وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 89] قَالَ: " هَذَا فِي شَأْنِ ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ تَكَلَّمَ فِي عَائِشَةَ بِمَا تَكَلَّمَ.
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: فَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْهُ.
يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ كَانُوا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَهْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلَيْنِ: التَّأْوِيلُ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى مَا قَدْ
ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ , وَالْآخَرُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء: 89] أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دَارِهِ وَمَدَينَتِهِ مِنْ سَائِرِ أَرْضِ الْكُفْرِ , فَأَمَّا مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ مُقِيمًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الشِّرْكِ , فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضُ هِجْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ كَانَ وَطَنُهُ وَمَقَامُهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ , كَمَا تَقُولُ: مَا لَكَ قَائِمًا , يَعْنِي مَا لَكَ فِي حَالِ الْقِيَامِ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ؛ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى فِعْلِ مَا لَكَ قَالَ: وَلَا يُبَالَى كَانَ الْمَنْصُوبُ فِي مَا لَكَ مَعْرِفَةً أَوْ نَكِرَةً.
قَالَ: وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: مَا لَكَ السَّائِرَ مَعَنَا , لِأَنَّهُ كَالْفِعْلِ الَّذِي يُنْصَبُ بِكَانَ وَأَظُنُّ وَمَا أَشْبَهَهُمَا.
قَالَ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَلَحَتْ فِيهِ فَعَلَ وَيَفْعَلُ مِنَ الْمَنْصُوبِ جَازَ نَصْبُ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُ وَالنَّكِرَةِ , كَمَا يَنْصِبُ كَانَ وَأَظُنُّ لَأَنَّهُنَّ نَوَاقِصُ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُنَّ تَامَّاتٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: مَا لَكَ قَائِمًا , الْقِيَامُ , فَهُوَ فِي مَذْهَبِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا وَأَظُنُّ وَصَوَاحِبَاتِهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ [النساء: 88] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: رَدَّهُمْ؛ كَمَا قُلْنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] رَدَّهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَاللَّهُ أَوْقَعَهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثني عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] يَقُولُ: «أَوْقَعَهُمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَضَلَّهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ [النساء: 88] قَالَ: «أَهْلَكَهُمْ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ قَتَادَةَ
: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] «أَهْلَكُهُمْ بِمَا عَمِلُوا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] «أَهْلَكُهُمْ» وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 88] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: 88] أَتُرِيدُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تُهْدُوا إِلَى الْإِسْلَامِ , فَتُوَفِّقُوا لِلْإِقْرَارِ بِهِ وَالدُّخُولِ فِيهِ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَنْهُ , يَعْنِي بِذَلِكَ: مَنْ خَذَلَهُ
اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يُوَفِّقْهُ لِلْإِقْرَارِ بِهِ.
وَإِنَّمَا هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْفِئَةِ الَّتِي دَافَعَتْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَتَبْغُونَ هِدَايَةَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ فَخَذَلَهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ بِمُدَافَعَتِكِمْ عَنْ قِتَالِهِمْ مَنْ أَرَادَ قِتَالَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 88] يَقُولُهُ: وَمَنْ
خَذَلَهُ عَنْ دِينِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَبِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ , فَأَضَلَّهُ عَنْهُ , فَلَنْ تَجِدَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ سَبِيلًا , يَقُولُ: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ طَرِيقًا تَهْدِيهِ فِيهَا إِلَى إِدْرَاكِ مَا خَذَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ , وَلَا مَنْهَجًا يَصِلُ مِنْهُ إِلَى الْأَمْرِ الَّذِي قَدْ حَرَمَهُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 89] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] تَمَنَّى هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ أَنْتُمْ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فِئَتَانِ أَنْ تَكْفُرُوا فَتَجْحَدُوا وَحْدَانِيَّةَ رَبِّكُمْ وَتَصْدِيقَ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾ [النساء: 89] يَقُولُ: " كَمَا جَحَدُوا هُمْ ذَلِكَ ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89] يَقُولُ: " فَتَكُونُونَ كُفَّارًا مَثَلَهُمْ , وَتَسْتَوُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ فِي الشِّرْكِ بِاللَّهِ ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء: 89] يَقُولُ: " حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ وَيُفَارِقُوا أَهْلَهَا الَّذِينَ هُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهَا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 154] يَعْنِي فِي ابْتِغَاءِ دِينِ اللَّهِ , وَهُوَ سَبِيلُهُ , فَيَصِيرُوا عِنْدَ ذَلِكَ مِثْلَكُمْ , وَيَكُونُ لَهُمْ حِينَئِذٍ حُكْمُكُمْ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء: 89] يَقُولُ: " حَتَّى يَصْنَعُوا كَمَا صَنَعْتُمْ , يَعْنِي: الْهِجْرَةَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 89] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنْ أَدْبَرَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَتَوَلَّوْا عَنِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ , وَمِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلَامِ , فَخُذُوهُمْ أَيُّهَا
الْمُؤْمِنُونَ , وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ وَغَيْرِ بِلَادِهِمْ , أَيْنَ أَصَبْتُمُوهُمْ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا﴾ [النساء: 89] يَقُولُ: وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ خَلِيلًا يُوَالِيكُمْ عَلَى أُمُورِكُمْ، وَلَا نَاصِرًا يَنْصُرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، فَإِنَّهُمْ كُفَّارٌ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالََا، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِبَانَةٌ عَنْ صِحَّةِ نِفَاقِ الَّذِينَ اخْتَلَفَ الْمُؤْمِنُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَتَحْذِيرٌ لِمَنْ دَافَعَ عَنْهُمْ عَنِ الْمُدَافَعَةِ عَنْهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: 89] فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْهِجْرَةِ
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: 89] يَقُولُ: «إِذَا أَظْهَرُوا كُفْرَهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ:
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 90] فَإِنْ تَوَلَّى هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ اخْتَلَفْتُمْ فِيهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَأَبَوُا الْهِجْرَةَ , فَلَمْ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ , سِوَى مَنْ وَصَلَ مِنْهُمْ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مُوَادَعَةٌ وَعَهْدٌ وَمِيثَاقٌ , فَدَخَلُوا فِيهِمْ وَصَارُوا مِنْهُمْ وَرَضَوْا بِحُكْمِهِمْ , فَإِنَّ لِمَنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ فَدَخَلَ فِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ رَاضِيًا بِحُكْمِهِمْ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ بِدُخُولِهِ فِيهِمْ , أَنْ لَا تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ , وَلَا تُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 90] يَقُولُ: «إِذَا أَظْهَرُوا كُفْرَهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ , فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَخَلَ فِي قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ , فَأَجْرُوا عَلَيْهِ مِثْلَ مَا تُجْرُونَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ , عَنِ ابْنِ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 90] يَصِلُونَ إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ مِنَ الْقَوْمِ , لَهُمْ مِنَ الْأَمَانِ مِثْلُ مَا لِهَؤُلَاءِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 90] قَالَ: «نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيِّ وَسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ وَخُزَيْمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ» وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ , أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ [النساء: 90] إِلَّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ فِي أَنْسَابِهِمْ لِقَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ؛ مِنْ قَوْلِهِمُ: اتَّصَلَ الرَّجُلُ , بِمَعْنَى: انْتَمَى وَانْتَسَبَ , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي صِفَةِ امْرَأَةٍ انْتَسَبَتْ إِلَى
قَوْمٍ:
[البحر الطويل]
إِذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ أَبَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ... وَبَكْرٌ سَبَتْهَا وَالْأُنُوفُ رَوَاغِمُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: اتَّصَلَتِ: انْتَسَبَتْ.
وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ , لِأَنَّ الِانْتِسَابَ إِلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمُوَادَعَةِ أَوِ الْعَهْدِ لَوْ كَانَ يُوجِبُ لِلْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِمْ مَا لَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْأَمَانِ مَا لَهُمْ , لَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُقَاتِلَ قُرَيْشًا , وَهُمْ أَنْسِبَاءُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ.
