تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 168-182

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] فَقَدْ وُصِلَ بِالْأَبَدِ , وَلَا يَجُوزُ قَبُولُهَا أَبَدًا

صفحات 168-182
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: ثني الشَّعْبِيُّ قَالَ: «كَانَ شُرَيْحٌ يُجِيزُ شَهَادَةَ صَاحِبِ كُلِّ عَمَلٍ إِذَا تَابَ إِلَّا الْقَاذِفَ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَلَا نُجِيزُ شَهَادَتَهُ» حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ: ثنا الشَّعْبِيُّ، عَنْ شُرَيْحٍ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: صَاحِبُ كُلِّ حَدٍّ إِذَا كَانَ عَدْلًا يَوْمَ شَهِدَ

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُرَيْحٍ، قَالَ: " كَانَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ، وَيَقُولُ: تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو السَّائِبِ، قَالَا: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ شُرَيْحٍ، فِي الْقَاذِفِ: «يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ؟»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أَتَاهُ خَصْمَانِ، فَجَاءَ أَحَدُهُمَا بِشَاهِدٍ أَقْطَعَ، فَقَالَ الْخَصِمُ: أَلَا تَرَى مَا بِهِ؟ قَالَ: قَدْ أَرَاهُ.
قَالَ: فَسَأَلَ الْقَوْمَ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: «نُجِيزُ شَهَادَةَ كُلِّ صَاحِبِ حَدٍّ، إِذَا كَانَ يَوْمَ شَهِدَ عَدْلًا إِلَّا الْقَاذِفَ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ»

حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ خَصْمَانِ إِلَى شُرَيْحٍ فَجَاءَ أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ، فَجَاءَ بِشَاهِدٍ أَقْطَعَ، فَقَالَ الْخَصِمُ: أَلَا تَرَى إِلَى مَا بِهِ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ: قَدْ رَأَيْنَاهُ، وَقَدْ سَأَلْنَا الْقَوْمَ فَأَثْنَوْا خَيْرًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ.

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ أَبَدًا، تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ , يَعْنِي الْقَاذِفَ»

قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَشْعَثُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، " بِأَنَّ رَبَابًا قَطَعَ رَجُلًا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ , قَالَ: فَقَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ.
قَالَ: ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ، فَشَهِدَ عِنْدَ شُرَيْحٍ، فَأَجَازَ شَهَادَتَهُ.
قَالَ: فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَتُجِيزُ شَهَادَتَهُ عَلَيَّ وَهُوَ أَقْطَعُ؟ قَالَ: فَقَالَ شُرَيْحٌ: كُلُّ صَاحِبِ حَدٍّ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ، فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إِلَّا الْقَاذِفَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ الْمُغِيرَةُ أَخْبَرَنِي , قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: " قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا، تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ.
قَالَ أَبُو مُوسَى: يَعْنِي الْقَاذِفَ "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ

شُرَيْحٌ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ شَهَادَتَهُ أَبَدًا»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ، تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: «الْقَاذِفُ تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَشَهَادَتُهُ لَا تُقْبَلُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ، تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: «الْقَاذِفُ تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَشَهَادَتُهُ لَا تُقْبَلُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُجْلَدُ الْحَدَّ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ «كَانَ لَا يَقْبَلُ لَهُ شَهَادَةً أَبَدًا، وَتَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ , يَعْنِي الْقَاذِفَ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ

شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] قَالَ: " كَانَ يَقُولُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ أَبَدًا، إِنَّمَا تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ "

وَكَانَ 3787 شُرَيْحٌ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ»

حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ تَابَ وَأَصْلَحَ «فَشَهَادَتُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تُقْبَلُ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، أَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] وَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُحَدَّ فِي الْقَذْفِ حَتَّى تَابَ،

