وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: 29] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَحُسْنُ مُنْقَلَبٍ، كَمَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 36]
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادِ﴾ [الرعد: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَنْ إِصَابَةِ الْحَقِّ وَالْهُدَى بِخُذْلَانِهِ إِيَّاهُ، فَمَا لَهُ أَحَدٌ يَهْدِيهِ لِإِصَابَتِهِمَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَالُ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَمَعُونَتِهِ، وَذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ وَإِلَيْهِ دُونَ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالْإِسَارِ وَالْآفَاتِ الَّتِي يُصِيبُهُمُ اللَّهُ بِهَا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ [الرعد: 34] يَقُولُ:
وَلَتَعْذِيبُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ تَعْذِيبِهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا وَأَشَقُّ، إِنَّمَا هُو «أَفْعَلُ» مِنَ الْمَشَقَّةِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مِنْ أَحَدٍ يَقِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِذَا عَذَّبَهُمْ، لَا حَمِيمٌ وَلَا وَلِيُّ وَلَا نَصِيرٌ، لِأَنَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لَا يُعَادِهِ أَحَدٌ فَيَقْهَرَهُ فَيُخَلِّصُهُ مِنْ عَذَابِهِ بِالْقَهْرِ، وَلَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَيْسَ يَأْذَنُ لِأَحَدٍ فِي الشَّفَاعَةِ لِمَنْ كَفَرَ
بِهِ فَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ مِنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: 35] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي رَافِعِ «الْمَثَلُ» ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ الرَّافِعُ لِلْمَثَلِ قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] فِي الْمَعْنَى، وَقَالَ: هُوَ كَمَا تَقُولُ حِلْيَةُ فُلَانٍ أَسْمَرُ كَذَا وَكَذَا، فَلَيْسَ الْأَسْمَرُ بِمَرْفُوعٍ بِالْحِلْيَةِ، إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ، أَيْ هُوَ أَسْمَرُ هُو كَذَا، قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ أَنَّ فِيَ مِثْلِ هَذَا كَانَ صَوَابًا قَالَ: وَمَثَلُهُ فِي الْكَلَامِ مَثَلُكَ أَنَّكَ كَذَا وَأَنَّكَ كَذَا وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أنا﴾ [عبس: 25] مَنْ وَجَّهَ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ [محمد: 15] وَمَنْ قَالَ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ﴾ [عبس: 25] أَظْهَرَ الِاسْمَ، لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى الطَّعَامِ بِالْخَفْضِ، وَمُسْتَأْنَفٌ، أَيْ: طَعَامُهُ أَنَّا صَبَبْنَا ثُمَّ فَعَلْنَا.
وَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: 35] : صِفَاتُ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ مَعْنَى ذَلِكَ: صِفَةُ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: 27] مَعْنَاهُ: وَلِلَّهِ الصِّفَةُ الْعُلْيَا.
قَالَ: فَمَعْنَى الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الرعد: 35] أَوْ فِيهَا أَنْهَارٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَصَفَ الْجَنَّةَ صِفَةً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، أَوْ صِفَةً فِيهَا أَنْهَارٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَوَجْهٌ آخَرَ: كَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ: مَثَلُ الْجَنَّةِ قِيلَ: الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، قَالَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30] كَأَنَّهُ قَالَ: بِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56] فِي ذَاتِ اللَّهِ، كَأَنَّهُ عِنْدَنَا قِيلَ: فِي اللَّهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] إِنَّمَا الْمَعْنَى: لَيْسَ كَشَيْءٍ، وَلَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: لَيْسَ كَمِثْلِكَ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ، وَاللَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
[البحر الطويل]
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا
قَالَ: وَفَسَّرَ لَنَا أَنَّهُ أَرَادَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمَا؛ قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
[البحر المتقارب]
وَقَتْلَى كِرَامٍ كَمِثْلِ الْجُذُوعِ ... تَغَشَّاهُمُ سَبَلٌ مُنْهَمِرْ
قَالَ: وَالْمَعْنَى عِنْدَنَا: كَالْجُذُوعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ أَنْ يَجْعَلَ لِلْجُذُوعِ مِثْلًا ثُمَّ يُشَبِّهُ الْقَتْلَى بِهِ قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ:
[البحر الكامل]
زُحَلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ ... وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ
قَالَ: فَقَالَ تَحْتَ رَجْلِ يَمِينِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: تَحْتَ رِجْلِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى قَالَ: وَقَوْلُ لَبِيدٍ:
[البحر الوافر]
أَضَلَّ صِوَارَهُ وَتَضَيَّفَتْهُ ... نَطُوفٌ أَمْرُهَا بِيَدِهِ الشِّمَالِ
كَأَنَّهُ قَالَ: أَمْرُهَا بِالشِّمَالِ وَإِلَى الشِّمَالِ، وَقَوْلُ لَبِيدٍ أَيْضًا:
حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ
فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى وَقَعَتْ فِي كَافِرٍ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: هُوَ الْمَكْفُوفُ عَنْ خَبَرِهِ، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ: وَلَهُ مَعْنًى آخَرُ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد: 18] مَثَلُ الْجَنَّةِ مَوْصُولٌ صِفَةٌ لَهَا عَلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: أَنْ يُقَالَ ذُكِرَ الْمَثَلُ، فَقَالَ مَثَلُ الْجَنَّةِ، وَالْمُرَادُ الْجَنَّةُ، ثُمَّ وُصِفَتِ الْجَنَّةُ بِصِفَتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَثَلَهَا إِنَّمَا هُوَ صِفَتُهَا وَلَيْسَتْ صِفَتُهَا شَيْئًا غَيْرَهَا وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَثَلَ، فَقِيلَ: مَثَلُ الْجَنَّةِ، وَمَثَلُهَا صِفَتُهَا وَصِفَةُ الْجَنَّةِ، فَكَانَ وَصْفُهَا كَوَصْفِ الْمَثَلِ، وَكَانَ كَأَنَّ الْكَلَامَ جَرَى بِذِكْرِ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ: الْجَنَّةُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
أَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الْهِلَالِ فَذَكَرَ الْمَرَّ، وَرَجَعَ فِي الْخَبَرِ إِلَى السِّنِينَ
وَقَوْلُهُ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: 35] يَعْنِي: مَا يُؤْكَلُ فِيهَا، يَقُولُ: هُوَ دَائِمٌ لِأَهْلِهَا، لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ، وَلَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ، وَلَكِنَّهُ ثَابِتٌ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، ﴿وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: 35] : يَقُولُ: وَظِلُّهَا أَيْضًا دَائِمٌ، لِأَنَّهُ لَا شَمْسَ فِيهَا.
﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الرعد: 35] يَقُولُ: هَذِهِ الْجَنَّةُ الَّتِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَاقِبَةَ الَّذِينَ
اتَّقَوُا اللَّهَ، فَاجْتَنَبُوا مَعَاصِيهِ، وَأَدَّوْا فَرَائِضَهُ