وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: 85] أَمَّا الْمُقِيتُ: فَالْقَدِيرُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: 85] قَالَ: " عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.
الْمُقِيتُ: الْقَدِيرُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْمُقِيتِ: الْقَدِيرُ , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يُذْكَرُ كَذَلِكَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ , وَيُنْشَدُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[البحر الوافر]
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وَكُنْتُ عَلَى مُسَاءَتِهِ مُقِيتَا
أَيْ قَدِيرًا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مِنْهُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ
مَنْ يُقِيتُ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهَا: يُقِيتُ: يَعْنِي مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدَيْهِ فِي سُلْطَانِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ , فَيُقَدِّرُ لَهُ قُوتَهُ.
يقَالَ مِنْهُ: أَقَاتَ فُلَانٌ الشَّيْءَ يُقِيتُهُ إِقَاتَةً , وَقَاتَهُ يَقُوتُهُ قِيَاتَةً وَقُوتًا , وَالْقُوتُ الِاسْمُ.
وَأَمَّا الْمُقِيتُ فِي بَيْتِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ:
[البحر الخفيف]
لَيْتَ شِعْرِي وَأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا ... قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ
أَلِيَ الْفَضْلُ أَمْ عَلَيَّ إِذَا حُو ... سِبْتُ إِنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَإِنِّي عَلَى الْحِسَابِ مَوْقُوفٌ , وَهُوَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: 86] إِذَا دُعِيَ لَكُمْ بِطُولِ الْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ وَالسَّلَامَةِ , ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] يَقُولُ: " فَادْعُوا لِمَنْ دَعَا لَكُمْ بِذَلِكَ بِأَحْسَنَ مِمَّا دَعَا
لَكُمْ , ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] يَقُولُ: " أَوْ رُدُّوا التَّحِيَّةَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ التَّحِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مِمَّا حَيًّا بِهِ الْمُحَيِّي , وَالَّتِي هِيَ مِثْلُهَا , فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ , وَيَزِيدُ عَلَى دُعَاءِ الدَّاعِي لَهُ؛ وَالرَّدُّ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ مِثْلُهَا , كَمَا قِيلَ لَهُ , أَوْ يَقُولَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ , فَيَدْعُو لِلدَّاعِي لَهُ مِثْلَ الَّذِي دَعَا لَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] يَقُولُ: " إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكَ أَحَدٌ , فَقُلْ أَنْتَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ , أَوْ تَقْطَعُ إِلَى السَّلَامُ عَلَيْكَ , كَمَا قَالَ لَكَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] قَالَ: «فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ , عَنْ عَطَاءٍ , قَالَ: «فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ شُرَيْحٍ: " أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ , كَمَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , " أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَطِيَّةَ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , " أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ: وَعَلَيْكُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ , أَوْ رُدُّوهَا عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ , قَالَ: ثنا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ , فَارْدُدْ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا , فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: 86] لِلْمُسْلِمِينَ ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: 86] لِلْمُسْلِمِينَ ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: 86] يَقُولُ: " حَيُّوا أَحْسَنَ مِنْهَا: أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] أَيْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] قَالَ: " قَالَ أَبِي: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُيِّيَ بِتَحِيَّةٍ أَنْ يُحَيِّيَ بِأَحْسَنَ مِنْهَا , وَإِذَا حَيَّاهُ غَيْرُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا قَالَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ , وَوَجَّهَ مَعْنَاهُ إِلَى أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا حَيَّاهُ تَحِيَّةً أَحْسَنَ مِنْ تَحِيَّتِهِ أَوْ مِثْلَهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ الصِّحَاحَ مِنَ الْآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ رَدَّ تَحِيَّةَ كُلِّ كَافِرٍ أَحْسَنَ مِنْ تَحِيَّتِهِ , وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِرَدِّ الْأَحْسَنِ؛ وَالْمِثْلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ مِنْهُ بَيْنَ الْمُسْتَوْجِبِ رَدَّ الْأَحْسَنِ مِنْ تَحِيَّتِهِ عَلَيْهِ وَالْمَرْدُودِ عَلَيْهِ مِثْلُهَا بِدَلَالَةٍ يُعْلَمُ بِهَا صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: عَنَى بِرَدِّ الْأَحْسَنِ الْمُسْلِمَ , وَبِرَدِّ الْمِثْلِ: أَهْلَ الْكُفْرِ.
وَالصَّوَابُ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَلَا بِصِحَّتِهِ أَثَرٌ لَازِمٌ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ بَيْنَ رَدِّ
الْأَحْسَنِ أَوِ الْمِثْلِ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خَصَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَكُونُ مُسَلَّمًا لَهَا.
