وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا الْقَائِلُ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، وَحَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «لِيَزْدَادَ يَقِينِي»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] يَقُولُ: «لِيَزْدَادَ يَقِينًا»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «وَأَرَادَ نَبِيُّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ لِيَزْدَادَ يَقِينًا إِلَى يَقِينِهِ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَ قَتَادَةُ: «لِيَزْدَادَ يَقِينًا»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَزْدَادَ يَقِينًا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو الْهَيْثَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «لِيَزْدَادَ يَقِينِي» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «لِيَزْدَادَ يَقِينًا»
حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: ثنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، قَالَ: ثنا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «لِأَزْدَادَ إِيمَانًا مَعَ إِيِمَانِي»
حَدَّثَنَا صَالِحٌ، قَالَ: ثنا زَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا زِيَادٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ، قَالَ: ثنا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «لِأَزْدَادَ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِي» وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى قَوْلَ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] بِأَنِّي خَلِيلُكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] لَأَعْلَمَ أَنَّكَ تُجِيبُنِي إِذَا دَعَوْتُكَ وَتُعْطِينِي إِذَا سَأَلْتُكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «أَعْلَمُ أَنَّكَ تُجِيبُنِي إِذَا دَعَوْتُكَ، وَتُعْطِينِي إِذَا سَأَلْتُكَ» وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: 260] فَإِنَّهُ: أَوَ لَمْ تُصَدِّقْ؟
كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، وَحَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «أَوَلَمْ تُوقِنْ بِأَنِّي خَلِيلُكَ» ؟
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «أَوَلَمْ تُوقِنْ» ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: 260] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: قَالَ اللَّهُ لَهُ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ، فَذُكِرَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ مِنَ الطَّيْرِ: الدِّيكُ، وَالطَّاوُوسُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحَمَامُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثَنَّى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ، أَهْلِ الْعِلْمِ «أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ، الْأَوَّلِ يَذْكُرُونَ أَنَّهُ أَخَذَ طَاوُوسًا، وَدِيكًا، وَغُرَابًا، وَحَمَامًا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الْأَرْبَعَةُ مِنَ الطَّيْرِ: الدِّيكُ، وَالطَّاوُوسُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحَمَامُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: 260] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «زَعَمُوا أَنَّهُ دِيكٌ، وَغُرَابٌ، وَطَاوُوسٌ، وَحَمَامَةٌ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنَ زَيْدٍ: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «فَأَخَذَ طَاوُوسًا، وَحَمَامًا، وَغُرَابًا، وَدِيكًا؛ مُخَالَفَةً أَجْنَاسُهَا وَأَلْوَانُهَا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] بِضَمِّ الصَّادِّ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صِرْتُ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ: إِذَا مِلْتُ إِلَيْهِ أَصُورُ صَوْرًا، وَيُقَالُ: إِنِّي إِلَيْكُمْ لَأَصْوَرُ أَيْ مُشْتَاقٌ مَائِلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر البسيط]
اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّا فِي تَلَفُّتِنَا ... يَوْمَ الْفِرَاقِ إِلَى أَحَبَابِنَا صُورُ
وَهُوَ جَمْعٌ، أَصْوُرُ وَصَوْرَاءُ وَصُورٌ، مِثْلُ أَسْوَدَ وَسَوْدَاءَ وَسُودٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ:
[البحر الطويل]
عَفَائِفُ إِلَّا ذَاكَ أَوْ أَنْ يَصُورَهَا ... هَوًى وَالْهَوَى لِلْعَاشِقِينَ صَرُوعُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «أَوْ أَنْ يَصُورَهَا هَوًى» : يِمِيلُهَا.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] اضْمُمْهُنَّ إِلَيْكَ وَوَجِّهْهُنَّ نَحْوَكَ، كَمَا يُقَالُ: صُرْ وَجْهَكَ إِلَيَّ، أَيْ أَقْبِلْ بِهِ إِلَيَّ، وَمِنْ وَجْهِ قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ كَانَ فِي الْكَلَامِ عِنْدَهُ مَتْرُوكٌ قَدْ تَرَكَ ذَكَرَهُ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ عِنْدَهُ، قَالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، ثُمَّ قَطِّعْهُنَّ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ بِضَمِّ الصَّادِ: قَطِّعْهُنَّ كَمَا قَالَ تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ:
[البحر الطويل]
فَلَمَّا جَذَبْتُ الْحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ ... بِأَطْرَافِ عِيدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا
فَأَدْنَتْ لِي الْأَسْبَابَ حَتَّى بَلَغْتُهَا ... بِنَهْضِي وَقَدْ كَانَ ارْتَقَائِي يَصُورُهَا
يَعْنِي يَقْطَعُهَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إليك﴾ [البقرة: 260] ، كان في الكلام تقديم وتأخير، ويكون معناه فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن وَيَكُونُ ﴿إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 4] مِنْ صِلَةِ ﴿خُذْ﴾ [الأعراف: 199] وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ) بِالْكَسْرِ، بِمَعْنَى قَطِّعْهُنَّ.
