تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 386-398

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا

صفحات 386-398
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ , فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: 97] قَالَ: " هُمْ خَمْسَةُ فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ: عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ , وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِهِ , وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ , وَأَبُو الْعَاصِ بْنُ مُنَبِّهٍ , وَنَسِيتُ الْخَامِسَ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الْآيَةُ , حَدَّثَنَا " أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي أُنَاسٍ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ , فَخَرَجُوا مَعَ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ , فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ , فَاعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ , فَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98] أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَذَرَهُمُ اللَّهُ , فَاسْتَثْنَاهُمْ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ قَالَ: " وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الْآيَةُ قَالَ: أُنَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ

يَخْرُجُوا مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ , وَخَرَجُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إِلَى بَدْرٍ , فَأُصِيبُوا يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ أُصِيبَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: سَأَلْتُهُ , يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ , عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 98] فَقَالَ: لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظَهَرَ وَنَبَعَ الْإِيمَانُ نَبَعَ النِّفَاقُ مِنْهُ , فَأَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالٌ , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , لَوْلَا أَنَّا نَخَافُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يُعَذِّبُونَنَا وَيَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ لَأَسْلَمْنَا , وَلَكِنَّا نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لَهُ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَامَ الْمُشْرِكُونِ , فَقَالُوا: لَا يَتَخَلَّفُ عَنَّا أَحَدٌ إِلَّا هَدَمْنَا دَارَهُ وَاسْتَبَحْنَا مَالَهُ.
فَخَرَجَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ الْقَوْلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ , فَقُتِلَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَأُسِرَتْ طَائِفَةٌ.
قَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ قُتِلُوا فَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الْآيَةُ كُلُّهَا ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97] وَتَتْرُكُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَضْعِفُونَكُمْ ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قَالَ: " ثُمَّ عَذَرَ اللَّهُ أَهْلَ الصِّدْقِ فَقَالَ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98] يَتَوَجَّهُونَ لَهُ لَوْ خَرَجُوا لَهَلَكُوا , فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ إِقَامَتَهُمْ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ الَّذِينَ أُسِرُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّا كُنَّا نَأْتِيكَ فَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ , وَأَنَّ

هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ خَرَجْنَا مَعَهُمْ خَوْفًا.
فَقَالَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 70] صَنِيعَكُمُ الَّذِي صَنَعْتُمْ بِخُرُوجِكُمْ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال: 71] خَرَجُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 71] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ أَيُّوبَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: " كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي , مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98] "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , عَنْ شَرِيكٍ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 98] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: 97] قَالَ مَنْ قُتِلَ مِنْ ضُعَفَاءِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ "

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ: ثنا حَمَّادٌ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي دُبُرِ صَلَاةِ الظُّهْرِ: «اللَّهُمَّ خَلِّصِ الْوَلِيدَ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَضَعَفَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98] قَالَ: " مُؤْمِنُونَ مُسْتَضْعَفُونَ بِمَكَّةَ , فَقَالَ فِيهِمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُمْ بِمَنْزِلَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا

بِبَدْرٍ ضُعَفَاءَ مَعَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98] الْآيَةُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: 98] فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَمَا:

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرٍو , عَنْ عِكْرِمَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: 98] قَالَ: " نُهُوضًا إِلَى الْمَدِينَةِ ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98] طَرِيقًا إِلَى الْمَدِينَةِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98] طَرِيقًا إِلَى الْمَدِينَةِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: " الْحِيلَةُ: الْمَالُ , وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ إِلَى الْمَدِينَةِ "

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: 97] فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ [النساء: 97] فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ , لِأَنَّ فَعَلَ مَنْصُوبَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ , يُرَادُ بِهِ: إِنَّ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَكُونُ إِحْدَى التَّاءَيْنَ مِنْ تَوَفَّاهُمْ مَحْذُوفَةً , وَهِيَ مُرَادَةٌ فِي الْكَلِمَةِ , لِأَنَّ الْعَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَتْ تَاءَانِ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ رُبَّمَا حَذَفَتْ إِحْدَاهُمَا وَأَثْبَتَتِ الْأُخْرَى , وَرُبَّمَا أَثْبَتَتْهُمَا جَمِيعًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 100] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 100] وَمَنْ يُفَارِقْ أَرْضَ الشِّرْكِ وَأَهْلَهَا

هَرَبًا بِدِينِهِ مِنْهَا وَمِنْهُمْ إِلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 154] يَعْنِي فِي مِنْهَاجِ دِينِ اللَّهِ وَطَرِيقِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِخَلْقِهِ , وَذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.
﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 100] يَقُولُ: " يَجِدْ هَذَا الْمُهَاجِرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا , وَهُوَ الْمُضْطَرِبُ فِي الْبِلَادِ وَالْمَذْهَبِ ,

يُقَالَ مِنْهُ: رَاغَمَ فُلَانٌ قَوْمَهُ مُرَاغَمًا وَمُرَاغَمَةً مَصْدَرَانِ , وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: [البحر المتقارب] كَطَوْدٍ يُلَاذُ بِأَرْكَانِهِ ... عَزِيزِ الْمُرَاغَمِ وَالْمَهْرَبِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَعَةً﴾ [النساء: 100] فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ السَّعَةَ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ بِمَكَّةَ , وَذَلِكَ مَنْعُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِمْ وَعِبَادَةِ رَبِّهِمْ عَلَانِيَةً ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّنْ خَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ فَارًّا بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ إِنْ أَدْرَكَتْهُ مَنِيَّتُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ أَرْضَ الْإِسْلَامِ وَدَارَ الْهِجْرَةِ , فَقَالَ: مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ , وَذَلِكَ ثَوَابُ عَمَلِهِ وَجَزَاءُ هِجْرَتِهِ وَفِرَاقِ وَطَنِهِ وَعَشِيرَتِهِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ دِينِهِ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَنْ يَخْرُجْ مُهَاجِرًا مِنْ دَارِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ , فَقَدِ اسْتَوْجَبَ ثَوَابَ هِجْرَتِهِ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ دَارَ هِجْرَتِهِ

بِاخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ إِيَّاهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ إِيَّاهَا عَلَى رَبِّهِ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96] يَقُولُ: وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ غَفُورًا يَعْنِي: سَاتِرًا ذُنُوبَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَفْوِ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا، رَحِيمًا بِهِمْ رَفِيقًا، وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ بَعْضِ مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ وَهُوَ مُسْلِمٌ , فَخَرَجَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْآيَتَيْنِ قَبْلَهَا , وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 99] فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْمَدِينَةَ

ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنْ أَبِي بِشْرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100] قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ يُقَالَ لَهُ ضَمْرَةُ بْنُ الْعِيصِ أَوِ الْعِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْبَاعٍ قَالَ: فَلَمَّا أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ كَانَ مَرِيضًا , فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَفْرِشُوا لَهُ عَلَى سَرِيرِهِ وَيَحْمِلُوهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَفَعَلُوا , فَأَتَاهُ الْمَوْتُ وَهُوَ بِالتَّنْعِيمِ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي بِشْرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] فِي ضَمْرَةَ بْنِ الْعِيصِ بْنِ

الزِّنْبَاعِ , أَوْ فُلَانِ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ الْعِيصِ بْنِ الزِّنْبَاعِ , حِينَ بَلَغَ التَّنْعِيمَ مَاتَ فَنَزَلَتْ فِيهِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنِ الْعَوَّامِ التَّيْمِيِّ بِنَحْوِ حَدِيثِ يَعْقُوبَ , عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ: «وَكَانَ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100] الْآيَةُ قَالَ: " لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ وَرَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُقَالَ لَهُ ضَمْرَةُ بِمَكَّةَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِي مِنَ الْمَالِ مَا يُبَلِّغُنِي الْمَدِينَةَ وَأَبْعَدَ مِنْهَا وَإِنِّي لِأَهْتَدِي , أَخْرِجُونِي.
وَهُوَ مَرِيضٌ حِينَئِذٍ.
فَلَمَّا جَاوَزَ الْحَرَمَ قَبَضَهُ اللَّهُ فَمَاتَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] " الْآيَةَ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مَرِيضٌ: وَاللَّهِ مَالِي مِنْ عُذْرٍ إِنِّي لَدَلِيلٌ بِالطَّرِيقِ , وَإِنِّي لَمُوسِرٍ , فَاحْمِلُونِي.
فحَمَلُوهُ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ بِالطَّرِيقِ , فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ

عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ , يَقُولُ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الْآيَتَيْنِ , قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ وَكَانَ مَرِيضًا: أَخْرِجُونِي إِلَى الرَّوْحِ.
فأَخْرَجُوهُ , حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْحَصْحَاصِ مَاتَ , فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100] الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ , عَنْ عِلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيِّ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] قَالَ: «نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ , قَالَ: ثنا قُرَّةُ , عَنِ الضَّحَّاكِ , فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] قَالَ: " لَمَّا سَمِعَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ بَنِيَ كِنَانَةَ قَدْ ضَرَبَتْ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمُ الْمَلَائِكَةُ قَالَ لِأَهْلِهِ: أَخْرِجُونِي.
وَقَدْ أَدْنَفَ لِلْمَوْتِ.
قَالَ:

فَاحْتُمِلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَقَبَةٍ قَدْ سَمَّاهَا , فَتُوُفِّيَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: لَمَّا سَمِعَ بِهَذِهِ , يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 99] , ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الضَّمْرِيُّ قَالَ لِأَهْلِهِ وَكَانَ وَجِعًا: أَرْحِلُوا رَاحِلَتِي , فَإِنَّ الْأَخْشَبَيْنِ قَدْ غَمَّانِي , يَعْنِي: جَبَلَيْ مَكَّةَ , لَعَلِّي أَنْ أَخْرُجَ فَيُصِيبَنِي رَوْحٌ.
فقَعَدَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَمَاتَ بِالطَّرِيقِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] وَأَمَّا حِينَ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ , فَإِنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ مُهَاجِرٌ إِلَيْكَ وَإِلَى رَسُولِكَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ , يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: 97] قَالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الْجُنْدَعِيُّ: اللَّهُمَّ أَبْلَغْتَ فِي الْمَعْذِرَةِ وَالْحُجَّةِ ,

وَلَا مَعْذِرَةَ لِي وَلَا حُجَّةَ.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَمَاتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ , فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ , فَلَا نَدْرِي أَعْلَى وِلَايَةٍ أَمْ لَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الْآيَةَ , سَمِعَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ كَانَ عَلَى دِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ , وَكَانَ مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا وَضِيئًا , فَقَالَ لِأَهْلِهِ: مَا أَنَا بِبَائِتٍ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ.
فَخَرَجُوا بِهِ مَرِيضًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ التَّنْعِيمَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ , فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] الْآيَةُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100] قَالَ: " هَاجَرَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُرِيدُ النَّبِيَّ , صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ.
فسَخِرَ بِهِ قَوْمُهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ , وَقَالُوا: لَا هُوَ بَلَغَ الَّذِي يُرِيدُ , وَلَا هُوَ أَقَامَ فِي أَهْلِهِ يَقُومُونَ عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ.
قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ , قَالَ: ثنا شَرِيكٌ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ ضَمْرَةُ مِنْ بَنِي بَكْرٍ وَكَانَ مَرِيضًا , فَقَالَ لِأَهْلِهِ: أَخْرِجُونِي مِنْ مَكَّةَ , فَإِنِّي أَجِدُ الْحَرَّ.
فقَالُوا: أَيْنَ نُخْرِجُكَ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانَ , قَالَ: ثنا قَيْسٌ , عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] قَالَ: " رَخَّصَ فِيهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الضَّرَرِ حَتَّى نَزَلَتْ فَضِيلَةُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ , فَقَالُوا: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فَضِيلَةَ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ وَرَخَّصَ لِأَهْلِ الضَّرَرِ.
حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] قَالُوا: هَذِهِ مُوجِبَةٌ.
حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98] فَقَالَ ضَمْرَةُ بْنُ الْعِيصِ الزُّرَقِيُّ أَحَدُ بَنِي لَيْثٍ , وَكَانَ مُصَابَ الْبَصَرِ: إِنِّي لَذُو حِيلَةٍ لِي مَالٌ وَلِي رَقِيقٌ , فَاحْمِلُونِي.
فَخَرَجَ وَهُوَ مَرِيضٌ , فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ عِنْدَ التَّنْعِيمِ , فَدُفِنَ عِنْدَ مَسْجِدِ التَّنْعِيمِ , فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: 100] الْآيَةُ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْمُرَاغَمِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ التَّحَوُّلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ

جارٍ التحميل