إِمَّا بِأَنْ يُرْفَعَ إِلَى السُّلْطَانِ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفَةِ عَنْهُ، وَإِمَّا بِأَنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِحَدِّهَا , وَلَمْ يَكُنْ لَهَا طَالِبٌ يَطْلُبُ بِحَدِّهَا.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَحَدَثَتْ مِنْهُ تَوْبَةٌ صَحَّتْ لَهُ بِهَا الْعَدَالَةُ.
فَإِذْ كَانَ مِنَ الْجَمِيعِ إِجْمَاعًا، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ شَرَطَ فِي كِتَابِهِ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ أَبَدًا بَعْدَ الْحَدِّ فِي رَمْيِهِ، بَلْ نَهَى عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ فِي الْحَالِ الَّتِي أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الْحَدَّ , َسَمَّاهُ فِيهَا فَاسِقًا، كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِي رَمْيِهِ، لَا تَحْدُثُ فِي شَهَادَتِهِ مَعَ التَّوْبَةِ مِنْ ذَنْبِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ حَادِثًا فِيهَا قَبْلَ إِقَامَتِهِ عَلَيْهِ، بَلْ تَوْبَتُهُ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ أَحْرَى أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُ مَعَهَا أَجْوَزَ مِنْهَا قَبْلَ إِقَامَتِهِ عَلَيْهِ , لِأَنَّ الْحَدَّ يَزِيدُ الْمَحْدُودَ عَلَيْهِ تَطْهِيرًا مِنْ جُرْمِهِ الَّذِي اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] فَتَكُونُ التَّوْبَةُ مُسْقِطَةً عَنْهُ الْحَدَّ، كَمَا كَانَتْ لِشَهَادَتِهِ عِنْدَكَ قَبْلَ الْحَدِّ وَبَعْدَهُ مُجِيزَةً , وَلِاسْمِ الْفِسْقِ عَنْهُ مُزِيلَةً؟ قِيلَ: ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ عِنْدَنَا لِلْمَقْذُوفَةِ كَالْقَصَاصِ الَّذِي يَجِبُ لَهَا مِنْ جِنَايَةٍ

يَجْنِيهَا عَلَيْهَا مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنَّ تَوْبَتَهُ مِنْ ذَلِكَ لَا تَضَعُ عَنْهُ الْوَاجِبَ لَهَا مِنَ الْقِصَاصِ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ تَوْبَتُهُ مِنَ الْقَذْفِ لَا تَضَعُ عَنْهُ الْوَاجِبَ لَهَا مِنَ الْحَدِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهَا، إِنْ شَاءَتْ عَفَتْهُ، وَإِنْ شَاءَتْ طَالَبَتْ بِهِ.
فَتَوْبَةُ الْعَبْدِ مِنْ ذَنْبِهِ إِنَّمَا تَضَعُ عَنِ الْعَبْدِ الْأَسْمَاءَ الذَّميِمَةَ وَالصِّفَاتِ الْقَبِيحَةَ، فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمَيِّينَ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ , فَلَا تَزُولُ بِهَا وَلَا تَبْطُلُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَةِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ الَّتِي تُقْبَلُ مَعَهَا شَهَادَتُهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إِكْذَابُهُ نَفْسَهُ فِيهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ قَائِلِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ مَا حَضَرْنَا ذِكْرُهُ مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ قَبْلُ

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا حَفْصٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: «تَوْبَةُ الْقَاذِفِ أَنْ يُكَذِّبَ، نَفْسَهُ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَجُلًا ضُرِبَ حَدًّا فِي قَذْفٍ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ ضَرْبِهِ تَنَاوَلَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ قَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا الزِّنَادِ، فَذَكَرْتُ

ذَلِكَ لَهُ قَالَ: فَقَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ عِنْدَنَا هَا هُنَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ ضَرْبِهِ وَلَمْ نَعْلَمْ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] الْآيَةَ , قَالَ: " مَنِ اعْتَرَفَ وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ عَلَانِيَةً أَنَّهُ قَالَ الْبُهْتَانَ , وَتَابَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا وَالنَّصُوحُ: أَنْ لَا يَعُودُوا، وَإِقْرَارُهُ وَاعْتِرَافُهُ عِنْدَ الْحَدِّ حِينَ يُؤْخَذُ بِالْجَلْدِ فَقَدْ تَابَ , وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: تَوْبَتُهُ مِنْ ذَلِكَ صَلَاحُ حَالِهِ , وَنَدَمُهُ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ , وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ , وَتَرْكُهُ الْعَوْدَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْجُرْمِ.
وَذَلِكَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ قَائِلِيهِ فِيمَا مَضَى، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ تَوْبَةَ كُلِّ ذِي ذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ تَرْكَهُ الْعَوْدَ مِنْهُ، وَالنَّدَمَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ، وَاسْتِغْفَارَ رَبِّهِ مِنْهُ، فِيمَا كَانَ مِنْ ذَنْبٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَهُ , دُونَ مَا كَانَ مِنْ

