تفسير الطبري = جامع البيانوَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَوَصَّى بِذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَوَصَّى بِذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلَهُ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] يَقُولُ: وَوَصَّى بِهَا يَعْقُوبُ بَنِيهِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: 132] وَصَّاهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَوَصَّى يَعْقُوبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ "

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: 132] خَبَرٌ مُنْقَضٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ، فَإِنَّهُ، قَالَ: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ بِأَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ أَنْ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ وَلَأَنَّ الَّذِي أَوْصَى بِهِ يَعْقُوبُ بَنِيهِ نَظِيرُ الَّذِي أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ أَنْ يَا بَنِيَّ، فَمَا بَالُ أَنْ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الْكَلَامِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَوْلٌ فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِلَفْظِ الْقَوْلِ لَمْ تَحْسُنْ مَعَهُ أَنْ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِبَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ [البقرة: 132] ، فَلَمَّا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَوْلًا حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا دُونَ قَوْلِهَا، فَحُذِفَتْ أَنِ الَّتِي تَحْسُنُ مَعَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرجز] إِنِّي سَأُبْدِي لَكَ فِيمَا أُبْدِي لِي شَجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ وَشَجَنٌ لِي بِبِلَادِ السِّنْدِ

فَحُذِفَتْ أَنَّ إِذْ كَانَ الْإِبْدَاءُ بِاللِّسَانِ فِي الْمَعْنَى قَوْلًا، فَحَمَلَهُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: إِنَّمَا حُذِفَتْ أَنْ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] بِاكْتِفَاءِ النِّدَاءِ، يَعْنِي بِالنِّدَاءِ قَوْلَهُ: يَا بَنِيَّ، وَزَعَمَ أَنَّ عِلَّتَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مِنَ شَأْنِ الْعَرَبِ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَدَوَاتِ عَنْ أَنْ كَقَوْلِهِمْ: نَادَيْتُ هَلْ قُمْتَ؟ وَنَادَيْتُ أَيْنَ زَيْدٌ؟ قَالَ: وَرُبَّمَا أَدْخَلُوهَا مَعَ الْأَدَوَاتِ فَقَالُوا: نَادَيْتُ أَنْ هَلْ قُمْتَ؟ وَقَدْ قَرَأَ عَهِدَ إِلَيْهِمْ عَهْدًا بَعْدَ عَهْدٍ، وَأَوْصَى وَصِيَّةً بَعْدَ وَصِيَّةٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: 132] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: 132] إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ وَاجْتَبَاهُ لَكُمْ.
وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْأَلْفَ وَاللَّامَ فِي «الدِّينِ» ، لِأَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِنْ وَلَدِهِمَا وَبَنِيهِمَا بِذَلِكَ كَانُوا

قَدْ عَرَفُوهُ بِوَصِيَّتِهِمَا إِيَّاهُمْ بِهِ وَوَصِيَّتِهِمَا إِلَيْهِمْ فِيهِ، ثُمَّ قَالَا لَهُمْ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَاهُمُوهُ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي قَدْ عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَمُوتُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَ إِلَى بَنِي آدَمَ الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فَيُنْهَى أَحَدُهُمْ أَنْ يَمُوتَ إِلَّا عَلَى حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ؟

قِيلَ لَهُ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] أَيْ فَلَا تُفَارِقُوا هَذَا الدِّينَ وَهُوَ الْإِسْلَامُ أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي مَتَى تَأْتِيَهِ مَنِيَّتُهُ، فَلِذَلِكَ قَالَا لَهُمْ: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] لِأَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى تَأْتِيكُمْ مَنَايَاكُمْ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَلَا تُفَارِقُوا الْإِسْلَامَ فَتَأْتِيَكُمْ مَنَايَاكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ الدِّينِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لَكُمْ رَبُّكُمْ فَتَمُوتُوا وَرَبُّكُمْ سَاخِطٌ عَلَيْكُمْ فَتَهْلِكُوا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إِلَاهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: 133] أَكُنْتُمْ، وَلَكِنَّهُ اسْتَفْهَمَ بِ أَمْ إِذْ كَانَ اسْتِفْهَامًا مُسْتَأْنَفًا عَلَى كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ، كَمَا قِيلَ: ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: 2] ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ اسْتِفْهَامٍ ابْتَدَأَتْهُ بَعْدَ كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ تَسْتَفْهِمُ فِيهِ بِ (أَمْ) ،

