: 10] يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ هُمْ سُكَّانُ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَأَهْلُهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52] قِيلَ: إِنَّ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ
أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ فِي بَعْضِ مَا يَتْلُوهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَمْ
يُنْزِلْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاغْتَمَّ بِهِ، فَسَلَّاهُ اللَّهُ مِمَّا بِهِ مِنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَا: " جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَادٍ مِنْ أَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٍ أَهْلُهُ، فَتَمَنَّى يَوْمَئِذٍ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ فَينَفِرُوا عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2] , فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 19] أَلْقَى عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ كَلِمَتَيْنِ: «تِلْكَ الْغَرَانِقَةُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْجَى» ، فَتَكَلَّمَ بِهَا.
ثُمَّ مَضَى فَقَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا.
فَسَجَدَ فِي آخِرِ السُّورَةِ، وَسَجَدَ الْقَوْمُ جَمِيعًا مَعَهُ، وَرَفَعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تُرَابًا إِلَى جَبْهَتِهِ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ.
فَرَضُوا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ , وَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ , وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَلَكِنَّ آلِهَتَنَا هَذِهِ تَشَفْعُ لَنَا عِنْدَهُ، إِذْ جَعَلْتَ لَهَا نَصِيبًا، فَنَحْنُ مَعَكَ قَالَا: فَلَمَّا أَمْسَى أَتَاهُ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ , فَعَرَضَ عَلَيْهِ السُّورَةَ؛ فَلَمَّا بَلَغَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ قَالَ: مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ: " فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: 73] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 75] . فَمَا زَالَ مَغْمُومًا مَهْمُومًا حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52] . قَالَ: فَسَمِعَ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ وَقَالُوا: هُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا فَوَجَدُوا الْقَوْمَ قَدِ ارْتَكَسُوا حِينَ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: " لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَلِّيَ قَوْمِهِ عَنْهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَرَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، تَمَنَّى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ مَا يُقَارِبُ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ.
وَكَانَ يَسُرُّهُ، مَعَ حُبِّهِ وَحِرْصِهِ عَلَيْهِمْ، أَنْ يَلِينَ لَهُ بَعْضُ مَا غَلُظَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِمْ، حِينَ حَدَّثَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ وَتَمَنَّى وَأَحَبَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2] فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 19] , أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، لَمَّا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ وَيَتَمَنَّى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ قَوْمَهُ: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَضَى» . فَلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ فَرِحُوا وَسَرَّهُمْ، وَأَعْجَبَهُمْ مَا ذَكَرَ بِهِ آلِهَتَهُمْ، فَأَصَاخُوا لَهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ مُصَدَّقُونَ نَبِيَّهُمْ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ عَنْ رَبِّهِمْ، وَلَا يَتَّهِمُونَهُ عَلَى خَطَإٍ , وَلَا وَهْمٍ وَلَا زَلَلٍ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا وَخَتَمَ السُّورَةَ، سَجَدَ فِيهَا.
فَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ بِسُجُودِ نَبِيِّهِمْ، تَصْدِيقًا لِمَا جَاءَ بِهِ وَاتِّبَاعًا لَأَمْرِهِ، وَسَجَدَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ لِمَا سَمِعُوا مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ مُؤْمِنٌ
وَلَا كَافِرٌ إِلَّا سَجَدَ إِلَّا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ فَسَجَدَ عَلَيْهَا.
ثُمَّ تَفَرَّقَ النَّاسُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَقَدْ سَرَّهُمْ مَا سَمِعُوا مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ، يَقُولُونَ: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَقَدْ زَعَمَ فِيمَا يَتْلُو أَنَّهَا الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَضَى وَبَلَغَتِ السَّجْدَةُ مَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ.
فَنَهَضَتْ مِنْهُمْ رِجَالٌ، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ.
