وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يَقُولُ: " كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ فِتْنَةٍ أُرْكِسُوا فِيهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُوجَدُ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ , فَيُقَرَّبُ إِلَى الْعُودِ وَالْحَجَرِ وَإِلَى الْعَقْرَبِ وَالْخُنْفِسَاءِ , فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ لِذَلِكَ الْمُتَكَلِّمِ بِالْإِسْلَامِ: قُلْ هَذَا رَبِّي , لِلْخُنْفِسَاءِ وَالْعَقْرَبِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا طَلَبُوا الْأَمَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَأْمَنُوا عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ وَعِنْدَ الْمُشْرِكِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: 91] قَالَ: " حَيُّ كَانُوا بِتِهَامَةَ , قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا نُقَاتِلُكَ وَلَا نُقَاتِلُ قَوْمَنَا , وَأَرَادُوا أَنْ يَأْمَنُوا نَبِيَّ اللَّهِ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ.
فَأَبَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ: ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يَقُولُ: «كُلَّمَا عَرَضَ لَهُمْ بَلَاءٌ هَلَكُوا فِيهِ» وَقَالَ آخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ , وَكَانَ يَأْمَنُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ , يَنْقُلُ الْحَدِيثَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾ يَقُولُ: «إِلَى الشِّرْكِ» وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ فَإِنَّهُمْ كَمَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ قَالَ: «كُلَّمَا ابْتُلُوا بِهَا عُمُّوا فِيهَا»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: «كُلَّمَا عَرَضَ لَهُمْ بَلَاءٌ هَلَكُوا فِيهِ» وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ بَيَّنْتُ قَبْلُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْفِتْنَةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْاخْتِبَارُ , وَالْإِرْكَاسُ: الرُّجُوعُ فتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الاخْتِبَارِ لِيَرْجِعُوا إِلَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ رَجَعُوا إِلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 91] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ , وَهِيَ كُلَّمَا دُعُوا
إِلَى الشِّرْكِ أَجَابُوا إِلَيْهِ , وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ , وَلَمْ يَسْتَسْلِمُوا إِلَيْكُمْ فَيُعْطُوكُمُ الْمَقَادَ وَيُصَالِحُوكُمْ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: 91] قَالَ: " الصُّلْحَ.
﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ [النساء: 91] يَقُولُ: " وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: 91] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا
فَخُذُوهُمْ أَيْنَ أَصَبْتُمُوهُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَقِيتُمُوهُمْ فِيهَا فَاقْتُلُوهُمْ , فَإِنَّ دِمَاءَهُمْ لَكُمْ حِينَئِذٍ حَلَالٌ ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 91] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ وَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ , إِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ , جَعَلْنَا لَكُمْ حُجَّةً فِي قَتْلِهِمْ أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ , بِمَقَامِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَرْكِهِمْ هِجْرَةَ دَارِ الشِّرْكِ ﴿مُبِينًا﴾ [النساء: 20] يَعْنِي أَنَّهَا تُبِينُ عَنِ اسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ مِنْكُمْ وِإَصَابَتِكُمُ الْحَقَّ فِي قَتْلِهِمْ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 91] , وَالسُّلْطَانُ: هُوَ الْحُجَّةُ.
كَمَا: "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: «مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ سُلْطَانٍ فَهُوَ حُجَّةٌ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: قَوْلُهُ: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 91] أَمَّا السُّلْطَانُ الْمُبِينُ: فَهُوَ الْحُجَّةُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ
يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ وَمَا أَذِنَ اللَّهُ لِمُؤْمِنٍ وَلَا أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا.
يَقُولُ: مَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ فِيمَا جَعَلَ لَهُ رَبُّهُ وَأْذِنَ لَهُ فِيهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْبَتَّةَ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ يَقُولُ: «مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا أَتَاهُ مِنْ رَبِّهِ مِنْ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَقْتُلُ الْمُؤْمِنَ خَطَأً , وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا جَعَلَ لَهُ رَبُّهُ فَأَبَاحَهُ لَهُ.
وَهَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي تُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ , كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
[البحر الطويل]
مِنَ الْبِيضِ لَمْ تَظْعَنْ بَعِيدًا وَلَمْ تَطَأْ ... عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا رَيْطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ
يَعْنِي: لَمْ تَطَأْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا أَنْ تَطَأَ ذَيْلَ الْبُرْدِ , وَلَيْسَ ذَيْلَ الْبُرْدِ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ بِحُكْمِ مَنْ قَتَلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ خَطَأً، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يَقُولُ: فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
مِنْ مَالِهِ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ يُؤَدِّيهَا عَاقِلَتُهُ إِلَى أَهْلِهِ ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يَصَدَّقَ أَهْلُ الْقَتِيلِ خَطَأً عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ دِيَّةَ قَتِيلِهِمْ فَيَعْفُوا عَنْهُ وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ ذَنْبِهِ، فَيَسْقُطَ عَنْهُ.
وَمَوْضِعُ أَنْ مِنْ قَوْلِهِ ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] نَصْبُُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: فَعَلَيْهِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَصَدَّقُوا، وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ , وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مُسْلِمًا بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِسْلَامِهِ
ذِكْرُ الْآثَارِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ قَالَ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: " قَتَلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا كَانَ يُعَذِّبُهُ مَعَ أَبِي جَهْلٍ , وَهُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ , فَاتَّبَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ كَمَا هُوَ وَكَانَ عَيَّاشٌ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنًا , فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ وَهُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ , فَقَالَ: إِنَّ أُمَّكَ تُنَاشِدُكَ رَحِمَهَا وَحَقَّهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهَا.
وَهِيَ أَسْمَاءُ ابْنَةُ مَخْرَمَةَ.
فأَقْبَلَ مَعَهُ , فَرَبَطَهُ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ؛ فَلَمَّا رَآهُ الْكُفَّارُ زَادَهُمْ ذَلِكَ كُفْرًا وَافْتِتَانًا , وَقَالُوا: إِنَّ أَبَا جَهْلٍ لَيَقْدِرُ
مِنْ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا يَشَاءُ وَيَأْخُذُ أَصْحَابَهُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَاتَّبَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَعَيَّاشٌ يَحْسِبُهُ أَنَّهُ كَافِرٌ كَمَا هُوَ , وَكَانَ عَيَّاشٌ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُؤْمِنًا , فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ وَهُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ , فَقَالَ: إِنَّ أُمَّكَ تَنْشُدُكَ بِرَحِمِهَا وَحَقِّهَا إِلَّا رَجَعْتَ إِلَيْهَا.
وَقَالَ أَيْضًا: فَيَأْخُذُ أَصْحَابَهُ فَيَرْبِطُهُمْ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , بِنَحْوِهِ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: كَانَ الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ نُبَيْشَةَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ يُعَذِّبُ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ مَعَ أَبِي جَهْلٍ.
ثُمَّ خَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ مُهَاجِرًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَقِيَهُ عَيَّاشٌ بِالْحَرَّةِ فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى سَكَتَ , وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ كَافِرٌ.
ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ , وَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الْآيَةُ , فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ لَهُ: «قُمْ فَحَرِّرْ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ قَالَ: " نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ , فَكَانَ أَخًا لِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ لِأُمِّهِ.
وَإِنَّهُ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ قَبْلَ قَدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَطَلَبَهُ أَبُو جَهْلٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَمَعَهُمَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ , فَأَتَوْهُ بِالْمَدِينَةِ , وَكَانَ عَيَّاشٌ أَحَبَّ إِخْوَتِهِ إِلَى أُمِّهِ , فَكَلَّمُوهُ وَقَالُوا: إِنَّ أُمَّكَ قَدْ حَلَفَتْ أَنْ لَا يُظِلَّهَا بَيْتٌ حَتَّى تَرَاكَ وَهِيَ مُضْطَجِعَةٌ فِي الشَّمْسِ , فَأْتِهَا لِتَنْظُرَ إِلَيْكَ ثُمَّ ارْجِعْ.
وأَعْطَوْهُ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَا يَحْجِزُونَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فأَعْطَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَعِيرًا لَهُ نَجِيبًا , وَقَالَ: إِنْ خِفْتَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَاقْعُدْ عَلَى النَّجِيبِ.
فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ , وَجَلَدَهُ الْعَامِرِيُّ , فَحَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ الْعَامِرِيَّ.
فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا بِمَكَّةَ حَتَّى خَرَجَ يَوْمَ الْفَتْحِ , فَاسْتَقْبَلَهُ الْعَامِرِيُّ وَقَدْ أَسْلَمَ وَلَا يَعْلَمُ عَيَّاشٌ بِإِسْلَامِهِ , فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ يَقُولُ: «وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فَيَتْرُكُوا الدِّيَةَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي الدَّرْدَاءِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الْآيَةُ.
قَالَ: نَزَلَ هَذَا فِي رَجُلٍ قَتَلَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَانُوا فِي سَرِيَّةٍ , فَعَدَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى شِعْبٍ يُرِيدُ حَاجَةً لَهُ , فَوَجَدَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فِي غَنَمٍ لَهُ , فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ , فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: فَضَرَبَهُ ثُمَّ جَاءَ بِغَنَمِهِ إِلَى الْقَوْمِ.
ثُمَّ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا , فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟» فَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَجِدُ.
هَلْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا دَمٌ أَوْ مَاءٌ؟ قَالَ: «فَقَدْ أَخْبَرَكَ بِلِسَانِهِ فَلَمْ تُصَدِّقْهُ» قَالَ: كَيْفَ بِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «فَكَيْفَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قَالَ: فَكَيْفَ بِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «فَكَيْفَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأَ إِسْلَامِي.
قَالَ: وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]
قَالَ: «إِلَّا أَنْ يَضَعُوهَا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَرَّفَ عِبَادَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَا عَلَى مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً مِنْ كَفَّارَةٍ وَدِيَةٍ.
وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَقَتِيلِهِ , وَفِي أَبِي الدَّرْدَاءِ وَصَاحِبِهِ.
وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَالَّذِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِالْآيَةِ تَعْرِيفُ عِبَادِهِ مَا ذَكَرْنَا , وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ عَقَلَ عَنْهُ مِنْ عِبَادِهِ تَنْزِيلَهُ , وَغَيْرُ ضَائِرِهِمْ جَهْلُهُمْ بِمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ وَأَمَّا الرَّقَبَةُ الْمُؤْمِنَةُ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِي صِفَتِهَا , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَكُونُ الرَّقَبَةُ مُؤْمِنَةً حَتَّى تَكُونَ قَدِ اخْتَارَتِ الْإِيمَانَ بَعْدَ بُلُوغِهَا وَصَلَّتْ وَصَامَتْ , وَلَا يَسْتَحِقُّ الطِّفْلُ هَذِهِ الصِّفَةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , عَنْ أَبِي حَيَّانَ , قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] قَالَ: «قَدْ صَلَّتْ وَعَرَفَتِ الْإِيمَانَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] يَعْنِي بِالْمُؤْمِنَةِ: مَنْ عَقَلَ الْإِيمَانَ وَصَامَ وَصَلَّى "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: «مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَلَا يَجْزِي إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى , وَمَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَقَبَةٍ لَيْسَتْ مُؤْمِنَةً , فَالصَّبِيِّ يُجْزِئُ»
حُدِّثْتُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ , عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: " كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فَمَنْ صَامَ وَصَلَّى وَعَقَلَ , وَإِذَا قَالَ: «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» : فَمَا شَاءَ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: " كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فَالَّذِي قَدْ صَلَّى , وَمَا لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً , فَتَحْرِيرُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وَالرَّقَبَةُ الْمُؤْمِنَةُ عِنْدَ قَتَادَةَ: مَنْ قَدْ صَلَّى.
وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُعْتِقَ فِي هَذَا الطِّفْلِ الَّذِي لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ "
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ , قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ
إِبْرَاهِيمَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] قَالَ: «إِذَا عَقَلَ دِينَهُ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ فِي: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] لَا يُجْزِئُ فِيهَا صَبِيُّ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] يَعْنِي بِالْمُؤْمِنَةِ: مَنْ قَدْ عَقَلَ الْإِيمَانَ وَصَامَ وَصَلَّى , فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ , وَعَلَيْهِ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ , إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا بِهَا عَلَيْهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا كَانَ مَوْلُودًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَإِنْ كَانَ طِفْلًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ , قَالَ: «كُلُّ رَقَبَةٍ وُلِدَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَهِيَ تُجْزِئُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ مِنَ الرِّقَابِ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ وَهُوَ يَعْقِلُ الْإِيمَانَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا كَانَ
مِمَّنْ كَانَ أَبَوَاهُ عَلَى مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَلِ سِوَى الْإِسْلَامِ وَوُلِدَ يَتِيمًا وَهُوَ كَذَلِكَ , ثُمَّ لَمْ يُسْلِمَا وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى أُعْتِقَ فِي كَفَّارَةِ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا مَنْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الاخْتِيَارِ وَالتَّمْيِيزِ وَلَمْ يُدْرِكِ الْحُلُمَ فَمَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْمُوَارَثَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ , وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِنْ جَنَى , وَيَجِبَ لَهُ إِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ , وَفِي الْمُنَاكَحَةِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِهِمْ إِجْمَاعًا , فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْحُكْمِ فِيمَا يُجْزِئُ فِيهِ مِنْ كَفَّارَةِ الْخَطَأِ إِنْ أَعْتَقَ فِيهَا مِنْ حُكْمِ أَهْلِ الْإِيمَانِ مِثْلُ الَّذِي لَهُ مِنْ حُكْمِ الْإِيمَانِ فِي سَائِرِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَغَيْرَهَا.
وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ عُكِسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيهِ , ثُمَّ سُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلٍ أَوْ قِيَاسٍ , فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أَلْزَمُ فِي غَيْرِهِ مِثْلَهُ.
وَأَمَّا الدِّيَةُ الْمُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ الْقَتِيلِ فَهِيَ الْمَدْفُوعَةُ إِلَيْهِمْ عَلَى مَا وَجَبَ لَهُمْ مُوَفَّرَةً غَيْرَ مُنْتَقَصَةٍ حُقُوقَ أَهْلِهِمْ مِنْهَا.
وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «هِيَ الْمُوَفَّرَةُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] قَالَ: «مُوَفَّرَةٌ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: إِلَّا أَنْ يَتَصَدَّقُوا بِالدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ مِنْ قَوْلِهِ: يَتَصَدَّقُوا فِي الصَّادِ فَصَارَتَا صَادًا.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «إِلَّا أَنْ يَتَصَدَّقُوا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا بَكْرُ بْنُ الشَّرُودِ: فِي حَرْفِ أُبَيٍّ: «إِلَّا أَنْ يَتَصَدَّقُوا ,»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: 92] فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَتِيلُ الَّذِي قَتَلَهُ الْمُؤْمِنُ خَطَأً مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ , يَعْنِي: مِنْ عِدَادِ قَوْمٍ أَعْدَاءٍ لَكُمْ فِي الدِّينِ مُشْرِكِينَ , لَمْ يَأْمَنُوكُمُ الْحَرْبَ عَلَى
خِلَافِكُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] يَقُولُ: " فَإِذَا قَتَلَ الْمُسْلِمُ خَطَأً رَجُلًا مِنْ عِدَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَقْتُولُ مُؤْمِنٌ وَالْقَاتِلُ يَحْسِبُ أَنَّهُ عَلَى كِفْرِهِ , فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ قَوْمٍ هُمْ عَدُوٌّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ أَيْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لَمْ يُهَاجِرْ , فَقَتَلَهُ مُؤْمِنٌ , فَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , وَالْمُغِيرَةِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: 92] قَالَ: " هُوَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ , فَيُقْتَلُ.
قَالَ: لَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ , وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيلَ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: 92] قَالَ: " يَعْنِي: الْمَقْتُولُ يَكُونُ مُؤْمِنًا وَقَوْمُهُ كُفَّارٌ قَالَ: فَلَيْسَ لَهُ دِيَةٌ , وَلَكِنْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ , قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: 92] قَالَ: «يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَقَوْمُهُ كُفَّارٌ , فَلَا دِيَةَ لَهُ , وَلَكِنْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»