حُقُوقِ عِبَادِهِ وَمَظَالِمِهِمْ بَيْنَهُمْ.
وَالْقَاذِفُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ أَوْ عُفِيَ عَنْهُ , فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا تَوْبَتُهُ مِنْ جُرْمِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَسَبِيلُ تَوْبَتِهِ مِنْهُ سَبِيلُ تَوْبَتِهِ مِنْ سَائِرِ أَجْرَامِهِ.
فَإِذْ كَانَ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ مَا وَصَفْنَا، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ جُرْمِهِمُ الَّذِي اجْتَرَمُوُهُ بِقَذْفِهِمُ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ بَعْدِ اجْتِرَامِهِمُوهُ ﴿فإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 192] يَقُولُ: سَاتِرٌ عَلَى ذُنُوبِهِمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا، رَحِيمٌ بِهِمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا، فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ , وَلَا تُسَمُّوهُمْ فَسَقَةً، بَلْ سَمُّوهُمْ بِأَسْمَائِهِمُ الَّتِي هِيَ لَهُمْ فِي حَالِ تَوْبَتِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: 4] مِنَ الرِّجَالِ ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] بِالْفَاحِشَةِ، فَيَقْذِفُونَهُنَّ بِالزِّنَا، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ [النور: 6] يَشْهَدُونَ لَهُمْ بِصِحَّةِ مَا رَمُوهُنَّ بِهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) نَصْبًا، وَلِنَصْبِهِمْ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6] مَرْفُوعَةً بِمُضْمَرٍ قَبْلَهَا، وَتَكُونَ (الْأَرْبَعُ) مَنْصُوبًا بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ، فَيَكُونَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: فَعَلَى أَحَدِهِمْ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ مَرْفُوعَةً بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] وَ (الْأَرْبَعُ) مَنْصُوبَةٌ بِوُقُوعِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، كَمَا يُقَالُ: شَهَادَتِي أَلْفَ مَرَّةٍ إِنَّكَ لَرَجُلُ سَوْءٍ , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَرْفَعُ الْأَيْمَانَ بِأَجْوِبَتِهَا، فَتَقُولُ: حَلِفٌ صَادِقٌ لَأَقُومَنَّ، وَشَهَادَةُ عَمْرٍو لَيَقْعُدَنَّ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: ﴿ (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) ﴾ بِرَفْعِ (الْأَرْبَعِ) ، وَيَجْعَلُونَهَا لِلشَّهَادَةِ مُرَافَعَةً، وَكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: فَالَّذِي يَلْزَمُ مِنَ الشَّهَادَةِ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) بِنَصْبِ أَرْبَعٍ، بِوُقُوعِ (الشَّهَادَةِ) عَلَيْهَا، وَ (الشَّهَادَةُ) مَرْفُوعَةٌ حِينَئِذٍ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ قَبْلُ , وَأَحَبُّ وَجْهَيْهِمَا إِلَيَّ أَنْ تَكُونَ بِهِ مَرْفُوعَةً بِالْجَوَابِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ

: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، تَقُومُ مَقَامَ الشُّهَدَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي دَفْعِ الْحَدِّ عَنْهُ.
فَتَرَكَ ذِكْرَ تَقُومُ مَقَامَ الشُّهَدَاءِ الْأَرْبَعَةِ، اكْتِفَاءً بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ، فَصَارَ مُرَافِعُ (الشَّهَادَةِ) مَا وَصَفْتُ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] فَحَلِفُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعَ أَيْمَانٍ بِاللَّهِ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَى زَوْجَتَهُ بِهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ، ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ [النور: 7] يَقُولُ: وَالشَّهَادَةُ الْخَامِسَةُ ﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَقُولُ: إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ لَهُ وَاجِبَةٌ , وَعَلَيْهِ حَالَّةٌ إِنْ كَانْ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَتْ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ، وَذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: اللَّهِ إِنْ أَنَا رَأَيْتُ لَكَاعَ مُتَفَخِّذَهَا رَجُلٌ , فَقُلْتُ بِمَا رَأَيْتُ , إِنَّ فِي ظَهْرِي لَثَمَانِينَ إِلَى مَا أَجْمَعُ أَرْبَعَةً؟ قَدْ ذَهَبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , لَا تَلُمْهُ وَذَكَرُوا مِنْ غَيْرَتِهِ فَمَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا بِكْرًا، وَلَا طَلَّقَ امْرَأَةً قَطُّ فَرَجَعَ فِيهَا أَحَدٌ مِنَّا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْبَى إِلَّا ذَاكَ» , فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا يُجْعَلُ فِي ظَهْرِي ثَمَانِينَ أَبَدًا، لَقَدْ نَظَرْتُ حَتَّى أَيْقَنْتُ، وَلَقَدِ اسْتَسْمَعْتُ حَتَّى اسْتَشْفَيْتُ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِاللَّعَّانِ، فَقِيلَ لَهُ: احْلِفْ فَحَلَفَ قَالَ: «قِفُوهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ» . فَقَالَ: لَا يُدْخِلُهُ اللَّهُ النَّارَ بِهَذَا أَبَدًا، كَمَا دَرَأَ عَنْهُ جَلْدَ ثَمَانِينَ، لَقَدْ نَظَرْتُ حَتَّى أَيْقَنْتُ، وَلَقَدِ اسْتَسْمَعْتُ حَتَّى