وَالشُّهَدَاءُ جَمْعُ شَهِيدٍ كَمَا الشُّرَكَاءُ جَمْعُ شَرِيكٍ، وَالْخُصَمَاءُ جَمْعُ خَصِيمٍ.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: أَكُنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَهُ، حُضُورَ يَعْقُوبَ وَشُهُودَهُ إِذْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، أَيْ أَنَّكُمْ لَمْ تَحْضُرُوا ذَلِكَ.
فَلَا تَدَّعُوا عَلَى أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي الْأَبَاطِيلَ، وَتُنْحِلُوهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، فَإِنِّي ابْتَعَثْتُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدَهُ إِسْحَاقَ وَإِسْمَاعِيلَ وَذُرِّيَّتَهُمْ بِالْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَبِذَلِكَ وَصَّوْا بَنِيهِمْ وَبِهِ عَهِدُوا إِلَى أَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَلَوْ حَضَرْتُمُوهُمْ فَسَمِعْتُمْ مِنْهُمْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ مَا تَنْحِلُوهُمْ مِنَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ

مِنْ بَعْدِهِمْ.
وَهَذِهِ آيَاتٌ نَزَلَتْ تَكْذِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ يَعْقُوبَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: 133] فَتَعْلَمُوا مَا قَالَ لِوَلَدِهِ وَقَالَ لَهُ وَلَدُهُ.
ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ مَا قَالَ لَهُمْ وَمَا قَالُوا لَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " قَوْلَهُ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: 133] يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَاءِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ [البقرة: 133] إِذْ قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ.
وَإِذْ هَذِهِ مُكَرَّرَةٌ إِبْدَالًا مِنْ إِذِ الْأُولَى بِمَعْنَى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ

يَعْقُوبَ إِذْ قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ حِينَ حُضُورِ مَوْتِهِ.
وَمَعْنِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة: 133] أَيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي، أَيْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِي.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ [البقرة: 133] يَعْنِي بِهِ: قَالَ بَنَوْهُ لَهُ: نَعْبُدُ معَبُّودَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ، ومعَبُّودُ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا، أَيْ نُخْلِصُ لَهُ الْعِبَادَةَ وَنُوَحِّدُ لَهُ الرُّبُوبِيَّةَ فَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَلَا نَتَّخِذُ دُونَهُ رَبًّا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133] وَنَحْنُ لَهُ خَاضِعُونَ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133] أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْحَالِ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: نَعْبُدُ إِلَهِكَ مُسْلِمَيْنَ لَهُ بِطَاعَتِنَا وَعِبَادَتِنَا إِيَّاهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا، فَيَكُونُ بِمَعْنَى: نَعْبُدُ إِلَهِكَ بَعْدَكَ، وَنَحْنُ لَهُ الْآنَ وَفِي كُلِّ حَالٍ مُسْلِمُونَ.
وَأَحْسَنُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْحَالِ، وَأَنْ يَكُونُ بِمَعْنَى: نَعْبُدُ إِلَهِكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ مُسْلِمَيْنَ لِعِبَادَتِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا قُدِّمَ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْحَاقَ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ أَسَنَّ مِنْ إِسْحَاقَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ، قَالَ: يُقَالُ بَدَأَ بِإِسْمَاعِيلَ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ " وَقَرَأَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ: وَإِلَهَ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ إِذْ كَانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ تُرْجِمَ بِهِ عَنِ الْآبَاءِ وَدَاخِلًا فِي عِدَادِهِمْ.
وَذَلِكَ مِنْ قَارِئِهِ كَذَلِكَ قِلَّةُ عِلْمٍ مِنْهُ بِمَجَارِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَالْعَرَبُ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ أَنْ تَجْعَلَ الْأَعْمَامَ بِمَعْنَى الْآبَاءِ، وَالْأَخْوَالَ بِمَعْنَى الْأُمَّهَاتِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَ إِسْمَاعِيلُ فِيمَنْ تُرْجِمَ بِهِ عَنِ الْآبَاءِ.
وَإِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ تَرْجَمَةٌ عَنِ الْآبَاءِ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، وَلَكِنَّهُمْ نُصِبُوا بِأَنَّهُمْ لَا يُجَرُّونَ.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة: 133] لِإِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى تَصْوِيبِ ذَلِكَ وَشُذُوذِ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْقُرَّاءِ مِمَّنْ قَرَأَ خِلَافَ ذَلِكَ، وَنَصَبَ قَوْلَهُ إِلَهًا عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ إِلَهِكَ

جارٍ التحميل