تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ [النمل: 55] مِنْكُمْ بِذَلِكَ مِنْ دُونِ فُرُوجِ النِّسَاءِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللَّهُ لَكُمْ بِالنِّكَاحِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ [النمل: 55] مِنْكُمْ بِذَلِكَ مِنْ دُونِ فُرُوجِ النِّسَاءِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللَّهُ لَكُمْ بِالنِّكَاحِ.

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: 55] يَقُولُ: مَا ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا أَنَّكُمْ قَوْمٌ سُفَهَاءُ جَهَلَةٌ بِعَظِيمِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَخَالَفْتُمْ لِذَلِكَ أَمَرَهُ، وَعَصَيْتُمْ رَسُولَهُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ لُوطٍ جَوَّابٌ لَهُ إِذْ نَهَاهُمْ عَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِنَهْيِهِمْ عَنْهُ مِنْ إِتْيَانِ الرِّجَالِ، إِلَّا قِيلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] عَمَّا نَفْعَلُهُ نَحْنُ مِنْ إِتْيَانِ الذُّكْرَانِ فِي أَدْبَارِهِمْ.

كَمَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ، يَذْكُرُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] قَالَ: مِنْ إِتْيَانِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] قَالَ: مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ وَأَدْبَارِ النِّسَاءِ، اسْتِهْزَاءً بِهِمْ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، اسْتِهْزَاءً بِهِمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ تَلَا: " ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] قَالَ: عَابُوهُمْ بِغَيْرِ عَيْبٍ: أَيْ إِنَّهُمْ يَتَطَهَّرُونَ مِنْ أَعْمَالِ السُّوءِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ.
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا، فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَنْجَيْنَا لُوطًا وَأَهْلَهُ سِوَى امْرَأَتَهُ مِنْ عَذَابِنَا حِينَ أَحْلَلْنَاهُ بِهِمْ، ثُمَّ ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾ [النمل: 57] يَقُولُ: فَإِنَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا: جَعَلْنَاهَا بِتَقْدِيرِنَا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: 83] مِنَ الْبَاقِينَ.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [الأعراف: 84] وَهُوَ إِمْطَارُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنَ

السَّمَاءِ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.
﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الشعراء: 173] يَقُولُ: فَسَاءَ ذَلِكَ الْمَطَرُ مَطَرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَنْذَرَهُمُ اللَّهُ عِقَابَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَخَوَّفَهُمْ بَأْسَهُ بِإِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْنَا، وَتَوْفِيقِهِ إِيَّانَا لِمَا وَفَّقَنَا مِنَ الْهِدَايَةِ.
﴿وَسَلَامٌ﴾ [مريم: 15] يَقُولُ: وَأَمَنَةٌ مِنْهُ مِنْ عِقَابِهِ الَّذِي عَاقَبَ

بِهِ قَوْمَ لُوطٍ وَقَوْمَ صَالِحٍ، عَلَى الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ، يَقُولُ: الَّذِينَ اجْتَبَاهُمْ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَهُمْ أَصْحَابَهُ وَوُزَرَاءَهُ عَلَى الدِّينِ الَّذِي بَعَثَهُ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ دُونَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ، الْجَاحِدِينَ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا طَلْقٌ يَعْنِي ابْنَ غَنَّامٍ، عَنِ ابْنِ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59] قَالَ: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ "

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59] مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَحَدَّثَنِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: «هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ؛ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ مِنْ قَوْمِكَ فَهُمْ يَعْمَهُونَ: اللَّهُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ هَذِهِ النَّعَمَ الَّتِي قَصَّهَا عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَهْلُكَ أَعْدَاءَهُ بِالَّذِي أَهْلَكَهُمْ بِهِ مِنْ صُنُوفِ الْعَذَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَكُمْ فِيهَا , خَيْرٌ أَمَّا