وَقَدْ زَعَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ فَصُرْهُنَّ وَلَا فَصِرْهُنَّ، بِمَعْنَى قَطِّعْهُنَّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَسْرَ الصَّادِ وَضَمِّهَا فِي ذَلِكَ إِلَّا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَأَنَّهُمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْإِمَالَةِ، وَأَنَّ كَسْرَ الصَّادِ مِِنْهَا لُغَةٌ فِي هُذَيْلٍ وَسُلَيْمٍ، وَأَنْشَدُوا لِبَعْضِ بَنِي سُلَيْمٍ:
[البحر الطويل]
وَفَرْعٍ يَصِيرُ الْجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ ... عَلَى اللَّيْتِ قِنْوَانُ الْكُرُومِ الدَّوَالِحُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ يَصِيرُ: يَمِيلُ، وَأَنَّ أَهْلَ هَذِهِ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: صَارَهُ وَهُوَ يَصِيرُهُ صَيْرًا، وَصِرْ وَجْهَكَ إِلَيَّ: أَيْ أَمِلْهُ، كَمَا تَقُولُ: صُرْهُ.
وَزَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] وَلَا لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا وَجْهًا فِي التَّقْطِيعِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] إِلَيْكَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ بِكَسْرِ الصَّادِ مِنَ الْمَقْلُوبِ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ لَامُ فِعْلِهِ جُعِلَتْ مَكَانَ عَيْنِهِ، وَعَيْنُهُ مَكَانَ لَامِهِ، فَيَكُونُ مِنْ صَرَى يَصْرِي صَرْيًا،
فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: بَاتَ يُصْرِي فِي حَوْضِهِ: إِذَا اسْتَقَى، ثُمَّ قَطَعَ وَاسْتَقَى، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
صَرَتْ نَطْرَةً لَوْ صَادَفَتْ جَوْزَ دَارِعٍ ... غَدَا وَالْعَوَاصِي مِنْ دَمِ الْجَوْفِ تَنْعَرُ
صَرَتْ: قَطَعَتْ نَظْرَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
يَقُولُونَ إِنَّ الشَّامَ يَقْتُلُ أَهْلَهُ ... فَمَنْ لِي إِذَا لَمْ آتِهِ بِخُلُودِ
تَعَرَّبَ آبَائِي فَهَلَّا صَرَاهُمُ ... مِنَ الْمَوْتِ أَنْ لَمْ يَذْهَبُوا وَجُدُودِي
يَعْنِي قَطَعَهُمْ، ثُمَّ نُقِلَتْ يَاؤُهَا الَّتِي هِيَ لَامُ الْفِعْلِ فَجُعِلَتْ عَيْنًا لِلْفِعْلِ، وَحُوِّلَتْ عَيْنُهَا فَجُعِلَتْ لَامَهَا، فَقِيلَ صَارَ يَصِيرُ، كَمَا قِيلَ: عَثِيَ يَعْثَى عَثًا، ثُمَّ حُوِّلَتْ لَامُهَا، فَجُعِلَتْ عَيْنَهَا، فَقِيلَ عَاثَ يَعِيثُ.