ولِأَهْلِ الْإِيمَانِ مِنَ الْحَقِّ بِإِيمَانِهِمْ أَكْثَرُ مِمَّا لِأَهْلِ الْعَهْدِ بِعَهْدِهِمْ , وَفِي قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِتَرْكِهَا الدُّخُولَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ , مَعَ قُرْبِ أَنْسَابِهِمْ مِنْ أَنْسَابِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ , الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّ انْتِسَابَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ إِلَى ذِي الْعَهْدِ مِنْهُمْ , لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لَهُ مِنَ الْعَهْدِ مَا لِذِي الْعَهْدِ مِنِ انْتِسَابِهِ.
فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَفْلَةٍ أَنَّ قِتَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَاتَلَ مِنْ أَنْسِبَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ مَا نُسِخَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 90] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَسَخَ قِرَاءَةً نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَدُخُولِ قُرَيْشٍ فِي الْإِسْلَامِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ , إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ , أَوْ: إِلَّا الَّذِينَ جَاءُوكُمْ مِنْهُمْ قَدْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ فَدَخَلُوا فِيكُمْ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ أَنْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ , وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ ضَاقَتْ نَفْسُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ فِعْلٍ أَوْ كَلَامٍ قَدْ حُصِرَ , وَمِنْهُ الْحَصْرُ فِي الْقِرَاءَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ يَقُولُ: «ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ مَتْرُوكٌ , تُرِكَ ذِكْرُهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَوْ جَاءُوكُمْ قَدْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ , فَتَرَكَ ذِكْرَ قَدْ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ فِعْلَ مِثْلِ ذَلِكَ , تَقُولُ: أَتَانِي فُلَانٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ , بِمَعْنَى: قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ؛ وَمَسْمُوعٌ مِنْهُمْ: أَصْبَحْتُ نَظَرْتُ إِلَى ذَاتِ التَّنَانِيرِ , بِمَعْنَى: قَدْ نَظَرْتُ.
ولِإِضْمَارِ قَدْ مَعَ الْمَاضِي جَازَ وَضْعُ الْمَاضِي مِنَ الْأَفْعَالِ فِي مَوْضِعِ
الْحَالِ , لِأَنَّ قَدْ إِذَا دَخَلَتْ مَعَهُ أَدْنَتْهُ مِنَ الْحَالِ وَأَشْبَهَ الْأَسْمَاءَ.
وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ , أَعْنِي: ﴿حَصِرَتْ﴾ [النساء: 90] قَرَأَ الْقُرَّاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ , وَبِهَا يُقْرَأُ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهَا.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: «أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورَهُمْ» نَصَبًا , وَهِيَ صَحِيحَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَصِيحَةٌ , غَيْرَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ الْقِرَاءَةُ بِهَا عِنْدِي لِشُذُوذِهَا وَخُرُوجُهَا عَنْ قِرَاءَةِ قُرَّاءِ الْإِسْلَامِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: 90] وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ
, فَيَدْخُلُونَ فِي جِوَارِهِمْ وَذِمَّتِهِمْ , وَالَّذِينَ يَجِيئُونَكُمْ قَدْ حَصِرَتْ
صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَقِتَالِ قَوْمِهِمْ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَقَاتَلُوكُمْ مَعَ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ كَفَّهُمْ عَنْكُمْ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَطِيعُوا الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِكَفِّهِمْ عَنْكُمْ مَعَ سَائِرِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الْكَفِّ عَنْهُمْ إِذَا وَصَلُوا إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ , أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَقِتَالِ قَوْمِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ [النساء: 90] يَقُولُ: " فَإِنِ اعْتَزَلَكُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِدُخُولِهِمْ فِي أَهْلِ عَهْدِكُمْ أَوْ مَصِيرِهِمْ إِلَيْكُمْ.
حصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَقِتَالِ قَوْمِهِمْ , فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: 90] يَقُولُ: " وَصَالَحُوكُمْ.
وَالسَّلَمُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ , وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَعْطَيْتُكَ قِيَادِي وَأَلْقَيْتُ إِلَيْكَ خِطَامِي , إِذَا اسْتَسْلَمَ لَهُ وَانْقَادَ لِأَمْرِهِ , فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: 90] إِنَّمَا هُوَ: أَلْقَوْا إِلَيْكُمْ قِيَادَهُمْ وَاسْتَسْلَمُوا لَكُمْ صُلْحًا مِنْهُمْ لَكُمْ وَسَلَمًا.
ومِنَ السَّلَمِ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ:
[البحر البسيط]
وَذَاكَ أَنَّ تَمِيمًا غَادَرَتْ سَلَمًا ... لِلْأُسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وَعْثَةِ اللِّبَدِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ سَلَمًا: اسْتِسْلَامًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: 90] قَالَ: «الصُّلْحَ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90] فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِذَا اسْتَسْلَمَ لَكُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ صُلْحًا مِنْهُمْ لَكُمْ , فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا: أَيْ فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ طَرِيقًا إِلَى قَتْلٍ أَوْ سِبَاءٍ أَوْ غَنِيمَةٍ , بِإِبَاحَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ لَكُمْ وَلَا إِذْنٍ , فَلَا تَعَرَّضُوا لَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا سَبِيلَ خَيْرٍ.
ثُمَّ نَسْخَ اللَّهُ جَمِيعَ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ وَالَّتِي بَعْدَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي قُلْنَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ , عَنِ الْحُسَيْنِ , عَنْ يَزِيدَ , عَنْ عِكْرِمَةَ , وَالْحَسَنِ , قَالَا: قَالَ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 90] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 91] وَقَالَ فِي الْمُمْتَحِنَةِ ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمُ﴾ [الممتحنة: 8] وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَقَالَ فِيهَا: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي
الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [الممتحنة: 9] إِلَى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] فَنَسَخَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الْأَرْبَعَةَ فِي شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ , فَقَالَ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 1] فَجَعَلَ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِي الْأَرْضِ , وَأَبْطَلَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الَّتِي تَلِيهَا: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5] ثُمَّ نَسَخَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: 5] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ [النساء: 90] قَالَ: " نَسَخَتْهَا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَ: ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 90] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بَعْدُ فِي بَرَاءَةَ , وَأَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 90] الْآيَةُ , قَالَ: نُسِخَ هَذَا كُلُّهُ أَجْمَعُ , نَسَخَهُ الْجِهَادُ , ضَرَبَ لَهُمْ أَجَلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ , إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْجِهَادُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ وَهَؤُلَاءِ فَرِيقٌ آخَرُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ
كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ لِيَأْمَنُوا بِهِ عِنْدَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَهُمْ كُفَّارٌ , يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَوْمُهُمْ , إِذَا لَقُوهُمْ كَانُوا مَعَهُمْ وَعَبَدُوا مَا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَيَأْمَنُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ , يَقُولُ اللَّهُ: ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يَعْنِي: " كُلَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ ارْتَدُّوا فَصَارُوا مُشْرِكِينَ مِثْلَهُمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ نَاسٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا عَلَى مَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ التُّقْيَةِ وَهُمْ كُفَّارٌ , لِيَأْمَنُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ , يَقُولُ اللَّهُ: ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يَعْنِي: «كُلَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ ارْتَدُّوا , فَصَارُوا مُشْرِكِينَ مِثْلَهُمْ لِيَأْمَنُوا عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ»
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ , وَيَأْمَنُوا , قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: 91] قَالَ نَاسٌ كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُسْلِمُونَ رِيَاءً , ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قُرَيْشٍ فَيَرْتَكِسُونَ فِي الْأَوْثَانِ , يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْمَنُوا هَهُنَا وَهَهُنَا , فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ إِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا وَيُصْلِحُوا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