تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 202-215

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: 14] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَهُوَ يَرْزُقُ خَلْقَهُ وَلَا يُرْزَقُ

صفحات 202-215
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] يَقُولُ: «لَا يَلْقَوْنَهُ، وَلَا يَدَعُونَ أَحَدًا يَأْتِيهِ»

حُدِّثْتُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] يَقُولُ: «عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] جَمَعُوا النَّهْيَ وَالنَّأْيَ.
وَالنَّأْي: التَّبَاعُدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] : عَنِ الْقُرْآنِ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ وَيُعْمَلُ بِمَا فِيهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: " يَنْهَوْنَ عَنِ الْقُرْآنِ، وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] وَيَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: " قُرَيْشٌ عَنِ الذِّكْرِ ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] يَقُولُ: يَتَبَاعَدُونَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] : قُرَيْشٌ عَنِ الذِّكْرِ، يَنْأَوْنَ عَنْهُ: يَتَبَاعَدُونَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: «يَنْهَوْنَ عَنِ الْقُرْآنِ وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: يَنْأَوْنَ عَنْهُ: يَبْعُدُونَ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْ أَذَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ: يَتَبَاعَدُونَ عَنْ دِينِهِ وَاتِّبَاعِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، وَقَبِيصَةُ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَمَّنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَنْهَى عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنْ يُؤْذَى، وَيَنْأَى، عَمَّا جَاءَ بِهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: ثني مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ يَنْهَى عَنْهُ أَنْ يُؤْذَى، وَيَنْأَى عَمَّا جَاءَ بِهِ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَمَّنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْهَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُؤْذُوا مُحَمَّدًا، وَيَنْأَى عَمَّا جَاءَ بِهِ

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، قَالَ: «كَانَ أَبُو طَالِبٍ يَنْهَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُصَدِّقُهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ وَكِيعٍ: قَالَ بِشْرٌ: كَانَ أَبُو طَالِبٍ يَنْهَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤْذَى، وَلَا يُصَدِّقُ بِهِ

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ

أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: ثني مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] : نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْهَى عَنْ أَذَى مُحَمَّدٍ، وَيَنْأَى عَمَّا جَاءَ بِهِ أَنْ يَتْبَعَهُ

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ حَبِيبٍ، قَالَ: " ذَاكَ أَبُو طَالِبٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26]

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنْ إِيذَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَنْأَى عَمَّا جَاءَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُهُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِوَاهُمْ مِنَ النَّاسِ، ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ [الأنعام: 26] عَنِ اتِّبَاعِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَهَا جَرَتْ بِذِكْرِ جَمَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ الْعَادِلِينَ بِهِ، وَالْخَبَرِ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ تَنْزِيلِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] خَبَرًا عَنْهُمْ، إِذْ لَمْ يَأْتِنَا مَا يَدُلُّ عَلَى انْصِرَافِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، بَلْ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ جَمَاعَةِ مُشْرِكِي قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ خَاصٍّ مِنْهُمْ.

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَإِنْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءُوُكَ يُجَادِلُونَكَ، يَقُولُونَ: إِنْ هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ إِلَّا أَحَادِيثُ الْأَوَّلِينَ وَأَخْبَارُهُمْ، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنِ اسْتِمَاعِ التَّنْزِيلِ وَيَنْأَوْنَ عَنْكَ، فَيَبْعُدُونَ مِنْكَ وَمِنْ اتِّبَاعَكَ ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: 26] يَقُولُ: وَمَا يُهْلِكُونَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ تَنْزِيلِهِ وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لَا غَيْرَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُكْسِبُونَهَا بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ سَخَطَ اللَّهِ وَأَلِيمَ عِقَابِهِ وَمَا لَا قِبَلَ لَهَا بِهِ.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: 26] يَقُولُ: وَمَا يَدْرُونَ مَا هُمْ مُكْسِبُوهَا مِنَ الْهَلَاكِ وَالْعَطَبِ بِفِعْلِهِمْ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ بَعُدَ عَنْ شَيْءٍ قَدْ نَأَى عَنْهُ، فَهُوَ يَنْأَى نَأْيًا، وَمَسْمُوعٌ مِنْهُمْ: نَأَيْتُكَ بِمَعْنَى نَأَيْتُ عَنْكَ، وَأَمَّا إِذَا أَرَادُوا: أَبْعَدْتُكَ عَنِّي قَالُوا: أَنْأَيْتُكَ.
وَمِنْ نَأَيْتُكَ بِمَعْنَى نَأَيْتُ عَنْكَ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ: [البحر المتقارب] نَأَتْكَ أُمَامَةُ إِلَّا سُؤَالًا ... وَأَبْصَرْتَ مِنْهَا بِطَيْفٍ خَيَالَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ [الأنعام: 27] يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَصْنَامَ وَالْأَوْثَانَ الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَكَ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ، ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: 27] يَقُولُ: إِذْ حُبِسُوا، ﴿عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175] يَعْنِي: فِي النَّارِ، فَوُضِعَتْ (عَلَى) مَوْضِعَ (فِي) كَمَا قَالَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: 102]

