تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 199-216

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا

صفحات 199-216
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولَ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , الَّذِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ صَدُّوا صُدُودًا , إِذْ

ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِاكْتِسَابِهِمْ إِيَّاهَا الْعَظِيمَ مِنَ الْإِثْمِ فِي احْتِكَامِهِمْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَصُدُودِهِمْ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ , إِذَا دُعُوا إِلَيْهَا جَاءُوكَ يَا مُحَمَّدُ حِينَ فَعَلُو مَا فَعَلُوا مِنْ مَصِيرِهِمْ إِلَى الطَّاغُوتِ رَاضِينَ بِحُكْمِهِ دُونَ حُكْمِكَ , جَاءُوكَ تَائِبِينَ مُنِيبِينَ , فَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَصْفَحَ لَهُمْ عَنْ عُقُوبَةِ ذَنْبِهِمْ بِتَغْطِيَتِهِ عَلَيْهِمْ , وَسَأَلَ لَهُمُ اللَّهَ رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: 64] وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64] فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَوْ كَانُوا فَعَلُوا ذَلِكَ فَتَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا , يَقُولُ: رَاجِعًا لَهُمْ مِمَّا يَكْرَهُونَ إِلَى مَا يُحِبُّونَ , رَحِيمًا بِهِمْ فِي تَرْكِهِ عُقُوبَتَهُمْ عَلَى ذَنْبِهِمُ الَّذِي تَابُوا مِنْهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَنَى بِذَلِكَ: الْيَهُودِيَّ وَالْمُسْلِمَ اللَّذَانِ تَحَاكَمَا إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 117] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] قَالَ: «إِنَّ هَذَا فِي الرَّجُلِ الْيَهُودِيِّ وَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ اللَّذَيْنِ تَحَاكَمَا إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا﴾ [البقرة: 22] فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ , وَهُمْ يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ , وَيَصُدُّونَ عَنْكَ إِذَا دُعُوا إِلَيْكَ يَا

مُحَمَّدُ.
وَاسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ جَلَّ ذِكْرُهُ , فَقَالَ: ﴿وَرَبِّكَ﴾ [النساء: 65] يَا مُحَمَّدُ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6] أَيْ لَا يُصَدِّقُونَ بِي وَبِكَ , وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] يَقُولُ: " حَتَّى يَجْعَلُوكَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَطَ بَيْنَهُمْ مِنْ أُمُورِهِمْ , فَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ , يُقَالَ: شَجَرَ يَشْجُرُ شُجُورًا وَشَجَرًا , وَتَشَاجَرَ الْقَوْمُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْكَلَامِ وَالْأَمْرِ مُشَاجَرَةً وَشِجَارًا ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65] يَقُولُ: " لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ضِيقًا مِمَّا قَضَيْتَ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: ثُمَّ لَا تَحَرَّجُ أَنْفُسُهُمْ مِمَّا قَضَيْتَ: أَيْ لَا تَأْثَمُ بِإِنْكَارِهَا مَا قَضَيْتَ وَشَكِّهَا فِي طَاعَتِكَ وَأَنَّ الَّذِي قَضَيْتَ بِهِ بَيْنَهُمْ حَقٌّ لَا يَجُوزُ لَهُمْ خِلَافُهُ.

كَمَا:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65] قَالَ: «شَكًّا»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَنبَسَةَ , عنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ , عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65] يَقُولُ: «شَكًّا» حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ , عَنِ الضَّحَّاكِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65] قَالَ: " إِثْمًا ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] يَقُولُ: «وَيُسَلِّمُوا لِقَضَائِكَ وَحُكْمِكَ , إِذْعَانًا مِنْهُمْ بِالطَّاعَةِ , وَإِقْرَارًا لَكَ بِالنُّبُوَّةِ تَسْلِيمًا» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَفِيمَنْ نَزَلَتْ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَخَصْمٌ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ , اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ , وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ,

حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ , عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا النَّخْلَ , فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ.
فَأَبَى عَلَيْهِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجُدُرِ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» وَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ: «اسْتَوْعَبَ» . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْي أَرَادَ فِيهِ الشَّفَقَةَ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ , فَلَمَّا أَحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارِيُّ اسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ.
قَالَ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] الْآيَةُ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُرْوَةَ , قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي شَرْجٍ مِنْ شِرَاجِ الْحَرَّةِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا زُبَيْرُ , اشْرَبْ ثُمَّ خَلِّ سَبِيلَ الْمَاءِ» فَقَالَ الَّذِي مِنَ الْأَنْصَارِ: اعْدِلْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ ابْنُ عَمَّتِكَ.
قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عَرَفَ أَنْ قَدْ سَاءَهُ مَا قَالَ , ثُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ , احْبِسِ الْمَاءَ إِلَى الْجُدُرِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ , ثُمَّ خَلِّ سَبِيلَ الْمَاءِ» قَالَ: وَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] "

