وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] فَقَدْ وُصِلَ بِالْأَبَدِ , وَلَا يَجُوزُ قَبُولُهَا أَبَدًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 18] قَالَ: " وَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَنَا مِنْ هَذَا، أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَنَا هَذَا لِكَيْلَا نَقَعَ فِيهِ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَنَا لَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكَ الْقَوْمُ، أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أَنَا سَمِعْتُهُ , وَلَمْ أَخْتَرِقْهُ , وَلَمْ أَتَقَوَّلْهُ، فَكَانَ خَيْرًا حِينَ أَعْلَمَنَاهُ اللَّهُ، لِئَلَّا نَدْخُلَ فِي مِثْلِهِ أَبَدًا، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [النور: 18] وَيُفَصِّلُ اللَّهُ لَكُمْ حُجَجَهُ عَلَيْكُمْ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، لِيَتَبَيَّنَ الْمُطِيعُ لَهُ مِنْكُمْ مِنَ الْعَاصِي، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُمْ , وَبِأَفْعَالِكُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مُجَازٍ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ , وَتَكْلِيفِهِ مَا كَلَّفَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ
, وَفَرْضِهِ مَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَفْعَالِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ يَذِيعَ الزِّنَا فِي الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَيَظْهَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 91] يَقُولُ: لَهُمْ
عَذَابٌ وَجِيعٌ فِي الدُّنْيَا، بِالْحَدِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَدًّا لِرَامِي الْمُحْصَنَاتِ وَالْمُحْصَنِينَ إِذَا رَمَوْهُمْ بِذَلِكَ، وَفِي
الْآخِرَةِ عَذَابُ جَهَنَّمَ إِنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ تَائِبٍ
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: 19] قَالَ: «تَظْهَرُ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 19] قَالَ: الْخَبِيثُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ، الْمُنَافِقُ، الَّذِي أَشَاعَ عَلَى عَائِشَةَ مَا أَشَاعَ عَلَيْهَا مِنَ الْفِرْيَةِ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 19] "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: 19] قَالَ: تَظْهَرُ؛ يَتَحَدَّثُ عَنْ شَأْنِ عَائِشَةَ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ كَذِبَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ مِنْ صِدْقِهِمْ، وَأَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
يَقُولُ: فَلَا تَرْوُوا مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ مِنَ الْإِفْكِ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَلَا
سِيَّمَا عَلَى حَلَائِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَهْلِكُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْلَا أَنْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَرَحِمَكُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ ذُو رَأْفَةٍ، ذُو رَحْمَةٍ بِخَلْقِهِ، لَهَلَكْتُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ , وَعَاجَلَتْكُمْ مِنَ اللَّهِ الْعُقُوبَةُ.
وَتَرَكَ ذِكْرَ الْجَوَابِ لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ بِالْمُرَادِ مِنَ الْكَلَامِ بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21] . الْآيَةُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَا تَسْلُكُوا سَبِيلَ الشَّيْطَانِ وَطُرُقَهُ , وَلَا تَقْتَفُوا آثَارَهُ، بِإِشَاعَتِكُمُ الْفَاحِشَةَ
فِي الَّذِينَ آمَنُوا , وَإِذَاعَتِكُمُوهَا فِيهِمْ , وَرِوَايَتِكُمْ ذَلِكَ عَمَّنْ جَاءَ بِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَهِيَ الزِّنَا وَالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخُطُوَاتِ وَالْفَحْشَاءِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدَ ذَلِكَ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَرَحْمَتُهُ لَكُمْ، مَا تَطَهَّرَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِ وَشِرْكِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُطَهِّرُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ
خَلْقِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: 21] يَقُولُ: «مَا اهْتَدَى مِنْكُمْ مِنَ الْخَلَائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ يَنْفَعُ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَتَّقِ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: 21] قَالَ: " مَا زَكَى: مَا أَسْلَمَ " وَقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ زَكَى أَوْ تَزَكَّى فَهُوَ الْإِسْلَامُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 224] يَقُولُ: وَاللَّهُ سُمَيْعٌ لِمَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ , وَتَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِكُمْ، عَلِيمٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ , وَبِغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِكُمْ، مُحِيطٌ بِهِ , مُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ، لِيُجَازِيَكُمْ بِكُلِّ ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يَحْلِفْ بِاللَّهِ ذَوُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ، يَعْنِي ذَوِي التَّفَضُّلِ وَالسَّعَةِ؛ يَقُولُ:
وَذَوُو الْجِدَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ [النور: 22] ؛ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ.
﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ [النور: 22] بِمَعْنَى: يَفْتَعِلْ , مِنَ الْأَلِيَّةِ، وَهِيَ الْقَسَمُ بِاللَّهِ؛ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ , وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَرَآ ذَلِكَ: (وَلَا يَتَأَلَّ) بِمَعْنَى: يَتَفَعَّلُ، مِنَ الْأَلِيَّةِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ [النور: 22] بِمَعْنَى يَفْتَعِلُ , مِنَ الْأَلِيَّةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ كَذَلِكَ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى مُخَالِفَةٌ خَطَّ الْمُصْحَفِ، فَاتِّبَاعُ الْمُصْحَفِ , مَعَ قِرَاءَةِ جَمَاعَةِ الْقُرَّاءِ , وَصِحَّةِ الْمَقْرُوءِ بِهِ أَوْلَى مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَلِفِهِ بِاللَّهِ , لَا يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَا يَحْلِفْ مَنْ كَانَ ذَا فَضْلٍ مِنْ مَالٍ وَسِعَةٍ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ , أَلَّا يُعْطُوا ذَوِي قَرَابَتِهِمْ فَيَصِلُوا بِهِ أَرْحَامَهُمْ، كَمِسْطَحٍ، وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة: 83] يَقُولُ: وَذَوِي خَلَّةِ الْحَاجَةِ، وَكَانَ مِسْطَحٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا مُحْتَاجًا.
﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: 22] وَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَكَانَ مِسْطَحٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا ﴿وَلْيَعْفُوا﴾ [النور: 22] يَقُولُ: وَلْيَعْفُوا عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ جُرْمٍ، وَذَلِكَ كَجُرْمِ مِسْطَحٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي إِشَاعَتِهِ عَلَى ابْنَتَهِ عَائِشَةَ مَا أَشَاعَ مِنَ الْإِفْكِ ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: 22] يَقُولُ: وَلْيَتْرُكُوا عُقُوبَتَهُمْ عَلَى
ذَلِكَ، بِحِرْمَانِهِمْ مَا كَانُوا يُؤْتُونَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لِيَعُودُوا لَهُمْ إِلَى مِثْلِ الَّذِي كَانُوا لَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِفْضَالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22] يَقُولُ: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَسْتُرَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُنُوبَكُمْ بِإِفْضَالِكُمْ عَلَيْهِمْ، فَيَتْرُكَ عُقُوبَتَكُمْ عَلَيْهَا.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ [البقرة: 218] لِذُنُوبِ مَنْ أَطَاعَهُ , وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ، ﴿رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143] رَحِيمٌ بِهِمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ مَعَ اتِّبَاعِهِمْ أَمْرَهُ , وَطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ، عَلَى مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ زَلَّةٍ وَهَفْوَةٍ قَدِ اسْتَغْفَرُوهُ مِنْهَا , وَتَابُوا إِلَيْهِ مِنْ فِعْلِهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: وَثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: وَثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " لَمَّا نَزَلَ هَذَا يَعْنِي قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ فِي عَائِشَةَ، وَفِيمَنْ قَالَ لَهَا مَا قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ وَحَاجَتِهِ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا , وَلَا أَنْفَعُهُ بِنَفْعٍ أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ , وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا مَا أَدْخَلَ قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ . الْآيَةَ.
قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ نَفَقَتُهُ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ:
وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا "
حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ يَقُولُ: «لَا تُقْسِمُوا أَلَّا تَنْفَعُوا أَحَدًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ: " كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَمَوْا عَائِشَةَ بِالْقَبِيحِ , وَأَفْشُوا ذَلِكَ , وَتَكَلَّمُوا بِهِ، فَأَقْسَمَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، أَلَّا يَتَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَلَا يَصِلُهُ، فَقَالَ: لَا يُقْسِمْ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يَصِلُوا أَرْحَامَهُمْ , وَأَنْ يُعْطُوهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَالَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ , وَأَنْ يُعْفَى عَنْهُمْ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عُذْرَ عَائِشَةَ مِنَ السَّمَاءِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَآخَرُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: وَاللَّهِ لَا نَصِلُ رَجُلًا مِنْهُمْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ , وَلَا نَنْفَعُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ يَقُولُ: وَلَا يَحْلِفْ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ قَالَ: " كَانَ مِسْطَحٌ ذَا قَرَابَةٍ.
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور: 22] قَالَ: كَانَ مِسْكِينًا.
﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: 22] كَانَ بَدْرِيًّا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ قَالَ: " أَبُو بَكْرٍ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْفَعَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ كَانَ أَشَاعَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ: بَلَى أَنَا أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَلَأَكُونَنَّ لِيَتِيمِي خَيْرَ مَا كُنْتُ لَهُ قَطُّ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: 23] بِالْفَاحِشَةِ ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25] يَعْنِي الْعَفِيفَاتِ ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: 23] عَنِ الْفَوَاحِشِ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 23] يَقُولُ: أُبْعِدُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
﴿وَلَهُمْ﴾ [البقرة: 7] فِي الْآخِرَةِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7] وَذَلِكَ عَذَابُ جَهَنَّمَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُحْصَنَاتِ اللَّاتِي هَذَا حُكْمُهُنَّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِعَائِشَةَ خَاصَّةً، وَحُكْمٌ مِنَ اللَّهِ فِيهَا وَفِيمَنْ رَمَاهَا، دُونَ سَائِرِ نِسَاءِ أُمَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: ثنا خُصَيْفٌ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " الزِّنَا أَشَدُّ أَمْ قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ؟ فَقَالَ: الزِّنَا.
فَقُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 23] . الْآيَةَ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِعَائِشَةَ خَاصَّةً "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: " رُمِيتُ بِمَا رُمِيتُ بِهِ وَأَنَا غَافِلَةٌ، فَبَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ , قَالَتْ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدِي جَالِسٌ، إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَكَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَخَذَهُ كَهَيْئَةِ السُّبَاتِ.
وَإِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدِي، ثُمَّ اسْتَوَى جَالِسًا يَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَبْشِرِي» قَالَتْ: فَقُلْتُ: بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِكَ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23] . حَتَّى بَلَغَ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ لِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ النِّسَاءِ غَيْرَهُنَّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ
الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23] الْآيَةَ، أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً " وَقَالَ آخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، وَعُنِيَ بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
قَالُوا: فَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَنْ رَمَى مُحْصَنَةً لَمْ تُقَارِفْ سُوءًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا زَيْدٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، قَالَ: " سَأَلْتُ مَيْمُونًا، قُلْتُ: الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89] فَجَعَلَ فِي هَذِهِ تَوْبَةً، وَقَالَ فِي الْأُخْرَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: 23] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] قَالَ مَيْمُونٌ: أَمَّا الْأُولَى , فَعَسَى أَنْ تَكُونَ قَدْ قَارَفَتْ، وَأَمَّا هَذِهِ , فَهِيَ الَّتِي لَمْ تُقَارِفْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ شَيْخٍ، مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَسَّرَ سُورَةَ النُّورِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23] . الْآيَةَ قَالَ: هَذَا فِي شَأْنِ عَائِشَةَ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ مُبْهَمَةٌ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: 89] . الْآيَةَ , قَالَ: فَجَعَلَ لِهَؤُلَاءِ تَوْبَةً، وَلَمْ يَجْعَلْ لِمَنْ قَذَفَ أُولَئِكَ تَوْبَةً.
قَالَ: فَهَمَّ بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْ يَقُومَ إِلَيْهِ فَيُقَبِّلَ رَأْسَهُ مِنْ حُسْنِ مَا فَسَّرَ سُورَةَ النُّورِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] قَالَ: هَذَا فِي عَائِشَةَ، وَمَنْ صَنَعَ هَذَا الْيَوْمَ فِي الْمُسْلِمَاتِ فَلَهُ مَا قَالَ اللَّهُ، وَلَكِنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إِمَامَ ذَلِكَ " وَقَالَ آخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فَأَوْجَبَ الْجَلْدَ , وَقَبِلَ التَّوْبَةَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23] . إِلَى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] يَعْنِي أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَمَاهُنَّ أَهْلُ النِّفَاقِ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ اللَّعْنَةَ وَالْغَضَبَ , وَبَاءُوا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ.
وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 192] فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْجَلْدَ وَالتَّوْبَةَ، فَالتَّوْبَةُ تُقْبَلُ، وَالشَّهَادَةُ تُرَدُّ "
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، وَالْحُكْمُ بِهَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا فِيهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23] كُلَّ مُحْصَنَةٍ غَافِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ رَمَاهَا رَامٍ بِالْفَاحِشَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّ بِذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَكُلُّ رَامٍ مُحْصَنَةً بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَمَلْعُونٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَلَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ قَبْلَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ دَلَّ بِاسْتِثْنَائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: 89] عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ رَامِي كُلِّ مُحْصَنَةٍ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتِ الْمُحْصَنَةُ الْمُؤْمِنَةُ الْمَرْمِيَّةُ، وَعَلَى أَنَّ قَوْلُهُ: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] مَعْنَاهُ: لَهُمْ ذَلِكَ إِنْ هَلَكُوا وَلَمْ يَتُوبُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدَ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: 24] فَـ الْيَوْمُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ [النور: 24] مِنْ صِلَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7] . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: 24] يَوْمُ
الْقِيَامَةِ؛ وَذَلِكَ حِينَ يَجْحَدُ أَحَدُهُمَا مَا اكْتَسَبَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الذُّنُوبِ عِنْدَ تَقْرِيرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهَا، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ حِينَ يُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ؟ قِيلَ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّ أَلْسِنَةَ بَعْضِهِمْ تَشْهَدُ عَلَى بَعْضٍ، لَا أَنَّ أَلْسِنَتَهُمْ تَنْطِقُ وَقَدْ
خُتِمَ عَلَى الْأَفْوَاهِ
وَقَدْ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُرِّفَ الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ، فَجَحَدَ وَخَاصَمَ، فَيُقَالُ لَهُ: هَؤُلَاءِ جِيرَانُكُ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا فَيَقُولُ: أَهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا فَيَقُولُ: أَتَحْلِفُونَ؟ فَيَحْلِفُونَ.
ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ، وَتَشْهَدُ أَلْسِنَتُهُمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ "