تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 445-456

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: 31] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ

صفحات 445-456
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] أَيْ لَا تَجْعَلُوا حَرَامَهَا حَلَالًا، وَلَا حَلَالَهَا حَرَامًا، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الشِّرْكِ، فَإِنَّمَا النَّسِيءُ الَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 37] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ: " ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] قَالَ: ظُلْمُ أَنْفُسِكُمْ: أَنْ لَا

تُحَرِّمُوهُنَّ كَحُرْمَتِهِنَّ "

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ.
قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: " ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] قَالَ: ظُلْمُ أَنْفُسِكُمْ أَنْ لَا تُحَرِّمُوهُنَّ كَحُرْمَتِهِنَّ " حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، بِنَحْوِهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: فَلَا تَظْلِمُوا فِي الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ أَنْفُسَكُمْ بِاسْتِحْلَالِ حَرَامِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَظَّمَهَا وَعَظَّمَ حُرْمَتَهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ [التوبة: 36] فَأَخْرَجَ الْكِنَايَةَ عَنْهُ مَخْرَجَ الْكِنَايَةِ عَنْ جَمْعٍ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ إِذَا كَنَّتْ عَنْهُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ خَلَوْنَ، وَلِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بَقِينَ، وَإِذَا أَخْبَرَتْ عَمَّا فَوْقَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْعِشْرِينَ، قَالَتْ: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ، وَلِأَرْبَعَ عَشْرَةَ مَضَتْ.
فَكَانَ فِي قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] وَإِخْرَاجِهِ كِنَايَةَ عَدَدِ الشُّهُورِ الَّتِي نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ظُلْمِ أَنْفُسِهِمْ فِيهِنَّ مَخْرَجَ عَدَدِ الْجَمْعِ الْقَلِيلِ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْهَاءَ وَالنُّونَ مِنْ ذِكْرِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ الِاثْنَيِ الْعَشَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كِنَايَةً عَنِ الِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لَكَانَ: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهَا أَنْفُسَكُمْ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ذَكَرْتَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِهَا إِخْرَاجُ كِنَايَةِ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ بِالْهَاءِ دُونَ النُّونِ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل] أَصْبَحْنَ فِي قُرْحَ وَفِي دَارَاتِهَا ... سَبْعَ لَيَالٍ غَيْرَ مَعْلُوفَاتِهَا وَلَمْ يَقُلْ: مُعْلُوفَاتِهِنَّ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ السَّبْعِ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَلَيْسَ الْأَصَحَّ الْأَعْرَفَ فِي كَلَامِهَا، وَتَوْجِيهُ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَفْصَحِ الْأَعْرَفِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْأَنْكَرِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا لَنَا ظُلْمُ أَنْفُسِنَا فِي غَيْرِهِنَّ مِنْ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ؟ قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْنَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَظَّمَ حُرْمَةَ هَؤُلَاءِ الْأَشْهُرِ وَشَرَفَهُنَّ عَلَى سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ، فَخَصَّ الذَّنْبَ فِيهِنَّ بِالتَّعْظِيمِ كَمَا خَصَّهُنَّ بِالتَّشْرِيفِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ كُلِّهَا بِقَوْلِهِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: 238] وَلَمْ يُبِحْ تَرْكَ

الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِنَّ بِأَمْرِهِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ زَادَهَا تَعْظِيمًا وَعَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا تَوْكِيدًا وَفِي تَضْيِيعِهَا تَشْدِيدًا، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36]

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] فَإِنَّهُ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، مُؤْتَلِفِينَ غَيْرَ مُفْتَرِقِينَ، كَمَا يُقَاتِلُكُمُ الْمُشْرِكُونَ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] أَمَّا كَافَّةً فَجَمِيعٌ وَأَمْرُكُمْ مُجْتَمِعٌ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] يَقُولُ: جَمِيعًا "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] أَيْ جَمِيعًا " وَالْكَافَّةُ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تُذَكَّرُ وَلَا تُجْمَعُ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ بِلَفْظِ فَاعِلِهِ فَإِنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ كَالْعَافِيَةِ وَالْعَاقِبَةِ، وَلَا تُدْخِلُ الْعَرَبُ فِيهَا الْأَلْفَ وَاللَّامَ لِكَوْنِهَا آخِرَ الْكَلَامِ مَعَ الَّذِي فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَمَا لَمْ يُدْخِلُوهَا إِذَا قَالُوا: قَامُوا مَعًا وَقَامُوا جَمِيعًا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أَنَّكُمْ إِنْ قَاتَلْتُمُ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، وَاتَّقَيْتُمُ اللَّهَ فَأَطَعْتُمُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ وَلَمْ تُخَالِفُوا أَمْرَهُ فَتَعْصُوهُ، كَانَ اللَّهُ مَعَكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَغْلِبْهُ شَيْءٌ؛

لِأَنَّ اللَّهَ مَعَ مَنِ اتَّقَاهُ فَخَافَهُ وَأَطَاعَهُ فِيمَا كَلَّفَهُ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا النَّسِيءُ إِلَّا زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ، وَالنَّسِيءُ مَصْدَرٌ

مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَسَأْتَ فِي أَيَّامِكَ وَنَسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِكَ: أَيْ زَادَ اللَّهُ فِي أَيَّامِ عُمُرِكَ وَمَدَّةِ حَيَاتِكَ حَتَّى تَبْقَى فِيهَا حَيًّا.
وَكُلُّ زِيَادَةٍ حَدَثَتْ فِي شَيْءٍ، فَالشَّيْءُ الْحَادِثُ فِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِسَبَبِ مَا حَدَثَ فِيهِ نَسِيءٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلَّبَنِ إِذَا كَثُرَ بِالْمَاءِ نَسِيءٌ، وَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ الْحُبْلَى نَسُوءٌ، وَنَسِئَتِ الْمَرْأَةُ؛ لِزِيَادَةِ الْوَلَدِ فِيهَا، وَقِيلَ: نَسَأَتِ النَّاقَةُ وَأَنْسَأْتُهَا: إِذَا زَجَرْتُهَا لِيَزْدَادَ سَيْرُهَا.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّسِيءَ فَعِيلٌ صُرِفَ إِلَيْهِ مِنْ مَفْعُولٍ، كَمَا قِيلَ: لَعِينٌ وَقَتِيلٌ، بِمَعْنَى مَلْعُونٍ وَمَقْتُولٍ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا الشَّهْرُ الْمُؤَخَّرُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ.
وَكَأَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا التَّأْخِيرُ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ أَهْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ مِنْ شُهُورِ الْحَرَمِ الْأَرْبَعَةِ وَتَصْيِيرِهِمُ الْحَرَامَ مِنْهُنَّ حَلَالًا

وَالْحَلَالَ مِنْهُنَّ حَرَامًا، زِيَادَةٌ فِي كُفْرِهِمْ وَجُحُودِهِمْ أَحْكَامَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (إِنَّمَا النَّسْيُ) بِتَرْكِ الْهَمْزِ وَتَرْكِ مَدِّهِ: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 37] . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ: (يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بِمَعْنَى: يُضِلُّ اللَّهُ بِالنَّسِيءِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ وَأَحْدَثُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: (يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بِمَعْنَى: يَزُولُ عَنْ حُجَّةِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا لِعِبَادِهِ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ إِلَى مَرْضَاتِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: (يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بِمَعْنَى: يُضِلُّ بِالنَّسِيءِ الَّذِي سَنَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، النَّاسَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: هُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، قَدْ قَرَأَتْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ الْقُرَّاءُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ فَهُوَ ضَالٌّ وَمَنْ ضَلَّ فَبِإِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَخُذْلَانِهِ لَهُ ضَلَّ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ لِلصَّوَابِ فِي ذَلِكَ مُصِيبٌ.

وَأَمَّا الصَّوَابُ مِنَ الْقُرَّاءِ فِي النَّسِيءِ، فَالْهَمْزُ، وَقِرَاءَتُهُ عَلَى تَقْدِيرِ فَعِيلٍ؛ لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافَهَا فِيمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: يُحِلُّ الَّذِينَ كَفَرُوا النَّسِيءَ، وَالْهَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ [التوبة: 37] عَائِدَةٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: يُحِلُّونَ الَّذِينَ أَخَّرُوا تَحْرِيمَهُ مِنَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ الْحُرُمِ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: لِيُوَافِقُوا بِتَحْلِيلِهِمْ مَا حَلَّلُوا مِنَ الشُّهُورِ وَتَحْرِيمِهِمْ مَا حَرَّمُوا مِنْهَا، عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: 37] يَقُولُ: حُسِّنَ لَهُمْ وَحُبِّبَ إِلَيْهِمْ سَيِّئُ أَعْمَالِهِمْ وَقَبِيحُهَا وَمَا خُولِفَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ وَطَاعِتُهُ.
﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 264] يَقُولُ: وَاللَّهُ لَا يُوَفِّقُ لِمَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ وَحِلِّهَا وَمَا لِلَّهِ فِيهِ رِضًا، الْقَوْمَ الْجَاحِدِينَ تَوْحِيدَهُ وَالْمُنْكِرِينَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّهُ يَخْذِلُهُمْ عَنِ الْهُدَى كَمَا خَذَلَ هَؤُلَاءِ النَّاسِ عَنِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ

ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] قَالَ: النَّسِيءُ: هُوَ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيَّ كَانَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ فِي كُلِّ عَامٍ، وَكَانَ يُكْنَى أَبَا ثُمَامَةَ، فَيُنَادِي: أَلَا إِنَّ أَبَا ثُمَامَةَ لَا يُحَابُ وَلَا يُعَابُ، أَلَا وَإِنَّ صَفَرَ الْعَامَ الْأَوَّلَ حَلَالٌ، فَيُحِلُّهُ النَّاسُ، فَيُحَرِّمُ صَفَرَ عَامًا، وَيُحَرِّمُ الْمُحَرَّمَ عَامًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 37] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] يَقُولُ: يَتْرُكُونَ الْمُحَرَّمَ عَامًا، وَعَامًا يُحَرِّمُونَهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ مِنْ تَأْوِيلِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (النَّسْيُ) بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ وَتَرْكِ الْمَدِّ، وَتَوْجِيهُهُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى أَنَّهُ فَعْلٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَسِيتُ الشَّيْءَ أَنْسَاهُ، وَمِنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] بِمَعْنَى: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهُمْ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] قَالَ: فَهُوَ الْمُحَرَّمُ كَانَ يُحَرَّمُ عَامًا وَصَفَرٌ عَامًا، وَزِيدَ صَفَرٌ آخَرُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَكَانُوا يُحَرِّمُونَ صَفَرًا مَرَّةً وَيُحِلُّونَهُ مَرَّةً، فَعَابَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَبَنُو سُلَيْمٍ

تَفْعَلُهُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] قَالَ: كَانَ النَّسِيءُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَكَانَ ذَا رَأْيٍ فِيهِمْ، وَكَانَ يَجْعَلُ سَنَةَ الْمُحَرَّمِ صَفَرًا، فَيَغْزُونَ فِيهِ فَيَغْتَنِمُونَ فِيهِ وَيُصِيبُونَ، وَيُحَرِّمُهُ سَنَةً "

قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] الْآيَةُ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُسَمَّى النَّسِيءَ، فَكَانَ يَجْعَلُ الْمُحَرَّمَ صَفَرَ وَيَسْتَحَلُّ فِيهِ الْغَنَائِمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا إِدْرِيسُ، قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يَأْتِي كُلَّ عَامٍ فِي الْمَوْسِمِ عَلَى حِمَارٍ لَهُ، فَيَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَا أُعَابُ وَلَا أُحَابُ، وَلَا مَرَدٌّ لِمَا أَقُولُ، إِنَّا قَدْ حَرَّمْنَا الْمُحَرَّمَ، وَأَخَّرْنَا صَفَرَ، ثُمَّ يَجِيءُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ بَعْدَهُ، فَيَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّا قَدْ حَرَّمْنَا صَفَرَ، وَأَخَّرْنَا الْمُحَرَّمَ، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ لِتَأْخِيرِ هَذَا الشَّهْرِ الْحَرَامِ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] النَّسِيءُ: الْمُحَرَّمُ، وَكَانَ يُحَرِّمُ الْمُحَرَّمَ عَامًا وَيُحَرِّمُ صَفَرًا عَامًا، فَالزِّيَادَةُ صَفَرٌ، وَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ الشُّهُورَ حَتَّى يَجْعَلُونَ صَفَرَ الْمُحَرَّمَ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَبَنُو سُلَيْمٍ يُعَظِّمُونَهُ، هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 37] عَمَدَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ، فَزَادُوا صَفَرًا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَكَانَ يَقُومُ قَائِمُهُمْ فِي الْمَوْسِمِ، فَيَقُولُ: أَلَا إِنَّ آلِهَتَكُمْ قَدْ حَرَّمَتِ الْعَامَ الْمُحَرَّمَ، فَيُحَرِّمُونَهُ ذَلِكَ الْعَامَ.
ثُمَّ يَقُولُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَقُولُ: أَلَا إِنَّ آلِهَتَكُمْ قَدْ حَرَّمَتْ صَفَرَ، فَيُحَرِّمُونَهُ ذَلِكَ الْعَامَ.
وَكَانَ يُقَالُ لَهُمَا: الصَّفَرَانُ.
قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَسَأَ النَّسِيءَ بَنُو مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً: أَبُو ثُمَامَةَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ أَحَدُ بَنِي فُقَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِنَانَةَ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
قَالَ: وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الْأَشْهُرَ: ذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَصَفَرُ، وَرَبِيعٌ، وَرَبِيعٌ، وَجُمَادَى، وَجُمَادَى، وَرَجَبٌ، وَشَعْبَانُ،

وَرَمَضَانُ، وَشَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، يَحُجُّونَ فِيهِ مَرَّةً ثُمَّ يَسْكُتُونَ عَنِ الْمُحَرَّمِ فَلَا يَذْكُرُونَهُ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيُسَمُّونَ صَفَرَ صَفَرَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ رَجَبَ جُمَادَى الْآخِرَةَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَعْبَانَ رَمَضَانَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ رَمَضَانَ شَوَّالًا، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْقَعْدَةِ شَوَّالًا، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْحِجَّةِ ذَا الْقَعْدَةِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ ذَا الْحِجَّةِ فَيَحُجُّونَ فِيهِ، وَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ ذُو الْحِجَّةِ.
ثُمَّ عَادُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ، حَتَّى وَافَقَ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْآخِرَ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّتَهُ الَّتِي حَجَّ، فَوَافَقَ ذَا الْحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] قَالَ: حَجُّوا فِي ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرَ عَامَيْنِ، فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ، حَتَّى وَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ الْآخِرَ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَةٍ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَابِلٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] قَالَ: كَانُوا يَجْعَلُونَ السَّنَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، فَيَسْتَحِلُّونَ فِيهِ الْحُرُمَاتِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 37] الْآيَةَ.
قَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ الْقَلَمَّسُ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، يَلْقَى الرَّجُلُ قَاتَلَ أَبِيهِ فَلَا يَمُدُّ إِلَيْهِ يَدَهُ.
فَلَمَّا كَانَ هُوَ، قَالَ: اخْرُجُوا بِنَا، قَالُوا لَهُ: هَذَا الْمُحَرَّمُ.
فَقَالَ: نَنْسَؤُهُ الْعَامَ، هُمَا الْعَامُ صَفَرَانِ، فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ قَضَيْنَا فَجَعَلْنَاهُمَا مُحَرَّمَيْنِ، قَالَ: فَفَعَلَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ عَامُ قَابِلٍ، قَالَ: لَا تَغْزُوا فِي صَفَرٍ حَرِّمُوهُ مَعَ الْمُحَرَّمِ، هُمَا مُحَرَّمَانِ، الْمُحَرَّمُ أَنْسَأْنَاهُ عَامًا أَوَّلَ وَنَقْضِيهِ، ذَلِكَ الْإِنْسَاءُ " وَقَالَ شَاعِرُهُمْ [البحر الوافر]

وَمِنَّا مُنْسِئُ الشَّهْرِ الْقَلَمَّسْ

وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ

جارٍ التحميل