وَأَتَى جِبْرَائِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ , مَاذَا صَنَعْتَ؟ لَقَدْ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَقُلْتَ مَا لَمْ يُقَلْ لَكَ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَخَافَ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا كَبِيرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ وَكَانَ بِهِ رَحِيمًا يُعَزِّيهِ وَيُخَفِّضُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ , وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وَلَا نَبِيُّ تَمَنَّى كَمَا تَمَنَّى وَلَا أَحَبَّ كَمَا أَحَبَّ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ قَدْ أَلْقَى فِي أُمْنِيَّتِهِ كَمَا أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ , وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ، أَيْ: فَأَنْتَ كَبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] . الْآيَةَ.
فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْ نَبِيِّهِ الْحُزْنَ، وَأَمَّنَهُ مِنَ الَّذِي كَانَ يَخَافُ، وَنَسَخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ أَنَّهَا الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَضَى.
يَقُولُ اللَّهُ حِينَ ذَكَرَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ أَيْ: فَكَيْفَ تُمْنَعُ شَفَاعَةُ آلِهَتِكُمْ عِنْدَهُ.
فَلَمَّا جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ مَا نَسَخَ مَا كَانَ الشَّيْطَانُ أَلْقَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ قَالَتْ قُرَيْشٌ: نَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْ مَنْزِلَةِ آلِهَتِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَغَيَّرَ ذَلِكَ وَجَاءَ بِغَيْرِهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْحَرْفَانِ اللَّذَانِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ قَدْ وَقَعَا فِي فَمِ كُلِّ مُشْرِكٍ، فَازْدَادُوا شَرًّا إِلَى مَا كَانُوا
عَلَيْهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: " قَالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا جُلَسَاؤُكَ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ , وَمَوْلَى بَنِي فُلَانٍ، فَلَوْ ذَكَرْتَ آلِهَتَنَا بِشَيْءٍ جَالَسْنَاكَ، فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ , فَإِذَا رَأَوْا جُلَسَاءَكَ أَشْرَافَ قَوْمِكَ كَانَ أَرْغَبَ لَهُمْ فِيكَ قَالَ: فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 20] , قَالَ: فَأَجْرَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ.
«تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَشَفَاعَتُهُنَّ تُرْجَى، مِثْلُهُنَّ لَا يُنْسَى» . قَالَ: فَسَجَدَ النَّبِيُّ حِينَ قَرَأَهَا، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ.
فَلَمَّا عَلِمَ الَّذِي أُجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ، كَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52] "
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: " قَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا مُحَمَّدُ , إِنَّمَا يُجَالِسُكَ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَضُعَفَاءُ النَّاسِ، فَلَوْ ذَكَرْتَ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ لَجَالَسْنَاكَ فَإِنَّ النَّاسَ يَأْتُونَكَ مِنَ الْآفَاقِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ النَّجْمِ؛ فَلَمَّا انْتَهَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَّاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 20] , فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: «وَهِيَ الْغَرَانِقَةُ الْعُلَى، وَشَفَاعَتُهُنَّ تُرْتَجَى» . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، إِلَّا أَبَا أُحَيْحَةَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ وَسَجَدَ عَلَيْهِ؛
وَقَالَ: قَدْ آنَ لِابْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَنْ يَذْكُرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ , حَتَّى بَلَغَ الَّذِينَ بِالْحَبَشَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ أَسْلَمَتْ، فَاشْتَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: 19] قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى» . فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ آلِهَتَكُمْ قَبْلَ الْيَوْمِ بِخَيْرٍ فَسَجَدَ الْمُشْرِكُونَ مَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] " حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثني عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: ثنا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: 19] ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52] " وَذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ آلِهَةِ الْعَرَبِ، فَجَعَلَ يَتْلُوهَا؛ فَسَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا: إِنَّا نَسْمَعُهُ يَذْكُرُ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ فَدَنَوْا مِنْهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْلُوهَا وَهُوَ يَقُولُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 20] أَلْقَى الشَّيْطَانُ: «إِنَّ تِلْكَ الْغَرَانِيقَ الْعُلَى، مِنْهَا الشَّفَاعَةُ تُرْتَجَى» . فَجَعَلَ يَتْلُوهَا، فَنَزَلَ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَسَخَهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52] "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] الْآيَةَ؛ " أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي آلِهَةِ الْعَرَبِ، فَجَعَلَ يَتْلُو اللَّاتَ وَالْعُزَّى , وَيُكْثِرُ تَرْدِيدَهَا.
