تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 579-592

وَقَوْلُهُ: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾

صفحات 579-592
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قَالَ: مَا دَامَتِ الْأَرْضُ أَرْضًا، وَالسَّمَاءُ سَمَاءً.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالتَّأَوْيِلُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا اسْتِثَنَاءٌ اسْتَثَنَاهُ اللَّهُ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ يُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ إِذَا شَاءَ بَعْدَ أَنْ أَدْخَلَهُمُ النَّارَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِثُنْيَاهُ " وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا يُصِيبُهُمْ سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: « ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِثَنِيَّتِهِ؛ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا يُصِيبُهُمْ سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابَتْهُمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقَالُ لَهُمُ الْجَهَنَّمِيُّونَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو هِلَالٍ، قَالَ: ثَنَا قَتَادَةُ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107] فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ» قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا نَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ أَهْلُ حَرُورَاءَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، يَعْنِي ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِي سِنَانٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قَالَ: اسْتِثَنَاءٌ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود: 106] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قَالَ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَهُمُ الَّذِينَ اسْتَثْنَى لَهُمْ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَامِرِ بْنِ جَشِيبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] وَقَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: 107] ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] أَنَّهُمَا فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ " وَقَالَ آخَرُونَ: الِاسْتِثَنَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّكَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ فَلَا يُدْخِلُهُمُ النَّارَ.
وَوَجَّهُوا الِاسْتِثَنَاءَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود: 106] . . ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] لَا مِنَ الْخُلُودِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ، أَوْ أَبِي سَعِيدٍ يَعْنِي الْخُدْرِيَّ أَوْ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107] قَالَ: «هَذِهِ الْآيَةُ تَأْتِي عَلَى الْقُرْآنِ كُلِّهِ» ، يَقُولُ: حَيْثُ كَانَ فِي الْقُرْآنِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: 107] تَأْتِي عَلَيْهِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ يَقُولُ: هُوَ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ تَجَاوَزَ عَنْ عَذَابِهِ "

وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ النَّارِ، وَكُلَّ مَنْ دَخَلَهَا ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيِّبِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ لَا يَمُوتُونَ، وَلَا هُمْ مِنْهَا يَخْرُجُونَ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] قَالَ: اسْتِثَنَاءُ اللَّهِ.
قَالَ: يَأْمُرُ النَّارَ أَنْ تَأْكُلَهُمْ.
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى جَهَنَّمَ زَمَانٌ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا يَلْبَثُونَ فِيهَا أَحْقَابًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «جَهَنَّمُ أَسْرَعُ الدَّارَيْنِ عُمْرَانٍا، وَأَسْرَعُهُمَا خَرَابًا» وَقَالَ آخَرُونَ: أَخْبَرَنَا اللَّهُ بِمَشِيئَتِهِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، فَعَرَفْنَا مَعْنَى ثُنْيَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] أَنَّهَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ مُدَّةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَالَ: وَلَمْ يُخْبِرْنَا بِمَشِيئَتِهِ فِي أَهْلِ النَّارِ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مَشِيئَتُهُ فِي الزِّيَادَةِ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِي النُّقْصَانِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ

: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] قَالَ: وأَخْبَرَنَا بِالَّذِي يَشَاءُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، وَلَمْ يُخْبِرْنَا بِالَّذِي يَشَاءُ لِأَهْلِ النَّارِ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، مِنْ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِثَنَاءٌ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ أَنَّهُ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِلَّا مَا شَاءَ مِنْ تَرْكِهِمْ فِيهَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَوْعَدَ أَهْلَ الشِّرْكِ بِهِ الْخُلُودَ فِي النَّارِ، وَتَظَاهَرَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ اسْتِثَنَاءٌ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ، وَأَنَّ الْأَخْبَارَ قَدْ تَوَاتَرَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ يُدْخِلَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا النَّارَ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا، فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِثَنَاءَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ قَبْلَ دُخُولِهَا مَعَ صِحَّةِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرْنَا، وَأَنَّا إِنْ جَعَلْنَاهُ اسْتِثَنَاءً فِي ذَلِكَ كُنَّا قَدْ دَخَلْنَا فِي قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَاسِقٌ، وَلَا النَّارَ مُؤْمِنٌ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِذَا فَسَدَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَلَا قَوْلَ قَالَ بِهِ الْقُدْوَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا الثَّالِثَ.
وَلِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي

ذَلِكَ مُذْهِبٌ غَيْرُ ذَلِكَ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنْ فِعْلِ مَا أَرَادَ فِعْلَهُ بِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ مِنِ الانْتِقَامِ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَيُمْضِي فِعْلَهُ فِيهِمْ وَفِيمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ فعَلَهُ وَقَضَاءَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: (وَأَمَّا الَّذِينَ سَعَدُوا) بِفَتْحِ السِّينِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ

جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: 108] بِضَمِّ السِّينِ، بِمَعْنَى: رُزِقُوا السَّعَادَةَ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿سُعِدُوا﴾ [هود: 108] فِيمَا لَمْ يُسَمِّ فَاعِلُهُ، وَلَمْ يَقُلْ: «أُسْعِدُوا» ، وَأَنْتَ لَا تَقُولُ فِي الْخَبَرِ فِيمَا سُمِّيَ فَاعِلُهُ سَعَدَهُ اللَّهُ، بَلْ إِنَّمَا تَقُولُ:

أَسْعَدَهُ اللَّهُ؟ قِيلَ: ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: هُوَ مَجْنُونٌ مَحْبُوبٌ فِيمَا لَمْ يُسَمِّ فَاعِلُهُ، فَإِذَا سَمُّوا فَاعِلَهُ، قِيلَ: أَجَنَّهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا بَعْضَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، فَهُمْ فِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، يَقُولُ: أَبَدًا، إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ.
فَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأَوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ قَدْرِ مَا مَكَثُوا فِي النَّارِ قَبْلَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَذَلِكَ فِيمَنْ أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قَالَ: هُوَ أَيْضًا فِي الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، يَقُولُ: خَالِدِينَ فِي الْجَنَّةِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] يَقُولُ: إِلَّا مَا مَكَثُوا فِي النَّارِ حَتَّى أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ "

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ مُدَّةِ دَوَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَالَ: وَذَلِكَ هُوَ الْخُلُودُ فِيهَا أَبَدًا ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، يَعْنِي ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، " ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قَالَ: وَمَشِيئَتُهُ خُلُودُهُمْ فِيهَا، ثُمَّ أَتْبَعَهَا فَقَالَ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ الِاسْتِثَنَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَجْعَلَهُ اسْتِثَنَاءً يَسْتَثْنِيهِ وَلَا يَفْعَلُهُ، كَقَوْلِكَ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّكَ إِلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ، وَعَزْمُكَ عَلَى ضَرْبِهِ، قَالَ: فَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وَلَا يَشَاؤُهُ.
قَالَ: وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا اسْتَثْنَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مَعَ مِثْلِهِ، وَمَعَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ كَانَ مَعْنَى إِلَّا وَمَعْنَى الْوَاوِ «سِوَى» فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ سِوَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ زِيَادَةِ الْخُلُودِ، فَيُجْعَلُ «إِلَّا» مَكَانَ «سِوَى» فَيَصْلُحُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ سِوَى

مَا زَادَهُمْ مِنَ الْخُلُودِ وَالْأَبَدِ.
وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ إِلَّا الْأَلْفَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ.
قَالَ: وَهَذَا أَحَبُّ الْوَجْهَيْنِ إِلَيَّ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ.
وَقَدْ وَصَلَ الِاسْتِثَنَاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثَنَاءَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ فِي الْخُلُودِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَنْهُمْ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ بِنَحْوِ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالُوا: جَائِزٌ فِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اسْتُثْنِيَ مِنْ خُلُودِهِمْ فِي الْجَنَّةِ احْتِبَاسُهُمْ عَنْهَا مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ وَهُوَ الْبَرْزَخُ إِلَى أَنْ يَصِيرُوا إِلَى الْجَنَّةِ.
ثُمَّ هُوَ خُلُودُ الْأَبَدِ، يَقُولُ: فَلَمْ يُغَيَّبُوا عَنِ الْجَنَّةِ إِلَّا بِقَدْرِ إِقَامَتِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ دَوَامَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِمَعْنَى الْأَبَدِ عَلَى مَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ وَتَسْتَعْمِلُ، وَتَسْتَثْنِي الْمَشِيئَةَ مِنْ دَوَامِهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، قَدْ كَانُوا فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ دَوَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا لَا فِي الْجَنَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: خَالِدِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَخَالِدِينَ فِي النَّارِ دَوَامِ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَعْمِيرِهِمْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ عَنِ الضَّحَّاكِ،

وَهُوَ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِنْ قَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي النَّارِ، مِنْ لَدُنْ دَخَلُوهَا إِلَى أَنْ أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ، وَتَكُونُ الْآيَةُ مَعْنَاهَا الْخُصُوصُ؛ لِأَنَّ الْأَشْهَرَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي «إِلَّا» تَوْجِيهُهَا إِلَى مَعْنَى الِاسْتِثَنَاءِ وَإِخْرَاجِ مَعْنَى مَا بَعْدَهَا مِمَّا قَبْلَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْكَلَامِ، أَعْنِي فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا غَيْرُ مَعْنَى الِاسْتِثَنَاءِ الْمَفْهُومِ فِي الْكَلَامِ فَيُوَجَّهُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] فَإِنَّهُ يَعْنِي عَطَاءً مِنَ اللَّهِ غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: جَذَذْتُ الشَّيْءَ أَجُذُّهُ جَذًّا: إِذَا قَطَعْتُهُ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ: [البحر الطويل] تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَيُوقِدْنَ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «تُجَذُّ» : تَقْطَعُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، " ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] قَالَ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] يَقُولُ: غَيْرَ مُنْقَطِعٍ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] يَقُولُ: عَطَاءً غَيْرَ مَقْطُوعٍ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ " ﴿مَجْذُوذٌ﴾ [هود: 108] قَالَ: مَقْطُوعٌ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] قَالَ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ " قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، مِثْلَهُ.

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ.
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، مِثْلَهُ

قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، " قَوْلُهُ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] قَالَ: أَمَّا هَذِهِ فَقَدْ أَمْضَاهَا، يَقُولُ: عَطَاءً غَيْرَ مُنْقَطِعٍ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] غَيْرَ مَنْزُوعٍ مِنْهُمْ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: 109] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تَكُ فِي شَكٍّ يَا مُحَمَّدُ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمِكَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ أَنَّهُ ضَلَالٌ

وَبَاطِلٌ، وَأَنَّهُ بِاللَّهِ شِرْكٌ، مَا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ، يَقُولُ: إِلَّا كَعِبَادَةِ آبَائِهِمْ مِنْ قَبْلِ عِبَادَتِهِمْ لَهَا.
يُخْبِرُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا مَا عَبَدُوا مِنَ الْأَوْثَانِ إِلَّا اتِّبَاعًا مِنْهُمْ مِنْهَاجَ آبَائِهِمْ، وَاقْتِفَاءً مِنْهُمْ آثَارَهُمْ فِي عِبَادَتِهِمُوهَا، لَا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، وَلَا بِحُجَّةٍ تَبَيَّنُوهَا تُوجِبُ عَلَيْهِمْ عِبَادَتَهَا.

ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ لِعِبَادَتِهِمْ ذَلِكَ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: 109] يَعْنِي: حَظَّهُمْ مِمَّا وَعَدْتُهُمْ أَنْ أُوَفِّيَهُمُوهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، غَيْرَ مَنْقُوصٍ، يَقُولُ: لَا أُنْقِصُهُمْ مِمَّا وَعَدْتُهُمْ، بَلْ أُتَمِّمُ ذَلِكَ لَهُمْ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: 109] قَالَ: مَا وُعِدُوا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ " حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: «مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: 109] قَالَ: مَا قَدَّرَ لَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: 109] قَالَ: مَا يُصِيبُهُمْ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ " ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: 109] قَالَ: نَصِيبَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: 110] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُسَلِّيًا نَبِيَّهُ فِي تَكْذِيبِ مُشْرِكِي قَوْمِهِ إِيَّاهُ فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِفِعْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمُوسَى فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يَقُولُ لَهُ

تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يَحْزُنْكَ يَا مُحَمَّدُ تَكْذِيبُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَكَ، وَامْضِ لِمَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَفْعَلُ بِكَ هَؤُلَاءِ مِنْ رَدِّ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ عَلَيْكَ مِنَ النَّصِيحَةِ مِنْ فِعْلِ ضُرَبَائِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ وَسُنَّةِ مَنْ سُنَنِهِمْ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا فَعَلَ قَوْمُ مُوسَى بِهِ، فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 87] يَعْنِي التَّوْرَاةَ، كَمَا آتَيْنَاكَ الْفُرْقَانَ، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ قَوْمُ مُوسَى فَكَذَّبَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَصَدَّقَ بِهِ بَعْضُهُمْ، كَمَا قَدْ فَعَلَ قَوْمُكَ بِالْفُرْقَانِ مِنْ تَصْدِيقِ بَعْضٍ بِهِ وَتَكْذِيبِ بَعْضٍ.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَبِّكَ بِأَنَّهُ لَا يُعَجِّلُ عَلَى خَلْقِهِ بِالْعَذَابِ، وَلَكِنْ يَتَأَنَّى حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
﴿لَقُضِي بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 19] يَقُولُ: لَقُضِيَ بَيْنَ الْمُكَذِّبِ مِنْهُمْ بِهِ، وَالْمُصَدِّقِ بِإِهْلَاكِ اللَّهِ الْمُكَذِّبَ بِهِ مِنْهُمْ

جارٍ التحميل