تُشْرِكُونَ مِنْ أَوْثَانِكُمُ الَّتِي لَا تَنْفَعُكُمْ وَلَا تَضُرُّكُمْ، وَلَا تَدْفَعُ عَنْ أَنْفُسِهَا وَلَا عَنْ أَوْلِيَائِهَا سُوءًا، وَلَا تَجْلِبُ إِلَيْهَا وَلَا إِلَيْهِمْ نَفْعًا؟ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَشْكُلُ عَلَى مَنْ لَهُ عَقْلٌ، فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أَنْ تُشْرِكُوا عِبَادَةَ مَنْ لَا نَفْعَ عِنْدَهُ لَكُمْ، وَلَا دَفْعَ ضَرٍّ عَنْكُمْ فِي عِبَادَةِ مَنْ بِيَدِهِ النَّفْعُ وَالضُّرُّ، وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَعْدِيدَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ، وَتَعْرِيفَهُمْ بَقْلَةِ شُكْرِهِمْ إِيَّاهُ عَلَى مَا أُولَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ: أَعِبَادَةُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ أَوْثَانِكُمُ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ خَيْرٌ، أَمْ عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل: 60] يَعْنِي مَطَرًا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرِيدًا بِهِ الْعُيُونُ الَّتِي فَجَّرَهَا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل: 60] يَعْنِي بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ.
﴿حَدَائِقَ﴾ [النمل: 60] وَهِيَ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، وَالْحَدِيقَةُ: الْبُسْتَانُ عَلَيْهِ حَائِطٌ مَحُوطٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَكُنْ حَدِيقَةً.

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: 60] يَقُولُ: ذَاتَ مَنْظَرٍ حَسَنٍ.
وَقِيلَ ذَاتَ بِالتَّوْحِيدِ.
وَقَدْ قِيلَ حَدَائِقَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180] ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: 60] قَالَ: الْبَهْجَةُ: الْفُقَّاحُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: 60] قَالَ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَأْكُلُهُ النَّاسُ

وَالْأَنْعَامُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَنْبَتْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ لَكُمْ هَذِهِ الْحَدَائِقَ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ لَوْلَا أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ طَاقَةً أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَ هَذِهِ الْحَدَائِقَ، وَلَمْ تَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى ذَهَابِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَاءِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ أَيُّهَا الْجَهَلَةُ خَلَقَ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَ بِهِ لَكُمُ الْحَدَائِقَ؟ فَقَوْلُهُ: أَإِلَهٌ مَرْدُودٌ عَلَى تَأْوِيلِ: أَمَعَ اللَّهِ إِلَهٌ.

﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 60] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قَوْمُ ضَلَالٍ، يَعْدِلُونَ عَنِ الْحَقِّ، وَيَجُورُونَ عَلَيْهِ، عَلَى عَمَدٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى خَطَأٍ وَضَلَالٍ، وَلَمْ يَعْدِلُوا عَنْ جَهْلٍ مِنْهُمْ بِأَنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضُرٍّ خَيْرٌ مِمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَفَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ، وَلَكِنَّهُمْ

عَدَلُوا عَلَى عَلْمٍ مِنْهُمْ وَمَعْرِفَةٍ، اقْتِفَاءً مِنْهُمْ سُنَّةَ مَنْ مَضَى قَبْلَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا، وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا، وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ، وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا، أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 61] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَعِبَادَةُ مَا تُشْرِكُونَ أَيُّهَا النَّاسُ بِرَبِّكُمْ خَيْرٌ وَهُوَ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، أَمِ الَّذِي جَعَلَ الْأَرْضَ لَكُمْ قَرَارًا

تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهَا لَا تَمِيدُ بِكُمْ

. ﴿وَجَعَلَ﴾ [المائدة: 60] لَكُمْ ﴿خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ [النمل: 61] يَقُولُ: بَيْنَهَا أَنْهَارًا.
﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [النمل: 61] وَهِيَ ثَوَابِتُ الْجِبَالِ , ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: 61] بَيْنَ الْعَذْبِ وَالْمِلْحِ، أَنْ يُفْسِدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 60] سِوَاهُ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَأَشْرَكْتُمُوهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ؟

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَ عَظَمَةِ اللَّهِ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الضُّرِّ فِي إِشْرَاكِهِمْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ غَيْرَهُ، وَمَا لَهُمْ مِنَ النَّفْعِ فِي إِفْرَادِهِمُ اللَّهَ بِالْأُلُوهَةِ، وَإِخْلَاصِهِمْ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَبَرَاءَتِهِمْ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، وَيَكْشِفُ السُّوءَ، وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ، أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ، قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ مَا تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ خَيْرٌ، أَمِ الَّذِي يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، وَيَكْشِفُ السُّوءَ النَّازِلَ بِهِ عَنْهُ؟

كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62] قَالَ: الضُّرَّ "

جارٍ التحميل