فَسَمِعَ أَهْلُ مَكَّةَ نَبِيَّ اللَّهِ يَذْكُرُ آلِهَتَهُمْ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، وَدَنَوْا يَسْتَمِعُونَ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، مِنْهَا الشَّفَاعَةُ تُرْتَجَى» . فَقَرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الأنبياء: 25] . إِلَى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52] "
حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] . الْآيَةَ , قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثني أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ قَرَأَ
عَلَيْهِمْ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: 1] ، فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 20] قَالَ: «إِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَجَى» . وَسَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَقِيَهُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَفَرِحُوا بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] . حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: 52] " فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَمْ يُرْسَلْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَلَا نَبِيٍّ مُحَدَّثٍ لَيْسَ بِمُرْسَلٍ، إِلَّا إِذَا تَمَنَّى وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿تَمَنَّى﴾ [الحج: 52] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ قَالَ: ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ مُقَارَبَةَ قَوْمِهِ فِي ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ بِبَعْضِ مَا يُحِبُّونَ، وَمَنْ قَالَ: ذَلِكَ مَحَبَّةٌ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَنْ لَا تُذْكَرَ بِسُوءٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِذَا قَرَأَ وَتَلَا أَوْ حَدَّثَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52] يَقُولُ: «إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: 52] قَالَ: «إِذَا قَالَ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: 52] " يَعْنِي بِالتَّمَنِّي: التِّلَاوَةَ وَالْقِرَاءَةَ " وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ، بِدَلَالَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: 52] عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يُحْكِمُهَا، لَا شَكَّ أَنَّهَا آيَاتُ تَنْزِيلِهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِيَ أَلْقَى فِيهِ الشَّيْطَانُ هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ نَسَخَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَبْطَلَهُ ثُمَّ أَحْكَمَهُ بِنَسْخِهِ ذَلِكَ مِنْهُفَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَلَا
كِتَابَ اللَّهِ، وَقَرَأَ، أَوْ حَدَّثَ وَتَكَلَّمَ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي تَلَاهُ وَقَرَأَهُ أَوْ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي حَدَّثَ وَتَكَلَّمَ.
يَقُولُ تَعَالَى: فَيُذْهِبُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَيُبْطِلُهُ
كَمَا: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: 52] «فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: 52] «نَسَخَ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ اللَّهِ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: 52] يَقُولُ: ثُمَّ يُخَلِّصُ اللَّهُ آيَاتِ كِتَابِهِ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 95] بِمَا يَحْدُثُ فِي خَلْقِهِ مِنْ حَدَثٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209] فِي تَدْبِيرِهِ إِيَّاهُمْ وَصَرْفِهِ لَهُمْ فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ، كَيْ يَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّةِ نَبِيِّهِ مِنَ الْبَاطِلِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى» . ﴿فِتْنَةً﴾ [البقرة: 102] يَقُولُ: اخْتِبَارًا يَخْتَبِرُ بِهِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِنَ النِّفَاقِ؛ وَذَلِكَ الشَّكُّ فِي صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَقِيقَةِ مَا
يُخْبِرُهُمْ بِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ لَا يَعِيبَ اللَّهُ آلِهَةَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْآلِهَةَ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى وَإِنَّهَا لَلْغَرَانِيقُ الْعُلَى» . فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَأَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: 19] حَتَّى بَلَغَ: ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: 71] قَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ مَا أَلْقَى قَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، فَذَكَرَ قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: 53] " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: 53] يَقُولُ: «وَلِلَّذِينَ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، فَلَا تَلِينُ وَلَا تَرْعَوِي، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ» وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: 53] قَالَ: «الْمُشْرِكُونَ»