بِمَعْنَى فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ.
وَقِيلَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: 27] وَمَعْنَاهُ: إِذَا وُقِفُوا، لِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ فِيمَا مَضَى أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَضَعُ (إِذْ) مَكَانَ (إِذَا) ، وَ (إِذَا) مَكَانَ (إِذْ) ، وَإِنْ كَانَ حَظُّ (إِذْ) أَنْ تُصَاحِبَ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا قَدْ وُجِدَ فَقُضِيَ، وَحَظُّ (إِذَا) أَنْ تُصَاحِبَ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا لَمْ يُوجَدْ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ وَهُوَ أَبُو النَّجْمِ: [البحر الرجز] مَدَّ لَنَا فِي عُمْرِهِ رَبُّ طَهَا ... ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إِذْ جَزَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي الْعَلَالِيِّ الْعُلَا فَقَالَ: (ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إِذْ جَزَى) ، فَوَضَعَ (إِذْ) مَكَانَ (إِذَا) . وَقِيلَ: ﴿وُقِفُوا﴾ [الأنعام: 27] وَلَمْ يَقُلْ: (أُوقِفُوا) ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ: وُقِفَتِ الدَّابَّةُ وَغَيْرُهَا بِغَيْرِ أَلِفٍ إِذَا حَبَسَتْهَا، وَكَذَلِكَ وُقِفَتِ الْأَرْضُ إِذَا جَعَلْتَهَا صَدَقَةً حَبِيسًا، بِغَيْرِ أَلِفٍ

وَقَدْ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْيَزِيدِيُّ، وَالْأَصْمَعِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ: " مَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُ: (أَوْقَفْتُ الشَّيْءَ) بِالْأَلَفِ قَالَ: إِلَّا أَنِّي لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا بِمَكَانٍ، فَقُلْتُ: مَا أَوْقَفَكَ هَا هُنَا؟ بِالْأَلِفِ، لَرَأَيْتُهُ حَسَنًا

﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ [الأنعام: 27] يَقُولُ: فَقَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ إِذْ حُبِسُوا فِي النَّارِ: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى نَتُوبَ وَنُرَاجِعَ طَاعَةَ اللَّهِ، ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: 27] يَقُولُ: وَلَا نُكَذِّبُ بِحُجَجِ رَبِّنَا وَلَا نَجْحَدُهَا، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27] يَقُولُ: وَنَكُونُ مِنَ الْمُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ وَحُجَجِهِ وَرُسُلِهِ، مُتَّبِعِي أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِيِّينَ: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بِمَعْنَى: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ، وَلَسْنَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَلَكِنْ نَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27] بِمَعْنَى: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ، وَأَنْ لَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ شَيْئًا

حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: " فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلَا نُكَذِّبَ» بِالْفَاءِ " وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ قُرَّاءِ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: ( ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ﴾ [الأنعام: 27] ) بِالرَّفْعِ ﴿وَنَكُونَ﴾ [الأنعام: 27] بِالنَّصْبِ.
كَأَنَّهُ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُمْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ وَأَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ إِنْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مَنْصُوبًا وَمَرْفُوعًا، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27] نُصِبَ لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِلتَّمَنِّي، وَمَا بَعْدَ الْوَاوِ كَمَا بَعْدَ الْفَاءِ.
قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ وَجَعَلْتَهُ عَلَى غَيْرِ التَّمَنِّي، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: وَلَا نُكَذِّبُ وَاللَّهِ بِآيَاتِ رَبِّنَا، وَنَكُونُ وَاللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا إِذَا كَانَ عَلَى ذَا الْوَجْهِ كَانَ مُنْقَطِعًا مِنَ الْأَوَّلِ.
قَالَ: وَالرَّفْعُ وَجْهُ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ إِذَا نَصَبَ جَعَلَهَا وَاوَ عَطْفٍ، فَإِذَا جَعَلَهَا وَاوَ عَطْفٍ فَكَأَنَّهُمْ قَدْ تَمَنَّوْا أَنْ لَا يُكَذِّبُوا وَأَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَكُونُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَنَّوْا هَذَا، إِنَّمَا تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وَأَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ وَيَكُونُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ (نُكَذِّبُ) وَ (نَكُونُ) عَلَى الْجَوَابِ بِالْوَاوِ لَكَانَ صَوَابًا، قَالَ: وَالْعَرَبُ تُجِيبُ بِالْوَاوِ (وَثَمَّ) ، كَمَا تُجِيبَ بِالْفَاءِ، يَقُولُونَ: لَيْتَ لِي مَالًا فَأُعْطِيَكَ، وَلَّيْتَ لِي مَالًا وَأُعْطِيَكَ وَثُمَّ أُعْطِيَكَ.
قَالَ: وَقَدْ تَكُونُ نَصْبًا عَلَى الصَّرْفِ، كَقَوْلِكَ: لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزَ عَنْكَ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: لَا أُحِبُّ النَّصْبَ فِي هَذَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمَنٍّ مِنْهُمْ، إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَذَّبَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّكْذِيبُ لِلْخَبَرِ لَا لِلتَّمَنِّي.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ بِالْوَاوِ، وَبِحَرْفٍ غَيْرِ الْفَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الْوَاوُ مَوْضِعُ حَالٍ، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيُضَيَّقُ عَنْكَ: أَيْ وَهُوَ يُضَيِّقُ عَنْكَ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الصَّرْفُ فِي جَمِيعِ الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ: وَأَمَّا الْفَاءُ فَجَوَابُ جَزَاءٍ، مَا قُمْتَ فَآتِيَكَ: أَيْ لَوْ قُمْتَ لَأَتَيْنَاكَ.
قَالَ: فَهَذَا حُكْمُ الصَّرْفِ وَالْفَاءِ.

قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ [الأنعام: 27] ﴿وَنَكُونَ﴾ [الأنعام: 27] فَإِنَّمَا جَازَ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي وُقِفْنَا فِيهَا عَلَى النَّارِ، فَكَانَ وَقْفُهُمْ فِي تِلْكَ، فَتَمَنَّوْا أَنْ لَا يَكُونُوا وُقِفُوا فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَكَأَنَّ مَعْنَى صَاحِبِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي قَوْلِهِ هَذَا: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا: قَدْ وُقِفْنَا عَلَيْهَا مُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ رَبِّنَا كُفَّارًا، فَيَا لَيْتَنَا نُرَدُّ إِلَيْهَا فَنُوقَفُ عَلَيْهَا غَيْرَ مُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَلَا كُفَّارًا.
وَهَذَا تَأْوِيلٌ يَدْفَعُهُ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28] ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ كُذُبَةٌ، وَالتَّكْذِيبُ لَا يَقَعُ فِي التَّمَنِّي، وَلَكِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَدَبَّرِ التَّأْوِيلَ وَلَزْمَ سُنَنِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَخْتَارُ غَيْرَهَا فِي ذَلِكَ: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بِالرَّفْعِ فِي كِلَيْهِمَا، بِمَعْنَى: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ، وَلَسْنَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا إِنْ رُدِدْنَا، وَلَكِنَّا نَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنْهُمْ عَمَّا يَفْعَلُونَ إِنْ هُمْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا، لَا عَلَى التَّمَنِّي مِنْهُمْ أَنْ لَا يُكَذِّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَيَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، وَأَنَّهُمْ كُذُبَةٌ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ قِيلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّمَنِّي لَاسْتَحَالَ تَكْذِيبُهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ التَّمَنِّي لَا يُكَذَّبُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ فِي الْأَخْبَارِ.
وَأَمَّا النَّصْبُ فِي ذَلِكَ، فَإِنِّي أَظُنُّ بِقَارِئِهِ أَنَّهُ بِرَجَاءِ تَأْوِيلِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ، وَذَلِكَ قِرَاءَتُهُ ذَلِكَ: «يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» عَلَى وَجْهِ جَوَابِ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ.
وَهُوَ إِذَا قُرِئَ بِالْفَاءِ كَذَلِكَ لَا شَكَّ

