وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا الْقَائِلُ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] قَالَ: «نُحَرِّكُهَا» وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا) بِضَمِّ النُّونِ،
قَالُوا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَوْتَى فَهُوَ يُنْشِرُهُمْ إِنْشَارًا، وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، بِمَعْنَى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُحْيِيهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: (كَيْفَ نُنْشِرُهَا) قَالَ: «انْظُرْ إِلَيْهَا حِينَ يُحْيِيهَا اللَّهُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا) قَالَ: «كَيْفَ نُحْيِيهَا» ؟ وَاحْتَجَّ بَعْضُ قُرَّاءِ ذَلِكَ بِالرَّاءِ وَضَمِّ نُونِ أَوَّلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: 22] فَرَأَى أَنَّ مِنَ الصَّوَابِ إِلْحَاقَ قَوْلِهِ: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا) بِهِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نَنْشُرُهَا) بِفَتْحِ النُّونِ مِنْ أَوَّلِهِ
وَبِالرَّاءِ كَأَنَّهُ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِ مَعْنَى نَشْرِ الشَّيْءَ وَطَيِّهِ، وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَقُولُ: نَشَرَ الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا تَقُولُ: أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَوْتَى، فَنَشَرُوا هُمْ بِمَعْنَى: أَحْيَاهُمْ فَحَيُوا هُمْ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرهُ﴾ [عبس: 22] وَقَوْلُهُ: ﴿آلِهَةٌ مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشَرُونَ﴾ [الأنبياء: 21] ، وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ حَيِيَ الْمَيِّتُ وَعَاشَ بَعْدَ مَمَاتِهِ، قِيلَ: نَشَرَ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر السريع]
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأَوْا ... يَا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ
وَرُوِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ: كَانَ بِهِ جَرَبٌ فَنَشَرَ، إِذَا عَادَ وَحَيِيَ.
وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَى الْإِنْشَارِ وَمَعْنَى الْإِنْشَازِ مُتَقَارِبَانِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْإِنْشَازِ التَّرْكِيبُ وَالْإِثْبَاتُ وَرَدُّ الْعِظَامِ مِنَ الْعِظَامِ وَإِعَادَتُهَا لَا شَكَّ أَنَّهُ رَدَّهَا إِلَى أَمَاكِنِهَا وَمَوَاضِعِهَا مِنَ الْجَسَدِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا إِيَّاهَا، فَهُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي اللَّفْظِ فَمُتَقَارِبَا الْمَعْنَى، وَقَدْ جَاءَتْ بِالْقِرَاءَةِ بِهِمَا الْأُمَّةُ مَجِيئًا يَقْطَعُ الْعُذْرَ وَيُوجِبُ الْحُجَّةَ، فَبِأَيِّهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ لِانْقِيَادِ مَعْنَيَيْهِمَا، وَلَا حُجَّةَ تُوجِبُ لِإِحْدَاهُمَا مِنَ الْقَضَاءِ بِالصَّوَابِ عَلَى الْأُخْرَى، فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْإِنْشَارَ إِذَا كَانَ إِحْيَاءً فَهُوَ بِالصَّوَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالنَّظَرِ
إِلَى الْعِظَامِ وَهِيَ تُنْشَرُ إِنَّمَا أُمِرَ بِهِ لِيَرَى عِيَانًا مَا أَنْكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] فَإِنَّ إِحْيَاءَ الْعِظَامِ لَا شَكَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنَّمَا عَنَى بِهِ رَدَّهَا إِلَى أَمَاكِنِهَا مِنْ جَسَدِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَحْيَا، لَا إِعَادَةَ الرُّوحِ الَّتِي كَانَتْ فَارَقَتْهَا عِنْدَ الْمَمَاتِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259] وَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّوحَ إِنَّمَا نُفِخَتْ فِي الْعِظَامِ الَّتِي أُنْشِرَتْ بَعْدَ أَنْ كُسِيَتِ اللَّحْمَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مَعْنَى الْإِنْشَازِ تَرْكِيبَ الْعِظَامِ وَرَدَّهَا إِلَى أَمَاكِنِهَا مِنَ الْجَسَدِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْإِنْشَارِ، وَكَانَ مَعْلُومًا اسْتِوَاءُ مَعْنَيَيْهِمَا، وَأَنَّهُمَا مُتَّفِقَا الْمَعْنَى لَا مُخْتَلِفَاهُ، فَفِي ذَلِكَ إِبَانَةٌ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِيهِ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الثَّالِثَةُ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ الْقِرَاءَةُ بِهَا عِنْدِي، وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (كَيْفَ نَنْشُرَهَا) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالرَّاءِ، لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَةِ الْمُسْلِمِينَ وَخُرُوجِهَا عَنِ الصَّحِيحِ الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾ [البقرة: 259] أَيِ الْعِظَامَ لَحْمًا، وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259] مِنْ ذِكْرِ الْعِظَامِ، وَمَعْنَى نَكْسُوهَا: نُلْبِسُهَا وَنُوَارِيهَا بِهِ كَمَا يُوَارِي جَسَدَ الْإِنْسَانِ كِسْوَتُهُ الَّتِي يَلْبَسُهَا، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ، تَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ
غَطَّى شَيْئًا وَوَارَاهُ لِبَاسًا لَهُ وَكِسْوَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ: [البحر البسيط]
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي ... حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الْإِسْلَامِ سِرْبَالَا فَجَعَلَ الْإِسْلَامَ إِذْ غَطَّى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَوَارَاهُ وَأَذْهَبَهُ كِسْوَةً لَهُ وَسِرْبَالًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ [البقرة: 259] فَلَمَّا اتَّضَحَ لَهُ عِيَانًا مَا كَانَ مُسْتَنْكِرًا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ عِنْدَهُ قَبْلَ عِيَانِهِ ذَلِكَ، قَالَ: أَعْلَمُ الْآنَ بَعْدَ الْمُعَايَنَةِ وَالْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: 259] فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ [البقرة: 259] عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِوَصْلِ الْأَلْفِ مِنْ «أَعْلَمُ» ، وَجْزِمِ الْمِيمِ مِنْهَا.
وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (قِيلَ اعْلَمْ) عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ لِلَّذِي أُحْيِيَ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَأُمِرَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يُحْيِيهِ اللَّهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ التَّغْلِبِيُّ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: " هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (قِيلَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ) عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ - أَحْسَبُهُ، شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ - سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقْرَأُ: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ اعْلَمْ) قَالَ: «إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لَهُ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: انْظُرْ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ يَتَوَاصَلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، فَقِيلَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَلَمَّا تَبَيَّنَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، قَالَ اللَّهُ لَهُ: اعْلَمْ الْآنَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَوْ صَرَفَ مُتَأَوِّلٌ قَوْلَهُ: قَالَ اعْلَمْ، وَقَدْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِمَا اقْتَصَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ قِصَّتِهِ كَانَ وَجْهًا صَحِيحًا، وَكَانَ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: اعْلَمْ أَنْ قَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنْهُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ يَعْنِي بِهِ نَفْسَهِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ [البقرة: 259] عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ نَفْسِهِ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ بِهَمْزِ أَلْفِ ﴿أَعْلَمُ﴾ [البقرة: 259] وَقَطْعِهَا وَرَفْعِ الْمِيمِ، بِمَعْنَى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ بِمُعَايَنَتِهِ مَا عَايَنَهُ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَلِكَ، أَعْلَمُ الْآنَ أَنَا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؟ وَبِذَلِكَ قَرَأَ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَبِذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ تَأَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " لَمَّا عَايَنَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ مَا عَايَنَ، قَالَ: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " يَعْنِي نَبِيَّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَعْنِي إِنْشَازَ الْعِظَامِ، فَقَالَ: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259] "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " قَالَ عُزَيْرٍ عِنْدَ ذَلِكَ يَعْنِي عِنْدَ مُعَايَنَةِ إِحْيَاءِ اللَّهِ حِمَارَهُ ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ يُوصَلُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ» ، {فَلَمَّا
تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، نَحْوَهُ وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مِنْ قَرَأَ: (اعْلَمْ) بِوَصْلِ الْأَلْفِ وَجَزْمِ الْمِيمِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلَّذِي قَدْ أَحْيَاهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ بِالْأَمْرِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي أَرَاهُ بِعَيْنَيْهِ مَا أَرَاهُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ مِنْ إِحْيَائِهِ إِيَّاهُ وَحِمَارَهُ بَعْدَ مَوْتِ مِائَةِ عَامٍ وَبَلَائِهِ حَتَّى عَادَا كَهَيْئَتِهِمَا يَوْمَ قَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، وَحَفِظَ عَلَيْهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِائَةَ عَامٍ حَتَّى رَدَّهُ عَلَيْهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَضَعَهُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ عَلَى كُلِّ شَيْءِ قَادِرٌ كَذَلِكَ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا قِرَاءَةَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَحَكَمْنَا لَهُ بِالصَّوَابِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَوْلًا لِلَّذِي أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَخِطَابًا لَهُ بِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: 259] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ مَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] ؟ قَالَ اللَّهُ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا رَأَيْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَدِيرٌ كَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا رَأَيْتَ وَأَمْثَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعْدَ أَنْ أَجَابَهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 260] ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260] فَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يَعْلَمَ بَعْدَ أَنْ أَرَاهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ الْمَوْتَى أَنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَكَذَلِكَ أَمَرَ الَّذِي سَأَلَ فَقَالَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] بَعْدَ أَنْ أَرَاهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ إِيَّاهَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي
الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: أَلَمْ تَرَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ أَرِنِي، وَإِنَّمَا صَلُحَ أَنْ يَعْطِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: 126] عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: 259] وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: 258] لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] لَيْسَ مَعْنَاهُ: أَلَمْ تَرَ بِعَيْنَيْكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَلَمْ تَرَ بِقَلْبِكَ، فَمَعْنَاهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ فَتَذْكُرْ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الرُّؤْيَةِ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا بِمَا يُوَافِقُ لَفْظَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَحْيَانًا بِمَا يُوَافِقُ مَعْنَاهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلَ فِي سَبَبِ مَسْأَلَةِ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ ذَلِكَ رَبَّهُ أَنَّهُ رَأَى دَابَّةً قَدْ تَقَسَّمَتْهَا السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ إِيَّاهَا مَعَ تَفَرُّقِ لُحُومِهَا فِي بُطُونِ طَيْرِ الْهَوَاءِ وَسِبَاعِ الْأَرْضِ لِيَرَى ذَلِكَ عِيَانًا، فَيَزْدَادَ يَقِينًا بِرُؤْيَتِهِ ذَلِكَ عِيَانًا إِلَى عِلْمِهِ بِهِ خَبَرًا، فَأَرَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ مَثَلًا بِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 260] " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ خَلِيلَ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ تَوَزَّعَتْهَا الدَّوَابُّ وَالسِّبَاعُ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] "
حَدِّثْتُ عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 260] قَالَ: " مَرَّ إِبْرَاهِيمُ عَلَى دَابَّةٍ مَيْتٍ قَدْ بَلِيَ وَتَقَسَّمَتْهُ الرِّيَاحُ وَالسِّبَاعُ، فَقَامَ يَنْظُرُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ هَذَا؟ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 260] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، بَيْنَا هُوَ يَسِيرُ عَلَى الطَّرِيقِ، إِذَا هُوَ بِجِيفَةِ حِمَارٍ عَلَيْهَا السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ قَدْ تَمَزَّعَتْ لَحْمُهَا وَبَقِيَ عِظَامُهَا.