فَأَمَّا نَحْوِيُّو الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] سَوَاءٌ مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ بِالضَّمِّ مِنَ الصَّادِ وَبِالْكَسْرِ فِي أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ التَّقْطِيعُ، قَالُوا: وَهُمَا لُغَتَانِ: إِحْدَاهُمَا صَارَ يَصُورُ، وَالْأُخْرَى صَارَ يَصِيرُ، وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيِّرِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَبِبَيْتِ الْمُعَلَّى بْنِ جَمَّالٍ الْعَبْدِيِّ:
[البحر الوافر]
وَجَاءَتْ خِلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا ... يَصُورُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمُ
بِمَعْنَى يُفَرَّقُ عُنُوقَهَا وَيَقْطَعُهَا، وَبِبَيْتِ خَنْسَاءَ:
[البحر البسيط]
لَظَلَّتِ الشُّمُّ مِنْهَا وَهِيَ تَنْصَارُ
يَعْنِي بِالشُّمِّ: الْجِبَالَ أَنَّهَا تَتَصَدَّعُ وَتَتَفَرَّقُ، وَبِبَيْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
[البحر الكامل]
فَانْصَرْنَ مِنْ فَزَعٍ وَسَدَّ فُرُوجَهَ ... غُبْرٌ ضَوَارٍ وَافِيَانِ وَأَجْدُعُ
قَالُوا: فَلِقَوْلِ الْقَائِلِ: صُرْتُ الشَّيْءَ مَعْنَيَانِ: أَمَلْتُهُ وَقَطَعْتُهُ، وَحَكَوْا سَمَاعًا: صُرْنَا بِهِ الْحُكْمَ: فَصَلْنَا بِهِ الْحُكْمَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الضَّمِّ فِي الصَّادِّ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] وَالْكَسْرِ سَوَاءٌ بِمَعْنًى وَاحِدٌ، وَأَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَعْنَاهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَطِّعْهُنَّ، وَأَنَّ مَعْنَى ﴿إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 4] تَقْدِيمَهَا قَبْلَ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا صِلَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَخُذْ﴾ [البقرة: 260] ، أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ نَحْوِيِّيِ الْكُوفِيِّينَ الَّذِي أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِلتَّقْطِيعِ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ مَفْهُومٌ إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْقَلْبِ الَّذِي ذَكَرْتُ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] غَيْرُ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا قَطِّعْهُنَّ، وَإِمَّا اضْمُمْهُنَّ إِلَيْكَ، بِالْكَسْرِ قُرِئَ ذَلِكَ أَوْ بِالضَّمِّ، فَفِي إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مُرَاعَاةٍ مِنْهُمْ كَسْرُ
الصَّادِّ وَضَمُّهَا، وَلَا تَفْرِيقَ مِنْهُمْ بَيْنَ مَعْنَيَيِ الْقِرَاءَتَيْنِ أَعْنِي الْكَسْرَ وَالضَّمَّ، أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ مِنْ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ فِي ذَلِكَ مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْقَوْلِ، وَخَطَأٌ قَوْلُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا إِنَّمَا تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] بِمَعْنَى فَقَطِّعْهُنَّ، عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ فَاصَرِّهُنَّ، ثُمَّ قُلِبَتْ فَقِيلَ فَصِرْهُنَّ بِكَسْرِ الصَّادِ لَتَحُولُ يَاءُ فَاصَرِّهُنَّ مَكَانَ رَائِهِ، وَانْتِقَالُ رَائِهِ مَكَانَ يَائِهِ، لَكَانَ لَا شَكَّ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بَلَغَتِهِمْ وَعِلْمِهِمْ بِمَنْطِقِهِمْ، قَدْ فَصَلُوا بَيْنَ مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِكَسْرِ صَادِهِ، وَبَيْنَهُ إِذَا قُرِئَ بِضَمِّهَا، إِذْ كَانَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَلَبَ فَاصَرِّهُنَّ إِلَى فَصِرْهُنَّ أَنْ يَقْرَأْهُ فَصُرْهُنَّ بِضَمِّ الصَّادِ، وَهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ قِرَاءَتِهِمْ ذَلِكَ قَدْ تَأَوَّلُوهُ تَأْوِيلًا وَاحِدًا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا، فَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى خَطَأِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِكَسْرِ الصَّادِ بِتَأْوِيلِ التَّقْطِيعِ مَقْلُوبًا مِنْ صَرَّى يُصَرِّي إِلَى صَارَ يَصِيرُ، وَجَهَلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ صَارَ يَصُورُ وَصَارَ يَصِيرُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى قَطَعَ.
ذَكَرَ مَنْ حَضَرْنَا قَوْلَهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] أَنَّهُ بِمَعْنَى فَقَطِّعْهُنَّ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «هِيَ نَبَطِيَّةٌ فَشَقِّقْهُنَّ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «إِنَّمَا هُوَ مِثْلُ» ، قَالَ: «قَطِّعْهُنَّ ثُمَّ اجْعَلْهُنَّ فِي أَرْبَاعِ الدُّنْيَا، رُبْعًا هَا هُنَا، وَرُبْعًا هَاهُنَا، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «قَطَّعْهُنَّ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] يَقُولُ: «قَطِّعْهُنَّ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «قَالَ جُنَاحُ ذِهِ عِنْدَ رَأْسِ ذِهِ، وَرَأْسُ ذِهِ عِنْدَ جُنَاحِ ذِهِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: زَعَمَ أَبُو عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ " بِالنَّبَطِيَّةِ: قَطِّعْهُنَّ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ يَحْيَى،
عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «قَطِّعْهُنَّ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] «انْتِفْهُنَّ بِرِيشِهِنَّ وَلُحُومِهِنَّ تَمْزِيقًا، ثُمَّ اخْلِطْ لُحُومَهُنَّ بِرِيشِهِنِّ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «انْتِفْهُنَّ بِرِيشِهِنَّ وَلُحُومِهِنَّ تَمْزِيقًا»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] «أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَيَذْبَحَهُنَّ، ثُمَّ يَخْلِطَ بَيْنَ لُحُومِهِنَّ وَرِيشِهِنَّ وَدِمَائِهِنَّ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «فَمَزِّقْهُنَّ» ، قَالَ: «أُمِرَ أَنْ يَخْلِطَ الدِّمَاءَ بِالدِّمَاءِ، وَالرِّيشَ بِالرِّيشِ» ، ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: 260]
حُدِّثْتُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] يَقُولُ: «فَشَقِّقْهُنَّ وَهُوَ بِالنَّبَطِيَّةِ صَرَّى، وَهُوَ التَّشْقِيقِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] يَقُولُ «قَطِّعْهُنَّ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] يَقُولُ «قَطِّعْهُنَّ إِلَيْكَ وَمَزِّقْهُنَّ تَمْزِيقًا»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] «أَيْ قَطِّعْهُنَّ، وَهُوَ الصَّوْرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ» فَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ مَنْ رَوَيْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] أَنَّهُ بِمَعْنَى فَقَطِّعْهُنَّ إِلَيْكَ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَسَوَاءٌ قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ بِضَمِّ الصَّادِ ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] أَوْ كَسْرِهَا (فَصِرْهُنَّ) إِذْ كَانَتِ اللُّغَتَانِ مَعْرُوفَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهِ ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] بِضَمِّ الصَّادِ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَى اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَعِنْدَ نَفَرٍ قَلِيلٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّهَا بِمَعْنَى: أَوْثِقْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] " صُرْهُنَّ: أَوْثِقْهُنَّ "