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ الرَّازِيُّ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ , عَنْ سَلَمَةَ , رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ أُمِّ سَلَمَةَ , عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ الزُّبَيْرَ , خَاصَمَ رَجُلًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ , فَقَالَ الرَّجُلُ لَمَّا قَضَى لِلزُّبَيْرِ: إِنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 60]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] قَالَ: «هَذَا الرَّجُلُ الْيَهُودِيُّ وَالرَّجُلُ الْمُسْلِمُ اللَّذَانِ تَحَاكَمَا إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , عَنْ دَاوُدَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِلَى الْكَاهِنِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ , أَعْنِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهِ الْمُحْتَكِمَانِ إِلَى الطَّاغُوتِ اللَّذَانِ وَصَفَ اللَّهُ شَأْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: 60] أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] فِي سِيَاقِ قِصَّةِ الَّذِينَ ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: 60] وَلَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ قِصَّتِهِمْ , فَإِلْحَاقُ بَعْضِ ذَلِكَ بِبَعْضٍ مَا لَمْ تَأْتِ دَلَالَةٌ عَلَى

انْقِطَاعِهِ أَوْلَى فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ فِي الَّذِي رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ قِصَّتِهِ وَقِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ , وَقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي خَبَرِهِمَا , فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] مَا يُنْبِئُ عَنِ انْقِطَاعِ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ وَقِصَّتِهَا مِنْ قِصَّةِ الْآيَاتِ قَبْلَهَا , فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْمُحْتَكِمَيْنِ إِلَى الطَّاغُوتِ , وَيَكُونُ فِيهَا بَيَانُ مَا احْتَكَمَ فِيهِ الزُّبَيْرُ وَصَاحِبُهُ الْأَنْصَارِيُّ , إِذْ كَانَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى ذَلِكَ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ , كَانَ إِلْحَاقُ مَعْنَى بَعْضِ ذَلِكَ بِبَعْضٍ أَوْلَى مَا دَامَ الْكَلَامُ مُتَّسِقَةٌ مَعَانِيهِ عَلَى سِيَاقٍ وَاحِدٍ , إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ دَلَالَةٌ عَلَى انْقِطَاعِ بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ , فَيُعْدَلُ بِهِ عَنْ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ [النساء: 65] فَإِنَّهُ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 65] وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 65] نُصِبَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66]

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 66] وَلَوْ أَنَّا فَرَضْنَا عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ الْمُحْتَكِمِينَ إِلَى الطَّاغُوتِ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ , وَأَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ , أَوْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مُهَاجِرِينَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى سِوَاهَا مَا فَعَلُوهُ , يَقُولُ: مَا قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ , وَلَا هَاجَرُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فَيَخْرُجُوا عَنْهَا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ طَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 66] هُمْ يَهُودُ يَعْنِي: وَالْعَرَبُ , كَمَا أُمِرَ أَصْحَابُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: 66] كَمَا أُمِرَ أَصْحَابُ مُوسَى أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا , عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66] افْتَخَرَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَرَجُلٌ مِنْ يَهُودَ , فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ , فَقَتَلْنَا أَنْفُسَنَا.
فَقَالَ ثَابِتٌ: وَاللَّهِ لَوْ كَتَبَ عَلَيْنَا أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ لَقَتَلْنَا أَنْفُسَنَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذَا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارَكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66] قَالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنَا لَفَعَلْنَا , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ الرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66] فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَفَعَ قَلِيلٌ لِأَنَّهُ جُعِلَ بَدَلًا مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُضَمَّرَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ [النساء: 66] لِأَنَّ الْفِعْلَ لَهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: إِنَّمَا رُفِعَ عَلَى نِيَّةِ التَّكْرِيرِ , كَأَنَّ مَعْنَاهُ: مَا فَعَلُوهُ مَا فَعَلَهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ , كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ: [البحر الوافر] وَكُلُّ أَخٍ مَفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: رُفِعَ الْقَلِيلُ بِالْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66] وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلَهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ.
فَقِيلَ: مَا فَعَلُوهُ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ مَضَى ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: 60] , ثُمَّ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ , فَرُفِعَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا , إِذْ كَانَ الْفِعْلُ مَنْفِيًّا عَنْهُ.
وَهِيَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ: «مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» . وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ , فَلَا مَرَدَّ بِهِ عَلَى قَارِئِهِ فِي إِعْرَابِهِ , لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , إِذْ كَانَ الْفِعْلُ مَشْغُولًا بِمَا فِيهِ كِنَايَةَ مَنْ قَدْ جَرَى ذِكْرُهُ , ثُمَّ اسْتُثني مِنْهُمُ الْقَلِيلُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَهُمْ يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ , وَيَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا , ﴿فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: 66] يَعْنِي: " مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ مِنْ

طَاعَةِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: 110] فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ وَآجِلِ مَعَادِهِمْ , ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66] وَأَثْبَتَ لَهُمْ فِي أُمُورِهِمْ , وَأَقْوَمَ لَهُمْ عَلَيْهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ

الْمُنَافِقَ يَعْمَلُ عَلَى شَكٍّ , فَعَمَلُهُ يَذْهَبُ بَاطِلًا , وَغَنَاؤُهُ يَضْمَحِلُّ فَيَصِيرُ هَبَاءً , وَهُوَ بِشَكِّهِ يَعْمَلُ عَلَى وَنَاءٍ وَضَعْفٍ , وَلَوْ عَمِلَ عَلَى بَصِيرَةٍ لَاكْتَسَبَ بِعَمَلِهِ أَجْرًا وَلَكَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ ذُخْرًا وَكَانَ عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ أَقْوَى لِنَفْسِهِ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا لِإِيمَانِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ عَلَى طَاعَتِهِ وَعَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُهُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66] تَصْدِيقًا.
كَمَا:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66] قَالَ: " تَصْدِيقًا , لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُصَدِّقًا كَانَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ تَثْبِيتًا وَلِعَزْمِهِ فِيهِ أَشَدَّ تَصْحِيحًا وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ مِنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 68] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: 66] لَإِيتَائِنَا إِيَّاهُمْ عَلَى فِعْلِهِمْ مَا وُعِظُوا بِهِ مِنْ طَاعَتِنَا وَالِانْتِهَاءِ إِلَى

أَمْرِنَا.
﴿أَجْرًا﴾ [النساء: 40] يَعْنِي: " جَزَاءً وَثَوَابًا عَظِيمًا , وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا لِعَزَائِمِهِمْ وَآرَائِهِمْ , وَأَقْوَى لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ لِهِدَايَتِنَا إِيَّاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا , يَعْنِي: طَرِيقًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ , وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الْقَوِيمُ الَّذِي اخْتَارَهُ لِعِبَادِهِ وَشَرَعَهُ لَهُمْ , وَذَلِكَ الْإِسْلَامُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [النساء: 68] وَلَوَفَّقْنَاهُمْ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا وَعَدَ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْكَرَامَةِ الدَّائِمَةِ لَدَيْهِ وَالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَهُ.
فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69] الْآيَةُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: 70] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ بِالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِمَا , وَإِخْلَاصِ الرِّضَا بِحُكْمِهِمَا

, وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِمَا , وَالِانْزِجَارِ عَمَّا نَهَيَا عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ , فَهُوَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِدَايَتِهِ وَالتَّوْفِيقِ لِطَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَفِي الْآخِرَةِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: 69] وَهُمْ جَمْعُ صِدِّيقٍ.

وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الصِّدِّيقِينَ , فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الصِّدِّيقُونَ: تُبَّاعُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ صَدَقُوهُمْ وَاتَّبَعُوا مِنْهَاجَهُمْ بَعْدَهُمْ حَتَّى لَحِقُوا بِهِمْ.
فكَأَنَّ الصِّدِّيقَ فَعِيلٌ عَلَى مَذْهَبِ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنَ الصِّدْقِ , كَمَا يُقَالَ رَجُلٌ سِكِّيرٌ مِنَ السَّكَرِ , إِذَا كَانَ مُدْمِنًا عَلَى ذَلِكَ , وَشِرِّيبٌ وَخِمِّيرٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ فَعِيلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ مَا:

حَدَّثَنَا بِهِ , سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ , قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمَّتِي , قُرَيْبَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ , عَنْ أُمِّهَا , كَرِيمَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ , عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ , وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ عَنِ الْمِقْدَادِ , قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْكَ شَكَكْتُ فِيهِ.
قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الْأَمْرِ فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ» قَالَ: قُلْتُ: قَوْلُكَ فِي أَزْوَاجِكَ: إِنِّي لَأَرْجُو لَهُنَّ مِنْ بَعْدِي الصِّدِّيقِينَ؟ قَالَ: «مَنْ تَعْنُونَ الصِّدِّيقِينَ؟» قُلْتُ: أَوْلَادُنَا الَّذِينَ يَهْلِكُونَ صِغَارًا.
قَالَ: «لَا , وَلَكِنَّ الصِّدِّيقِينَ هُمُ الْمُصَدِّقُونَ» وَهَذَا خَبَرٌ لَوْ كَانَ إِسْنَادُهُ صَحِيحًا لَمْ نَسْتَجِزْ أَنْ نَعْدُوَهُ إِلَى غَيْرِهِ , وَلَوْ كَانَ فِي