فِي صِحَّةِ إِعْرَابِهِ، وَمَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيلَهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ: لَوْ أَنَّا رُدِدْنَا إِلَى الدُّنْيَا مَا كَذَّبْنَا بِآيَاتِ رَبِّنَا، وَلَكُنَّا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَإِنْ يَكُنُ الَّذِي حَكَى مَنْ حَكَى عَنِ الْعَرَبِ مِنَ السَّمَاعِ مِنْهُمُ الْجَوَابَ بِالْوَاوِ وَ (ثُمَّ) كَهَيْئَةِ الْجَوَابِ بِالْفَاءِ صَحِيحًا، فَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ﴾ [الأنعام: 27] نَصْبًا عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي بِالْوَاوِ، عَلَى تَأْوِيلِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ذَلِكَ بِالْفَاءِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِذَلِكَ بَعِيدَةُ الْمَعْنَى مِنْ تَأْوِيلِ التَّنْزِيلِ.
وَلَسْتُ أَعْلَمُ سَمَاعَ ذَلِكَ مِنَ الْعَرَبِ صَحِيحًا، بَلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِهَا الْجَوَابُ بِالْفَاءِ وَالصَّرْفُ بِالْوَاوِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا قَصْدُ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَكَ يَا مُحَمَّدُ فِي قِيلِهِمْ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،

الْأَسَى وَالنَّدَمُ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالتَّصْدِيقِ بِكَ لَكِنْ بِهِمُ الْإِشْفَاقُ مِمَّا هُوَ نَازِلٌ بِهِمْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ عَلَى مَعَاصِيهِمُ الَّتِي كَانُوا يُخْفُونَهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَيَسْتُرُونَهَا مِنْهُمْ، فَأَبْدَاهَا اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَظْهَرَهَا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، فَفَضَحَهُمْ بِهَا ثُمَّ جَازَاهُمْ بِهَا جَزَاءَهُمْ.
يَقُولُ: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ [الأنعام: 28] مِنْ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي كَانُوا يُخْفُونَهَا، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 25] ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، فَظَهَرَتْ.
﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ [الأنعام: 28] يَقُولُ: وَلَوْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا فَأُمْهِلُوا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] يَقُولُ: لَرَجَعُوا إِلَى مِثْلِ الْعَمَلِ الَّذِي كَانُوا

يَعْمَلُونَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ جُحُودِ آيَاتِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُسْخِطُ عَلَيْهِمْ رَبَّهُمْ.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28] فِي قِيلِهِمْ: لَوْ رُدِدْنَا لَمْ نُكَذِّبْ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَكُنَّا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُمْ قَالُوهُ حِينَ قَالُوهُ خَشْيَةَ الْعَذَابِ لَا إِيمَانًا بِاللَّهِ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: 28] يَقُولُ: «بَدَتْ لَهُمْ أَعْمَالُهُمْ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي أَخْفَوْهَا فِي الدُّنْيَا»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: 28] قَالَ: «مِنْ أَعْمَالِهِمْ»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] يَقُولُ: «وَلَوْ وَصَلَ اللَّهُ لَهُمْ دُنْيَا كَدُنْيَاهُمْ، لَعَادُوا إِلَى أَعْمَالِهِمْ أَعْمَالَ السُّوءِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَانَ

وَالْأَصْنَامَ الَّذِينَ ابْتَدَأَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 29] يُخْبِرُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي خَلْقَهُ بَعْدَ أَنْ يُمِيتَهُمُ، وَيَقُولُونَ: لَا حَيَاةَ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَلَا بَعْثَ وَلَا نُشُورَ بَعْدَ الْفَنَاءِ.
فَهُمْ بِجُحُودِهِمْ ذَلِكَ وَإِنْكَارِهِمْ ثَوَابَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، لَا يُبَالُونَ مَا أَتَوْا وَمَا رَكِبُوا مِنْ إِثْمٍ وَمَعْصِيَةٍ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ ثَوَابًا عَلَى إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٍ بِرَسُولِهِ وَعَمَلٍ صَالِحٍ بَعْدَ مَوْتٍ، وَلَا يَخَافُونَ عِقَابًا عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَسَيِّئٍ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُونَهُ.
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ: هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ، أَنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا لَقَالُوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29]

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] وَقَالُوا حِينَ يُرَدُّونَ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرونَ﴾ [الأنعام: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَوْ تَرَى﴾ [الأنعام: 27] يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: 27] يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْ حُبِسُوا، ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] يَعْنِي: عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ فِيهِمْ.
﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 30] يَقُولُ: فَقِيلَ لَهُمْ:

أَلَيْسَ هَذَا الْبَعْثُ وَالنَّشْرُ بَعْدَ الْمَمَاتِ الَّذِي كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ فِي الدُّنْيَا حَقًّا؟ فَأَجَابُوا فَـ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الأنعام: 30] وَاللَّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ.
﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [الأنعام: 30] يَقُولُ: فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ: فَذُوقُوا الْعَذَابَ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا تُكَذِّبُونَ، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرونَ﴾ [آل عمران: 106] يَقُولُ: بِتَكْذِيبِكُمْ بِهِ وَجُحُودِكُمُوهُ الَّذِي كَانَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: 31] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 31] قَدْ هَلَكَ وَوَكَسَ فِي بَيْعِهِمُ الْإِيمَانُ

بِالْكُفْرِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 31] يَعْنِي: الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ [الأنعام: 31] يَقُولُ: حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ الَّتِي يَبْعَثُ اللَّهُ فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ.
وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي (السَّاعَةِ) ، لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةُ الْمَعْنَى عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا، وَأَنَّهَا مَقْصُودٌ بِهَا قَصْدُ السَّاعَةِ الَّتِي وَصَفْتُ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ [الأنعام: 31] فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَنْ تَفْجَؤُهُ بِوَقْتِ مُفَاجَأَتِهَا إِيَّاهُ، يُقَالُ مِنْهُ: بَغَتُّهُ أَبْغَتُهُ بَغْتَةً: إِذَا أَخَذْتُهُ، كَذَلِكَ ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ بِبَيْعِهِمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بِمَنَازِلِ مَنِ اشْتَرَوْا مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا إِذَا عَايَنُوا مَا بَاعُوا وَمَا اشْتَرَوْا وَتَبَيَّنُوا خُسَارَةَ صَفْقَةِ بَيْعِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا تَنَدُّمًا وَتَلَهُّفًا عَلَى عَظِيمِ الْغَبْنِ الَّذِي غَبَنُوهُ أَنْفُسَهُمْ، وَجَلِيلِ الْخُسْرَانِ الَّذِي لَا خُسْرَانَ أَجَلَّ مِنْهُ: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: 31] يَقُولُ: يَا نَدَامَتْنَا عَلَى مَا ضَيَّعْنَا فِيهَا يَعْنِي فِي صَفْقَتِهِمْ تِلْكَ.

وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهَا﴾ [البقرة: 25] مِنْ ذِكْرِ الصَّفْقَةِ، وَلَكِنِ اكْتَفَى بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 31] عَلَيْهَا مِنْ ذِكْرِهَا، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْخُسْرَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي صَفْقَةِ بَيْعٍ قَدْ خَسِرَتْ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: قَدْ وَكَسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ بِبَيْعِهِمُ الْإِيمَانَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ رِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنْهُ سَخَطَهُ وَعُقُوبَتَهُ، وَلَا يَشْعُرُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَرَأَوْا مَا لَحِقَهُمْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي بَيْعِهِمْ قَالُوا حِينَئِذٍ تَنَدُّمًا: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: 31] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

جارٍ التحميل