وَقَدْ خَصَّتِ السُّنَّةُ أَهْلَ الْكُفْرِ بِالنَّهْيِ عَنْ رَدِّ الْأَحْسَنِ مِنْ تَحِيَّتِهِمْ عَلَيْهِمْ أَوْ مِثْلِهَا , إِلَّا بِأَنْ يُقَالَ: وَعَلَيْكُمْ , فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى مَا حَدَّ فِي ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ , فَإِنَّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ فِي الرَّدِّ مِنَ الْخِيَارِ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا خَبَرٌ؛ وَذَلِكَ مَا:
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّرِيِّ الْأَنْطَاكِيُّ , قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ لَاحِقٍ , عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ , عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ , عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَقَالَ لَهُ: «وَعَلَيْكَ» فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي , أَتَاكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَسَلَّمَا عَلَيْكَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: " إِنَّكَ لَمْ تَدَعْ لَنَا شَيْئًا قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] فَرَدَدْنَاهَا عَلَيْكَ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَوَاجِبٌ رَدُّ التَّحِيَّةِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ , وَبِهِ كَانَ يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ , أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ إِلَّا يُوجِبُهُ قَوْلَهُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ رَجُلٍ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: " السَّلَامُ: تَطَوُّعٌ , وَالرَّدُّ فَرِيضَةٌ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ حَفِيظًا عَلَيْكُمْ , حَتَّى يُجَازِيَكمْ بِهَا جَزَاءَهُ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: حَسِيبًا قَالَ: حَفِيظًا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ " وَأَصْلُ الْحَسِيبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدِي فَعِيلٌ مِنَ الْحِسَابِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى
الْإِحْصَاءِ , يُقَالَ مِنْهُ: حَاسَبْتُ فُلَانًا عَلَى كَذَا وَكَذَا , وَفُلَانٌ حَاسَبَهُ عَلَى كَذَا وَهُوَ حَسِيبُهُ , وَذَلِكَ إِذَا كَانَ صَاحِبَ حِسَابِهِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى الْحَسِيبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْكَافِي , يُقَالَ مِنْهُ: أَحْسَبَنِي الشَّيْءَ يُحْسِبُنِي إِحْسَابًا , بِمَعْنَى: كَفَانِي , مِنْ قَوْلِهِمْ: حَسْبِي كَذَا وَكَذَا.
وَهَذَا غَلَطٌ مِنَ الْقَوْلِ وَخَطَأٌ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقَالَ فِي أَحْسَبْتُ الشَّيْءَ: أَحْسَبْتُ عَلَى الشَّيْءِ فَهُوَ حَسِيبٌ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا يُقَالَ: هُوَ حَسْبُهُ وَحَسِيبُهُ , وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهُ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهُ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [النساء: 87] الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعُبُودِيَّةُ إِلَّا لَهُ هُوَ , الَّذِي لَهُ عُبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَطَاعَةُ كُلِّ طَائِعٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: 87] يَقُولُ: " لَيَبْعَثَنَّكُمْ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ , وَلَيَحْشُرَنَّكُمْ جَمِيعًا إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ الَّذِي يُجَازِي النَّاسَ فِيهِ بِأَعْمَالِهِمْ , وَيَقْضِي فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْكُفْرِ.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] يَقُولُ: " لَا شَكُّ فِي حَقِيقَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأُخْبِرُكُمْ مِنْ خَبَرِي: أَنِّي جَامِعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَاعْلَمُوا حَقِيقَةَ مَا أُخْبِرُكُمْ مِنَ الْخَبَرِ , فَإِنِّي جَامِعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِلْجَزَاءِ وَالْعَرْضِ
وَالْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَقِينًا , فَلَا تَشُكُّوا فِي صِحَّتِهِ , وَلَا تَمْتَرُوا فِي حَقِّيَّتِهِ , فَإِنَّ قُولِيَ الصِّدْقُ الَّذِي لَا كَذِبَ فِيهِ , وَوَعْدِيَ الصِّدْقُ الَّذِي لَا خُلْفَ لَهُ.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87] يَقُولُ: " وَأَيُّ نَاطِقٍ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَاذِبَ إِنَّمَا يَكْذِبُ لِيَجْتَلِبَ بِكَذِبِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ بِهِ عَنْهَا ضُرًّا , وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَالِقُ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ , فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ كَذِبٌ , لِأَنَّهُ لَا يَدْعُوهُ إِلَى اجْتِلَابِ نَفْعٍ إِلَى نَفْسِهِ , أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهَا سِوَاهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ , فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي اسْتِحَالَةِ الْكَذِبِ مِنْهُ نَظِيرًا , وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا وَخَبَرًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 88] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] فَمَا شَأْنُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَهْلِ النِّفَاقِ فِئَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَاللَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي إِبَاحَةِ دِمَائِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ ,
وَالْإِرْكَاسُ: الرَّدُّ , وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَّيَةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
[البحر البسيط]
فَأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النَّارِ إِنَّهُمُ ... كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الْإِفْكَ وَالزُّورَا
يُقَالُ مِنْهُ: أَرْكَسَهُمْ وَرَكَسَهُمْ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُبَيِّ: وَاللَّهُ رَكَسَهُمْ بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ , وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ , وَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلِأَصْحَابِهِ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: 167]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ الْوَاسِطِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ , عَنْ شُعْبَةَ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ , يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ , رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ , فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ , فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ , وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾ [النساء: 88] الْآيَةُ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ: «إِنَّهَا طَيِّبَةٌ وَإِنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ
ثَابِتٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي زُرَيْقُ بْنُ السِّخْتِ قَالَ: ثنا شَبَابَةُ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: ذَكَرُوا الْمُنَافِقِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ فَرِيقٌ: نَقْتُلُهُمْ , وَقَالَ فَرِيقٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ فِي اخْتِلَافٍ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ كَانُوا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ , فَأَظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ , ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ وَأَظْهَرُوا لَهُمُ الشِّرْكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] قَالَ: " قَوْمٌ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَتَوُا الْمَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ , ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ , فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا.
فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُونِ , فَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُنَافِقُونَ , وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُؤْمِنُونَ.
فبَيَّنَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ , فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ.
فجَاءُوا بِبَضَائِعِهِمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ , فَلَقِيَهُمْ هِلَالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيُّ ,
وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفٌ , وَهُوَ الَّذِي حُصِرَ صَدْرُهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ , فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُؤَمِّنُونَ هِلَالًا , وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ بِنَحْوِهِ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَبَيَّنَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ , وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوا يَوْمَئِذٍ , فَجَاءُوا بِبَضَائِعِهِمْ يُرِيدُونَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ , وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفٌ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِمَكَّةَ , وَكَانُوا يُعِينُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا بِمَكَّةَ قَدْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ , وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ , فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُونَ حَاجَةً لَهُمْ , فَقَالُوا: إِنْ لَقِينَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ , فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَأْسٌ.
وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ قَالَتْ فِئَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: ارْكَبُوا إِلَى الْخُبَثَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ , فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدُوَّكُمْ.
وَقَالَتْ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ , أَوْ كَمَا قَالُوا , أَتَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ؟ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا
وَيَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ تُسْتَحَلُّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لِذَلِكَ.
فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ , وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَهُمْ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ شَيْءٍ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: 88] الْآيَةُ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] الْآيَةُ , ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ , وَكَانَا قَدْ تَكَلَّمَا بِالْإِسْلَامِ , وَلَمْ يُهَاجِرَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فلَقِيَهُمَا نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ وَهُمَا مُقْبِلَانِ إِلَى مَكَّةَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ دِمَاءَهُمَا وَأَمْوَالَهُمَا حَلَالٌ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَحِلُّ لَكُمْ.
فتَشَاجَرُوا فِيهِمَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: 90] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ , عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ , قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ نَاسًا , مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَذِبًا.
فلَقَوْهُمْ , فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ , فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: دِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: دِمَاؤُهُمْ حَرَامٌ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ
بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] هُمْ نَاسٌ تَخَلَّفُوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ , وَأَعْلَنُوا الْإِيمَانَ , وَلَمْ يُهَاجِرُوا.
فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَوَلَّاهُمْ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَبَرَّأَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ آخَرُونَ , وَقَالُوا: تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا.
فسَمَّاهُمُ اللَّهُ مُنَافِقِينَ , وَبَرَّأَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَوَلَّوْهُمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْمٍ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ أَرَادُوا الْخُرُوجَ عَنْهَا نِفَاقًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] قَالَ: " كَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ , فَقَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إِنَّا قَدْ أَصَابَنَا أَوْجَاعٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاتَّخَمْنَاهَا , فَلَعَلَّنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الظَّهْرِ حَتَّى نَتَمَاثَلَ ثُمَّ نَرْجِعَ , فَإِنَّا كُنَّا أَصْحَابَ بَرِيَّةٍ.
فَانْطَلَقُوا؛ وَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَعْدَاءُ اللَّهِ الْمُنَافِقُونَ , وَدِدْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا , بَلْ إِخْوَانُنَا تَخِمَتْهُمُ الْمَدِينَةُ فَاتَّخَمُوهَا.
فَخَرَجُوا إِلَى الظَّهْرِ يَتَنَزَّهُونَ , فَإِذَا بَرَءُوا رَجَعُوا.
فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] يَقُولُ: " مَا لَكُمْ
تَكُونُونَ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِفْكِ