تفسير الطبري = جامع البيانوَذُكِرَ أَنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ

وَذُكِرَ أَنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا﴾ [القلم: 17] الْآيَةَ، قَالَ: كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالصَّرْمُ: الْقَطْعُ، وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ [القلم: 17] لَيَجُدُّنَّ ثَمَرَتَهَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: [البحر الكامل]

صَرَمَتْكَ بَعْدَ تَوَاصُلٍ دَعْدُ ... وَبَدَا لِدَعْدٍ بَعْضُ مَا يَبْدُو

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكِ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرٌهُ: فَطَرَقَ جَنَّةَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا طَارِقٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهُمْ نَائِمُونَ، وَلَا يَكُونُ الطَّائِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا لَيْلًا وَلَا يَكُونُ نَهَارًا، وَقَدْ يَقُولُونَ: أَطَفْتُ بِهَا نَهَارًا.
وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ

أَبَا الْجَرَّاحِ أَنْشَدَهُ: [البحر الوافر] أَطَفْتُ بِهَا نَهَارًا غَيْرَ لَيْلٍ ... وَأَلْهَى رَبَّهَا طَلَبُ الرِّخَالِ وَالرِّخَالُ: هِيَ أَوْلَادُ الضَّأْنِ الْإِنَاثُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: ثنا أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ الطَّوَفَانِ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكِ﴾ [القلم: 19] قَالَ: هُوَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: 19] قَالَ: طَافَ عَلَيْهَا أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهُمْ نَائِمُونَ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: 20] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عُنِيَ بِالصَّرِيمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ اللَّيْلُ الْأَسْوَدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَأَصْبَحَتْ جَنَّتُهُمْ مُحْتَرِقَةً سَوْدَاءَ كَسَوَادِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ الْبَهِيمِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْخٌ لَنَا، عَنْ شَيْخٍ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمَانُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: 20] قَالَ: الصَّرِيمُ: اللَّيْلُ قَالَ: وَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ: [البحر الوافر] أَلَا بَكَرَتْ وَعَاذِلَتِي تَلُومُ ... تُهَجِّدُنِي وَمَا انْكَشَفَ الصَّرِيمُ وَقَالَ أَيْضًا: تَطَاوَلَ لَيْلُكَ الْجَوْنُ الْبَهِيمُ ... فَمَا يَنْجَابُ عَنْ صُبْحٍ صَرِيمُ إِذَا مَا قُلْتَ أَقْشَعَ أَوْ تَنَاهَى ... جَرَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ غُيُومُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَأَصْبَحَتْ كَأَرْضٍ تُدْعَى الصَّرِيمُ مَعْرُوفَةٌ

بِهَذَا الِاسْمِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: هِيَ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا ضَرَوَانُ مِنْ صَنْعَاءَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَتَنَادَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَهُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ.
يَقُولُ: نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: 66] يَقُولُ: بَعْدَ أَنْ

أَصْبَحُوا.
﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: 22] وَذَلِكَ الزَّرْعِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم: 22] يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ حَاصِدِي زَرْعَكُمْ.
﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: 23] يَقُولُ: فَمَضَوْا إِلَى حَرْثِهِمْ وَهُمْ يَتَسَارُّونَ بَيْنَهُمْ ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: 24] يَقُولُ: وَهُمْ يَتَسَارُّونَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا يَدْخُلَنَّ جَنَّتَكُمُ الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: 22] يَقُولُ: يُسِرُّونَ ﴿أن لَا يَدْخُلَنَّها الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: 24]

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ غَدَوْا عَلَيْهَا، فَقَالُوا: لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْحَرْدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: عَلَى قُدْرَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ وَجِدٍّ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] قَالَ: ذَوِي قُدْرَةٍ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] قَالَ: عَلَى جِدٍّ قَادِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ

قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] قَالَ: عَلَى جَهْدٍ، أَوْ قَالَ عَلَى جِدٍّ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ غَدَا الْقَوْمُ وَهُمْ مُحْرِدُونَ إِلَى جَنَّتِهِمْ، قَادِرُونَ عَلَيْهَا فِي أَنْفُسِهِمْ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ قَالَ: عَلَى جِدٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] عَلَى جِدٍّ قَادِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَغَدَوْا عَلَى أَمْرِهِمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ، وَاسْتَسَرُّوهُ، وَأَسَرُّوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] قَالَ: كَانَ حَرْثٌ لِأَبِيهِمْ، وَكَانُوا إِخْوَةً، فَقَالُوا: لَا نُطْعِمُ مِسْكِينًا مِنْهُ حَتَّى نَعْلَمَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَسَّسُوهُ بَيْنَهُمْ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،

فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ [القلم: 25] قَالَ: عَلَى أَمْرٍ مُجْمَعٍ

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] قَالَ: عَلَى أَمْرٍ مُجْمَعٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَغَدَوْا عَلَى فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] قَالَ: عَلَى فَاقَةٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: عَلَى حَنَقٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] قَالَ: عَلَى حَنَقٍ وَكَأَنَّ سُفْيَانَ ذَهَبَ فِي تَأْوِيلِهِ هَذَا إِلَى مِثْلِ قَوْلِ الْأَشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ: [البحر الطويل] أُسُودُ شَرًى لَاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ ... تَسَاقَوْا عَلَى حَرْدٍ دِمَاءَ الْأَسَاوِدِ يَعْنِي: عَلَى غَضَبٍ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ: وَغَدَوْا

عَلَى مَنْعٍ.
وَيُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَارَدَتِ السَّنَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَطَرٌ، وَحَارَدَتِ النَّاقَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرمل] فَإِذَا مَا حَارَدَتْ أَوْ بَكَأَتْ ... فُتَّ عَنْ حَاجِبِ أُخْرَى طِينُهَا وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ قَائِلًا مِنْ مُتَقَدِّمِي الْعِلْمِ قَالَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا أَنْ يُتَعَدَّى مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، فَمَا صَحَّ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى الْحَرْدِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْقَصْدُ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ حَرَدَ فُلَانٌ حَرْدَ فُلَانٍ: إِذَا قَصَدَ قَصْدَهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: [البحر الرجز] وَجَاءَ سَيْلٌ كَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهْ ... يَحْرُدُ حَرْدَ الْجَنَّةِ الْمُغِلَّةْ يَعْنِي: يَقْصِدَ قَصْدَهَا، صَحَّ أَنَّ الَّذِيَ هُوَ أَوْلَى بتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ وَغَدَوْا عَلَى أَمْرٍ قَدْ قَصَدُوهُ وَاعْتَمَدُوهُ، وَاسْتَسَرُّوهُ بَيْنَهُمْ، قَادِرِينَ عَلَيْهِ فِي أَنْفُسِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَّالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا صَارَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ إِلَى جَنَّتِهِمْ، وَرَأَوْهَا مُحْتَرِقًا حَرْثُهَا، أَنْكَرُوهَا وَشَكُّوا فِيهَا، هَلْ هِيَ جَنَّتُهُمْ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِأَصْحَابِهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمْ قَدْ

أَغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وَأَنَّ الَّتِي رَأَوْا غَيْرَهَا: إِنَّا أَيُّهَا الْقَوْمُ لَضَالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنَا، فَقَالَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهَا جَنَّتُهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أَيُّهَا الْقَوْمُ مَحْرُومُونَ، حُرِمْنَا مَنْفَعَةَ جَنَّتِنَا بِذَهَابِ حَرْثِهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم: 26] أَيْ ضَلَلْنَا الطَّرِيقَ، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: 27] ، بَلْ جُوزِينَا فَحُرِمْنَا

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم: 26] يَقُولُ قَتَادَةُ: يَقُولُونَ أَخْطَأَنَا الطَّرِيقَ مَا هَذِهِ بِجَنَّتِنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: 27] حُرِمْنَا جَنَّتَنَا

جارٍ التحميل