فَلَمَّا ذَهَبَتِ السِّبَاعُ، وَطَارَتِ الطَّيْرُ عَلَى الْجِبَالِ وَالْآكَامِ، فَوَقَفَ وَتَعَجَّبَ ثُمَّ قَالَ: رَبِّ قَدْ عَلِمْتُ لَتَجْمَعَنَّهَا مِنْ بُطُونِ هَذِهِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: 260] " وَلَكِنْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " مَرَّ إِبْرَاهِيمُ بِحُوتٍ نِصْفُهُ فِي الْبَرِّ، وَنِصْفُهُ فِي الْبَحْرِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَدَوَابُّ الْبَحْرِ تَأْكُلُهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْبَرِّ فَالسِّبَاعُ وَدَوَابُّ الْبَرِّ تَأْكُلُهُ، فَقَالَ لَهُ الْخَبِيثُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَتَى
يَجْمَعُ اللَّهُ هَذَا مِنْ بُطُونِ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: «يَا رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى» ، قَالَ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ ذَلِكَ، الْمُنَاظَرَةَ وَالْمُحَاجَّةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُمْرُوذَ فِي ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: " لَمَّا جَرَى بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ قَوْمِهِ مَا جَرَى مِمَّا قَصَّهُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ نُمْرُوذُ فِيمَا يَذْكُرُونَ لِإِبْرَاهِيمَ: أَرَأَيْتَ إِلَهَكَ هَذَا الَّذِي تَعْبُدُ وَتَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهِ وَتَذْكُرُ مِنْ قُدْرَتِهِ الَّتِي تُعَظِّمُهُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ مَا هُوَ؟ قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ نُمْرُوذُ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: كَيْفَ تُحْيِي وَتُمِيتُ؟ ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَصَّ اللَّهُ مِنْ مُحَاجَّتِهِ إِيَّاهُ، قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَلَا فِي قُدْرَتِهِ، وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ وَتَاقَ إِلَيْهِ قَلْبُهُ، فَقَالَ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أَيْ مَا تَاقَ إِلَيْهِ إِذَا هُوَ عَلِمَهُ " وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ، أَعِنِّي الْأَوَّلَ وَهَذَا الْآخَرَ مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى فِي أَنَّ مَسْأَلَةَ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى، كَانَتْ لِيَرَى عِيَانًا مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ خَبَرًا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ ذَلِكَ رَبَّهُ عِنْدَ الْبِشَارَةِ الَّتِي أَتَتْهُ مِنَ اللَّهِ
بِأَنَّهُ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ عَاجِلًا مِنَ الْعَلَامَةِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِأَنَّهُ قَدِ اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ خَلِيلًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْيَقِينِ مُؤَيِّدًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا سَأَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ رَبَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُبَشِّرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَأَتَى إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ فَدَخَلَ دَارِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَغْيَرَ النَّاسِ، إِنْ خَرَجَ أَغْلَقَ الْبَابَ؛ فَلَمَّا جَاءَ وَجَدَ فِي دَارِهِ رَجُلًا، فَثَارَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، قَالَ: مَنْ أَذِنَ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ دَارِي؟ قَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: أَذِنَ لِي رَبُّ هَذِهِ الدَّارِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: صَدَقْتَ وَعَرَفَ أَنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ جِئْتُكَ أُبَشِّرُكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَكَ خَلِيلًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ أَرِنِي الصُّورَةَ الَّتِي تَقْبِضُ فِيهَا أَنْفَاسَ الْكُفَّارِ، قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَأَعْرِضْ، فَأَعْرَضَ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ أَسْوَدَ تَنَالُ رَأْسُهُ السَّمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ لَهَبُ النَّارِ، لَيْسَ مِنْ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ إِلَّا فِي صُورَةِ رَجُلٍ أَسْوَدَ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ وَمَسَامِعِهِ لَهَبُ النَّارِ، فَغُشِيَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ أَفَاقَ وَقَدْ تَحَوَّلَ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ لَوْ لَمْ يَلْقَ الْكَافِرُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْحُزْنِ إِلَّا صُورَتَكَ لَكَفَاهُ، فَأَرِنِي كَيْفَ تَقْبِضُ أَنْفَاسَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَأَعْرِضْ، فَأَعْرَضَ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ شَابٍّ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبَهُ رِيحًا، فِي ثِيَابٍ بِيضٍ، فَقَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤْمِنِ عِنْدَ رَبِّهِ مِنْ قُرَّةِ الْعَيْنِ
وَالْكَرَامَةِ إِلَّا صُورَتَكَ هَذِهِ لَكَانَ يَكْفِيهِ، فَانْطَلَقَ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ يَدْعُو رَبَّهُ يَقُولُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 260] حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي خَلِيلُكَ ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: 260] بِأَنِّي خَلِيلُكَ، يَقُولُ تُصَدِّقُ، ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] بِخُلُولَتِكَ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «بِالْخُلَّةِ» وَقَالَ آخَرُونَ: قَالَ ذَلِكَ لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَرْجَى عِنْدِي مِنْهَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: " اتَّعَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنْ يَجْتَمِعَا، قَالَ: وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ شَبَبَةٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَرْجَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53] حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ، فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: أَمَا إِنْ كُنْتَ تَقُولُ إِنَّهَا، وَإِنَّ أَرْجَى مِنْهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: " دَخَلَ قَلْبَ إِبْرَاهِيمَ بَعْضُ مَا يَدْخُلُ قُلُوبَ النَّاسِ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: 260] ، ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: 260] لِيُرِيَهُ "
حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانَ الْمِصْرِيُّ، قَالَا: ثنا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: ثني بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] " حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ» وَأَنْ تَكُونَ مَسْأَلَتُهُ رَبَّهُ مَا سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِعَارِضٍ مِنَ الشَّيْطَانِ عَرَضَ فِي قَلْبِهِ
كَالَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ آنِفًا " مِنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رَأَى الْحُوتَ الَّذِي بَعْضُهُ فِي الْبَرِّ وَبَعْضُهُ فِي الْبَحْرِ قَدْ تَعَاوَرَهُ دَوَابُّ الْبَرِّ وَدَوَابُّ الْبَحْرِ وَطَيْرُ الْهَوَاءِ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: مَتَى يَجْمَعُ اللَّهُ هَذَا مِنْ بُطُونِ هَؤُلَاءِ؟ فَسَأَلَ إِبْرَاهِيمُ حِينَئِذٍ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى لِيُعَايِنَ ذَلِكَ عِيَانًا، فَلَا يَقْدِرَ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ مِثْلَ الَّذِي أَلْقَى فِيهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: 260] يَقُولُ: أَوَلَمْ تُصَدِّقْ يَا إِبْرَاهِيمُ بِأَنِّي عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، لَكِنْ سَأَلْتُكَ أَنْ تُرِيَنِي ذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، فَلَا يَقْدِرَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُلْقِيَ فِي قَلْبِي مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ عِنْدَ رُؤْيَتِي هَذَا الْحُوتَ " حَدَّثَنِي بِذَلِكَ، يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] لِيَسْكُنَ وَيَهْدَأَ بِالْيَقِينِ الَّذِي يَسْتَيْقِنُهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ هُوَ تَأْوِيلُ الَّذِينَ وَجَّهُوا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] إِلَى أَنَّهُ لِيَزْدَادَ إِيمَانًا، أَوْ إِلَى أَنَّهُ لِيُوَفَّقَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: لِيُوَفَّقَ، أَوْ لِيَزْدَادَ يَقِينًا أَوْ إِيمَانًا
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «لِيُوَفَّقَ»