إِسْنَادِهِ بَعْضُ مَا فِيهِ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصِّدِّيقِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْمُصَدِّقُ قَوْلَهُ بِفِعْلِهِ , إِذْ كَانَ الْفَعِيلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِنَّمَا يَأْتِي إِذَا كَانَ مَأْخُوذًا مِنَ الْفِعْلِ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ , إِمَّا فِي الْمَدْحِ وَإِمَّا فِي الذَّمِّ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي صِفَةِ مَرْيَمَ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75] وَإِذَا كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا , كَانَ دَاخِلَا مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِمَا قُلْنَا فِي صِفَةِ الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقِينَ؛ ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: 69] وَهُمْ جَمْعُ شَهِيدٍ: وَهُوَ الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقِيَامِهِ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ فِي جَنْبِ اللَّهِ حَتَّى قُتِلَ.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69] وَهُمْ جَمْعُ صَالِحٍ: وَهُوَ كُلُّ مَنْ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وَعَلَانِيَتُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَحَسُنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَعَتَهُمْ وَوَصَفَهُمْ رُفَقَاءَ فِي الْجَنَّةِ.
وَالرَّفِيقُ فِي لَفْظِ الْوَاحِدِ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ , كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] نَصَبْنَ الْهَوَى ثُمَّ ارْتَمَيْنَ قُلُوبَنَا ... بِأَسْهُمِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صَدِيقُ

بِمَعْنَى: وَهُنَّ صَدَائِقُ.
وَأَمَّا نَصْبُ الرَّفِيقِ , فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ , فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَرَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ , وَيَقُولُ: هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: كَرُمَ زَيْدٌ رَجُلًا , وَيَعْدِلُ بِهِ عَنْ مَعْنَى: نِعْمَ الرَّجُلُ , وَيَقُولُ: إِنَّ نِعْمَ لَا تَقَعُ إِلَى عَلَى اسْمٍ فِيهِ أَلِفٌ وَلَامٌ أَوْ عَلَى نَكِرَةٍ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَرَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ وَيُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ حَالًا , وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: كَرُمَ زَيْدٌ مِنْ رَجُلٍ , وَحَسُنَ أُولَئِكَ مِنْ رُفَقَاءَ؛ وَأَنَّ دُخُولَ مِنْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّفِيقَ مُفَسِّرَةٌ.
قَالَ: وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ: نَعِمْتُمْ رِجَالًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: وَحَسُنْتُمْ رُفَقَاءَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا لِقَائِلِيهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ لِأَنَّ قَوْمًا حَزِنُوا عَلَى فَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَرًا أَنْ لَا يَرَوْهُ فِي الْآخِرَةِ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ , عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَحْزُونٌ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا فُلَانُ مَالِي أَرَاكَ مَحْزُونًا» ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ شَيْءٌ فَكَّرْتُ فِيهِ.
فَقَالَ: «مَا هُوَ؟» قَالَ: نَحْنُ نَغْدُو عَلَيْكَ وَنَرُوحُ , نَنْظُرُ فِي وَجْهِكَ وَنُجَالِسُكَ , غَدًا تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ فَلَا نَصِلُ إِلَيْكَ.
فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا.
فأَتَاهُ

جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] قَالَ: «فَبَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَشَّرَهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُفَارِقَكَ فِي الدُّنْيَا , فَإِنَّكَ لَوْ قَدْ مُتَّ رُفِعْتَ فَوْقَنَا فَلَمْ نَرَكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: 69] الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: 69] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا قَالُوا: هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ نَرَاهُ فِي الدُّنْيَا , فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَيُرْفَعُ فَلَا نَرَاهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: 69] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 69] الْآيَةُ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِذَا أَدْخَلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَكُنْتَ فِي أَعْلَاهَا وَنَحْنُ نَشْتَاقُ إِلَيْكَ , فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: 69] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: 69] الْآيَةُ , قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فَضْلٌ عَلَى مَنْ آمَنَ بِهِ فِي دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ , فَكَيْفَ لَهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ الْأَعْلَيْنَ يَنْحَدِرُونَ إِلَى مَنْ هُمْ أَسْفَلَ فَيَجْتَمِعُونَ فِي رِيَاضِهَا , فَيَذْكُرُونَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ , وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ , وَيُنَزِّلُ لَهُمْ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ , فَيَسْعَوْنَ عَلَيْهِمْ بِمَا

يَشْتَهُونَ وَمَا يَدْعُونَ بِهِ , فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ فِيهِ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 70] فَإِنَّهُ يَقُولُ: كَوْنُ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَالرَّسُولَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 70] يَقُولُ ذَلِكَ عَطَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَفَضْلُهُ عَلَيْهِمْ , لَا.
بِاسْتِيجَابِهِمْ ذَلِكَ لِسَابِقَةٍ سَبَقَتْ لَهُمْ.

جارٍ التحميل