تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 557-566

وَقَوْلُهُ: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾

صفحات 557-566
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] قَالَ: الظِّهْرِيُّ الْفَضْلُ، مِثْلُ الْجَمَّالُ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإِبِلٍ ظَهَارِيَّةٍ فَضْلٍ لَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا شَيْئًا، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهَا، قَالَ: فَيَقُولُ: إِنَّمَا رَبُّكُمْ عِنْدَكُمْ مِثْلُ هَذَا إِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَحْتَاجُوا إِلَيْهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَاتَّخَذْتُمْ مَا جَاءَ بِهِ شُعَيْبٌ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا، فَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ [هود: 92] عَلَى هَذَا مِنْ ذِكْرِ مَا جَاءَ بِهِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] قَالَ: تَرَكْتُمْ مَا جَاءَ بِهِ شُعَيْبٌ "

قَالَ: ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «نَبَذُوا أَمْرَهُ»

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] قَالَ: نَبَذْتُمْ أَمْرَهُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] قَالَ: هُمْ رَهْطُ شُعَيْبٍ

تَرْكُهُمْ مَا جَاءَ بِهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ظِهْرِيًّا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] قَالَ: اسْتِثْنَاؤُهُمْ رَهْطَ شُعَيْبٍ، وَتَرْكُهُمْ مَا جَاءَ بِهِ شُعَيْبٌ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ظِهْرِيًّا " وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ لِقُرْبِ قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: 92] فَكَانَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ [هود: 92] بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِقُرْبِ جِوَارِهَا مِنْهُ أَشْبَهُ وَأَوْلَى

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: 92] يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِعَمَلِكُمْ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى جَمِيعِهِ عَاجِلًا وَآجِلًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامَلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: 93] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ شُعَيْبٍ لِقَوْمِهِ: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود: 93] يَقُولُ: عَلَى تَمَكُنِكُمْ، يُقَالُ مِنْهُ: الرَّجُلُ يَعْمَلُ عَلَى مَكِينَتِهِ

وَمِكْنَتِهِ: أَيْ عَلَى اتِئَادِهِ، وَمَكُنَ الرَّجُلُ يَمْكُنُ مَكْنًا وَمَكَانَةً وَمَكَانًا.

وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: 135] عَلَى مَنَازِلِكُمْ فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى تَمَكُنِكُمْ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الأنعام: 135] عَلَى تُؤَدَةٍ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي أَعْمَلُهُ، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: 93] أَيُّنَا الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، وَالْمُخْطِئِ عَلَيْهَا، وَالْمُصِيبِ فِي فِعْلِهِ، الْمُحْسِنُ إِلَى نَفْسِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: 93] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ لِقَوْمِهِ: الَّذِي يَأْتِيهِ مِنَّا وَمِنْكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود: 39] يَقُولُ: يُذِلُّهُ وَيُهِينُهُ؛ ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ [هود: 93] يَقُولُ: وَيَخْزِي أَيْضًا الَّذِي هُوَ كَاذِبٌ فِي قِيلِهِ وَخَبَرِهِ مِنَّا

وَمِنْكُمْ.
﴿وَارْتَقِبُوا﴾ [هود: 93] أَيِ انْتَظِرُوا وَتَفَقَّدُوا مِنَ الرِّقَبَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَقَبْتُ فُلَانًا أَرْقُبُهُ رِقْبَةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: 93] يَقُولُ: إِنِّي أَيْضًا ذُو رِقْبَةٍ لِذَلِكَ الْعَذَابِ مَعَكُمْ، وَنَاظِرٌ إِلَيْهِ بِمَنْ هُوَ نَازِلٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: 94] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمَّا جَاءَ قَضَاؤُنَا فِي قَوْمِ شُعَيْبٍ بِعَذَابِنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا رَسُولَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَصَدَّقُوهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ

رَبِّهِمْ مَعَ شُعَيْبٍ، مِنْ عَذَابِنَا الَّذِي بَعَثْنَا عَلَى قَوْمِهِ، بِرَحْمَةٍ مِنَّا لَهُ، وَلِمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ.
وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ مِنَ السَّمَاءِ أَخْمَدَتْهُمْ فَأَهْلَكَتْهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً

أَخْرَجَتْ أَرْوَاحَهُمْ مِنْ أَجْسَامِهِمْ.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: 67] عَلَى رُكَبِهِمْ وَصَرْعَى بِأَفْنِيَتِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: 95] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَأَنْ لَمْ يَعِشْ قَوْمُ شُعَيْبٍ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابِهِ حِينَ أَصْبَحُوا جَاثِمِينَ فِي دِيَارِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَلَمْ يَغْنَوْا، مِنْ قَوْلِهِمْ: غَنَيْتُ بِمَكَانِ كَذَا: إِذَا أَقَمْتَ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ: [البحر الكامل] غَنِيَتْ بِذَلِكَ إِذْ هُمُ لِي جِيرَةٌ ... مِنْهَا بِعَطْفِ رِسَالَةٍ وَتَوَدُّدِ

وَكَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: 92] قَالَ: يَقُولُ: كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيهَا " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: 95] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِلَّا أَبْعَدَ اللَّهُ مَدْيَنَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِإِحْلَالِ نَقْمَتِهِ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ، يَقُولُ: كَمَا بَعِدَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ ثَمُودُ مِنْ رَحْمَتِهِ بِإِنْزَالِ سَخَطِهِ بِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِأَدِلَّتِنَا عَلَى تَوْحِيدِنَا، وَحُجَّةٍ تُبَيِّنُ لِمَنْ عَايَنَهَا، وَتَأَمَّلَهَا بِقَلْبٍ صَحِيحٍ، أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَكَذِبِ كُلِّ

مَنِ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ دُونَهُ، وَبُطُولِ قَوْلِ مَنْ أَشْرَكَ مَعَهُ فِي الْأُلُوهَةِ غَيْرَهُ.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف: 103] يَعْنِي إِلَى أَشْرَافِ جُنْدِهِ وَتُبَّاعِهِ.
﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ [هود: 97] يَقُولُ: فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ مُوسَى، وَجَحَدُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ، وَأَبَوْا قَبُولَ مَا أَتَاهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاتَّبَعَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ أَمْرَهُ دُونَ أَمْرِ اللَّهِ، وَأَطَاعُوهُ فِي تَكْذِيبِ مُوسَى وَرَدِّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97] يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَرْشُدُ أَمْرُ فِرْعَوْنَ مَنْ قَبِلَهُ مِنْهُ، فِي تَكْذِيبِ مُوسَى، إِلَى خَيْرٍ، وَلَا يَهْدِيهِ إِلَى صَلَاحٍ، بَلْ يُورِدُهُ نَارَ جَهَنَّمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَقْدُمُ فِرْعَوْنَ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُودُهُمْ، فَيَمْضِي بِهِمْ إِلَى النَّارِ حَتَّى يُورِدُهُمُوهَا، وَيَصْلِيهِمْ سَعِيرُهَا.
﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ﴾ [هود: 98] يَقُولُ: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 98] قَالَ: فِرْعَوْنُ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ يَمْضِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى يَهْجُمَ بِهِمْ عَلَى النَّارِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 98] يَقُولُ: يَقُودُ قَوْمَهُ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ.
ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: " ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 98] يَقُولُ: أَضَلَّهُمْ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَمَّنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: 98]

قَالَ: الْوِرْدُ: الدُّخُولُ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: 98] كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الْوِرْدُ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَةُ أَوْرَادٍ: فِي هُودَ قَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98] وَفِي مَرْيَمَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] وَوَرَدَ فِي الْأَنْبِيَاءِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمُ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] وَوَرَدَ فِي مَرْيَمَ أَيْضًا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86] كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُلُّ هَذَا الدُّخُولِ، وَاللَّهِ لَيَرِدَنَّ جَهَنَّمَ كُلُّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقُوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَتْبَعَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ، يَعْنِي فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَعَ الْعَذَابِ الَّذِي عَجَّلَهُ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْغَرَقِ فِي الْبَحْرِ، لَعَنْتَهُ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: 85] يَقُولُ: وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْضًا يُلْعَنُونَ لَعْنَةً

أُخْرَى

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 99] قَالَ: لَعْنَةً أُخْرَى "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 99] قَالَ: زِيدُوا بِلَعْنَتِهِ لَعْنَةً أُخْرَى، فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] اللَّعْنَةُ فِي أَثَرِ اللَّعْنَةِ "

قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 99] قَالَ: زِيدُوا لَعْنَةً أُخْرَى، فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فِي هَذِهِ﴾ [هود: 120] قَالَ: فِي الدُّنْيَا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 99] أُرْدِفُوا بِلَعْنَةٍ أُخْرَى زِيدُوهَا، فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] يَقُولُ: بِئْسَ الْعَوْنُ الْمُعَانُ، اللَّعْنَةُ الْمَزِيدَةُ فِيهَا أُخْرَى مِنْهَا.
وَأَصْلُ الرِّفْدُ: الْعَوْنُ، يُقَالُ مِنْهُ: رَفَدَ فُلَانٌ فُلَانًا عِنْدَ الْأَمِيرِ يَرْفُدُهُ رِفْدًا بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَإِذَا فُتِحَتْ، فَهُوَ السَّقْيِ فِي الْقَدَحِ الْعَظِيمِ، وَالرَّفْدُ: الْقَدَحُ الضَّخْمُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر الخفيف] رُبَّ رَفْدٍ هَرَقْتَهُ ذَلِكَ الْيَوْ ... مَ وَأَسْرَى مِنْ مَعْشَرٍ أَقْتَالِ وَيُقَالُ.
رَفَدَ فُلَانٌ حَائِطَهُ، وَذَلِكَ إِذَا أَسْنَدَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلَّا يَسْقُطَ.
وَالرَّفْدُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمَصْدَرُ، يُقَالُ مِنْهُ: رَفَدَهُ يَرْفِدُهُ رِفْدًا.
وَالرِّفْدُ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ الْمَرْفَدُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] قَالَ: لَعْنَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] قَالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَزِيدَ لَهُمْ فِيهَا اللَّعْنَةُ فِي الْآخِرَةِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] قَالَ: لَعْنَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَزِيدُوا فِيهَا لَعْنَةً فِي الْآخِرَةِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] يَقُولُ: تَرَادَفَتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَتَانِ مِنَ اللَّهِ لَعْنَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَلَعْنَةٌ فِي الْآخِرَةِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: " أَصَابَتْهُمْ لَعْنَتَانِ فِي الدُّنْيَا، رَفَدَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا الْقَصَصُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَكَ فِي هَذِهِ

السُّورَةِ، وَالنَّبَأُ الَّذِي أَنْبَأَنَاكَهُ فِيهَا مِنْ أَخْبَارِ الْقُرَى الَّتِي أَهْلَكْنَا أَهْلَهَا بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ، نَقُصُّهُ عَلَيْكَ فَنُخْبِرُكَ بِهِ.
﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [هود: 100] يَقُولُ: مِنْهَا بُنْيَانُهُ بَائِدٌ بِأَهْلِهِ هَالِكٌ وَمِنْهَا قَائِمٌ بُنْيَانُهُ عَامِرٌ، وَمِنْهَا حَصِيدٌ بُنْيَانُهُ خَرَابٌ مُتَدَاعٍ، قَدْ تَعَفَّى أَثَرُهُ دَارِسٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: زَرْعٌ حَصِيدٌ: إِذَا كَانَ قَدِ اسْتُؤْصِلَ قَطْعُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْصُودٌ، وَلَكِنَّهُ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ كَمَا قَدْ بَيْنَا فِي نَظَائِرِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

جارٍ التحميل