تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 455-463

﴿وَقُرونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 38] يَقُولُ: وَدَمَّرْنَا بَيْنَ أَضْعَافِ هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي سَمَّيْنَاهَا لَكُمْ أَمِمَّا كَثِيرَةً

صفحات 455-463
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: ثنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلَّفْتُ بِالْمَدِينَةِ عَمِّي مِمَّنْ يُفْتِي عَلَى أَنَّ الْقَرْنَ سَبْعُونَ سَنَةً» وَكَانَ عَمُّهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ كَاتَبَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً»

وَقَوْلُهُ ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكُلُّ هَذِهِ الْأُمَمِ

الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا الَّتِي سَمَّيْنَاهَا لَكُمْ أَوْ لَمْ نُسَمِّهَا ضَرَبْنَا لَهَا الْأَمْثَالَ، يَقُولُ: مَثَّلْنَا لَهَا الْأَمْثَالَ وَنَبَّهْنَاهَا عَلَى حُجَجِنَا عَلَيْهَا، وَأَعْذَرْنَا إِلَيْهَا بِالْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ، فَلَمْ نُهْلِكْ أُمَّةً إِلَّا بَعْدَ الْإِبْلَاغِ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعْذِرَةِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: 39] قَالَ: «كُلٌّ قَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَمَ مِنْهُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكُلُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا لَكُمْ أَمَرَهُمُ اسْتَأْصَلْنَاهُمْ، فَدَمَّرْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ إِبَادَةً، وَأَهْلَكْنَاهُمْ جَمِيعًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: 39] قَالَ: «تَبَّرَ اللَّهُ كُلًّا بِعَذَابٍ تَتْبِيرًا»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: 39] قَالَ: «تَتْبِيرُ بِالنَّبَطِيَّةِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: 39] قَالَ: «بِالْعَذَابِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ، أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا، بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أَتَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمْطَرَهَا اللَّهُ مَطَرَ السَّوْءِ وَهِيَ سَدُومُ قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ.
وَمَطَرُ السَّوْءِ هُوَ

الْحِجَارَةُ الَّتِي أَمْطَرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَهْلَكَهُمْ بِهَا

كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: 40] قَالَ: «حِجَارَةٌ، وَهِيَ قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ، وَاسْمُهَا سَدُومُ»

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " خَمْسُ قَرْيَاتٍ فَأَهْلَكَ اللَّهُ أَرْبَعَةً، وَبَقِيَتِ الْخَامِسَةُ، وَاسْمُهَا صُعْوَةُ.
لَمْ تُهْلَكْ صُعْوَةُ.
كَانَ أَهْلُهَا لَا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ الْعَمَلَ، وَكَانَتْ سَدُومُ أَعْظَمَهَا، وَهِيَ الَّتِي نَزَلَ بِهَا لُوطٌ، وَمِنْهَا بُعِثَ.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي نَصِيحَةً لَهُمْ: يَا سَدُومُ، يَوْمٌ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ، أَنْهَاكُمْ أَنْ تَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ، زَعَمُوا أَنَّ لُوطًا ابْنَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا "

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ [الفرقان: 40] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
أَوَلَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ قَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ يَرَوْنَ تِلْكَ الْقَرْيَةَ وَمَا نَزَلَ بِهَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِتَكْذِيبِ أَهْلِهَا رُسُلَهُمْ فَيَعْتَبِرُوا وَيَتَذَكَّرُوا، فَيُرَاجِعُوا

التَّوْبَةَ مِنْ كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا كَذَّبُوا مُحَمَّدًا فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا رَأَوْا مَا حَلَّ بِالْقَرْيَةِ الَّتِي وُصِفَتْ، وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَخَافُونَ نُشُورًا بَعْدَ الْمَمَاتِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يُوقِنُونَ بِالْعِقَابِ وَالثَّوَابِ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِقِيَامُ السَّاعَةِ

فَيَرْدَعُهُمْ ذَلِكَ عَمَّا يَأْتُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: 40] بَعْثًا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِذَا رَآكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ قَصَصْتُ عَلَيْكَ قِصَصَهُمْ ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: 36] يَقُولُ: مَا يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا سُخْرِيَةً يَسْخَرُونَ مِنْكَ، يَقُولُونَ: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ﴾ [الفرقان: 41] إِلَيْنَا ﴿رَسُولًا﴾ [البقرة: 129] مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا، وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَهْزَءُونَ

بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا رَأَوْهُ: قَدْ كَادَ هَذَا يُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا الَّتِي نَعْبُدُهَا فَيَصُدُّنَا عَنْ عِبَادَتِهَا لَوْلَا صَبْرُنَا عَلَيْهَا وَثُبُوتُنَا عَلَى عِبَادَتِهَا.
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [الفرقان: 42] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: سَيَبِينُ لَهُمْ حِينَ يِعَايِنُونَ عَذَابَ اللَّهِ قَدْ حَلَّ بِهِمْ عَلَى عِبَادَتِهِمُ الْآلِهَةَ ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 42] يَقُولُ: مَنِ الرَّاكِبُ غَيْرَ طَرِيقِ الْهُدَى، وَالسَّالِكُ سَبِيلَ الرَّدَى أَنْتَ أَوْ هُمْ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: 42] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: 42] قَالَ: «ثَبَتْنَا عَلَيْهَا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ [الكهف: 63] يَا مُحَمَّدُ ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ [الفرقان: 43] شَهْوَتَهُ الَّتِي يَهْوَاهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ يَعْبُدُ الْحَجَرَ،

فَإِذَا رَأَى أَحْسَنَ مِنْهُ رَمَى بِهِ، وَأَخَذَ الْآخَرَ يَعْبُدُهُ، فَكَانَ مَعْبُودُهُ وَإِلَهُهُ مَا يَتَخَيَّرُهُ لِنَفْسِهِ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَأَنْتَ تَكُونُ يَا مُحَمَّدُ عَلَى هَذَا حَفِيظًا فِي أَفْعَالِهِ مَعَ عَظِيمِ جَهِلِهِ؟ ﴿أَمْ تُحْسَبُ﴾ [الفرقان: 44] يَا مُحَمَّدُ أَنَّ

أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ [البقرة: 75] مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ، فَيَعُونَ ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان: 44] مَا يُعَايِنُونَ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ فَيَفْهَمُونَ؟ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: 44] يَقُولُ: مَا هُمْ إِلَّا كَالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهَا، وَلَا تَفْقَهُ، بَلْ هُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ أَضَلُّ سَبِيلًا؛ لِأَنَّ الْبَهَائِمَ تَهْتَدِي لِمَرَاعِيهَا، وَتَنْقَادُ لِأَرْبَابِهَا، وَهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ لَا يُطِيعُونَ رَبَّهُمْ، وَلَا يَشْكُرُونَ نِعْمَةَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَكْفُرُونَهَا، وَيَعْصُونَ مَنْ خَلَقَهُمْ وَبَرَأَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا، ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا.
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] يَا مُحَمَّدُ ﴿كَيْفَ مَدَّ﴾ [الفرقان: 45] رَبُّكَ ﴿الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] وَهُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ

التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] يَقُولُ: «مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] قَالَ: «مَدُّهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: 45] قَالَ: " الظِّلُّ: مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مِحْصَنٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] قَالَ: «مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] قَالَ: «ظِلَّ الْغَدَاةِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الظِّلُّ ظِلُّ الْغَدَاةِ»

قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] قَالَ: «مَدُّهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] يَعْنِي مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ "

قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: 45] يَقُولُ: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ دَائِمًا لَا يَزُولُ، مَمْدُودًا لَا تُذْهِبُهُ الشَّمْسُ، وَلَا تَنْقُصُهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: 45] يَقُولُ: دَائِمًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: 45] قَالَ: لَا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ وَلَا يَزُولُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: 45] قَالَ: لَا يَزُولُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: 45] قَالَ: دَائِمًا لَا يَزُولُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: 45] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ثُمَّ دَلَلْنَاكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِنَسْخِ الشَّمْسِ إِيَّاهُ عِنْدَ طُلُوعِهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ رَبِّكُمْ، يُوجِدُهُ إِذَا شَاءَ، وَيَفْنِيهِ إِذَا أَرَادَ؛

وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37] مِنْ ذِكْرِ الظِّلِّ.
وَمَعْنَاهُ: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَى الظِّلِّ دَلِيلًا.
قِيلَ: مَعْنَى دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ الَّتِي تَنْسَخُهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ شَيْءٌ، إِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِأَضْدَادِهَا، نَظِيرَ الْحُلْوِ الَّذِي إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْحَامِضِ , وَالْبَارِدُ بِالْحَارِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: 45] يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ "

جارٍ التحميل