اسْتَشْفَيْتُ فَحَلَفَ , ثُمَّ قِيلَ: احْلِفِي فَحَلَفَتْ , ثُمَّ قَالَ: «قِفُوهَا عِنْدَ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ» . فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أُخْزِي قَوْمِيَ، فَحَلَفَتْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي قِيلَ فِيهِ مَا قِيلَ» . قَالَ: فَجَاءَتْ بِهِ غُلَامًا كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ، فَكَانَ بَعْدُ أَمِيرًا بِمِصْرَ، لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ، أَوْ لَا يُدْرَى مَنْ أَبُوهُ "

حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبَّادٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَهَكَذَا أُنْزِلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لَوْ أَتَيْتُ لَكَاعَ قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ، لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَهِيجَهُ وَلَا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِآتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَمَا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟» قَالُوا: لَا تَلُمْهُ , فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، مَا تَزَوَّجَ فِينَا قَطُّ إِلَّا عَذْرَاءَ , وَلَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا أَنْ يَتَزَوَّجُهَا قَالَ سَعْدٌ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ , وَأَنَّهَا حَقٌّ، وَلَكِنْ عَجِبْتُ لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعَ قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهِيجَهُ وَلَا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَاللَّهِ لَا آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ فَوَاللَّهِ مَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ حَدِيقَةٍ لَهُ، فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ، وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ، فَأَمْسَكَ حَتَّى أَصْبَحَ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَهْلِيَ عِشَاءً، فَوَجَدْتُ رَجُلًا مَعَ أَهْلِي، رَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ وَسَمِعْتُ بِأُذُنَيَّ.
فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَتَاهُ بِهِ , وَثَقُلَ عَلَيْهِ جِدًّا، حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنِّي لَأَرَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِكَ مِمَّا أَتَيْتُكَ بِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ، وَمَا قُلْتُ إِلَّا حَقًّا، فَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فَرَجًا.
قَالَ: وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ، فَقَالُوا: ابْتُلِينَا بِمَا قَالَ سَعْدٌ، أَيُجْلَدُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ , وَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ؟ فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَرْبِهِ، فَإِنَّهُ لَكَذَلِكَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي، فَأَمْسَكَ أَصْحَابُهُ عَنْ كَلَامِهِ حِينَ عَرَفُوا أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ نَزَلَ، حَتَّى فَرَغَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] . إِلَى: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 9] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبْشِرْ يَا هِلَالُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ فَرَجًا» فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْسِلُوا إِلَيْهَا» فَجَاءَتْ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا

عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهَا، فَكَذَّبَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟» فَقَالَ هِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي وَأُمِّي , لَقَدْ صَدَقْتُ وَمَا قُلْتُ إِلَّا حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَاعِنُوا بَيْنَهُمَا» قِيلَ لِهِلَالٍ: يَا هِلَالُ اشْهَدْ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ: يَا هِلَالُ اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ النَّاسِ، إِنَّهَا الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعَذَابَ.
فَقَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا , كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدَ الْخَامِسَةَ: ﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ثُمَّ قِيلَ لَهَا: اشْهَدِي فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، فَقِيلَ لَهَا عِنْدَ الْخَامِسَةِ: اتَّقِي اللَّهَ، فَإِنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ النَّاسِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ , الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكِ الْعَذَابَ.
فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي، فَشَهِدَتِ الْخَامِسَةَ: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 9] فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لَهَا، وَلَا يُدْعَى لِأَبٍ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا "

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَذَفَ

هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ امْرَأَتَهُ، قِيلَ لَهُ: وَاللَّهِ لَيَجْلِدَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً قَالَ: اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَضْرِبَنِي ضَرْبَةً وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ حَتَّى اسْتَيْقَنْتُ , وَسَمِعْتُ حَتَّى اسْتَثْبَتُّ، لَا وَاللَّهِ لَا يَضْرِبُنِي أَبَدًا فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ، فَدَعَا بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَالَ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» ؟ فَقَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ إِنِّي لَصَادِقٌ.
فَقَالَ لَهُ: " احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: إِنِّي لَصَادِقٌ «يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ» فَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قِفُوهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ» فَحَلَفَ.
ثُمَّ قَالَتْ أَرْبَعًا: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَعَلَيْهَا غَضَبُ اللَّهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قِفُوهَا عِنْدَ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ» فَتَرَدَّدَتْ , وَهَمَّتْ بِالِاعْتِرَافِ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي "

جارٍ التحميل