تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 84-96

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: 177] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: الْمُسْتَطْعِمِينَ الطَّالِبِينَ

صفحات 84-96
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: 177] قَالَ: الَّذِي يَسْأَلُكَ "

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: وَفِي فَكِّ الرِّقَابِ مِنَ الْعُبُودَةِ، وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ مِنَ الْعُبُودَةِ بِأَدَاءِ كِتَابَاتِهِمُ الَّتِي فَارَقُوا عَلَيْهَا سَادَاتِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: 177] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 177] أَدَامَ الْعَمَلَ بِهَا بِحُدُودِهَا، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 177] أَعْطَاهَا عَلَى مَا فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَهَلْ مِنْ حَقٍّ يَجِبُ فِي مَالٍ إِيتَاؤُهُ فَرْضًا غَيْرَ الزَّكَاةِ؟

قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ حُقُوقٌ تَجِبُ سِوَى الزَّكَاةِ وَاعْتَلُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالُوا: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَآتَى

الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177] وَمَنْ سَمَّى اللَّهُ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 177] عَلِمْنَا أَنَّ الْمَالَ الَّذِي وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَهُ ذَوِي الْقُرْبَى، وَمَنْ سَمَّى مَعَهُمْ غَيْرَ الزَّكَاةِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُؤْتُونَها؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَالًا وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ لِتَكْرِيرِهِ مَعْنًى مَفْهُومٍ.
قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَوْلًا لَا مَعْنَى لَهُ، عَلِمْنَا أَنَّ حُكْمَ الْمَالِ الْأَوَّلِ غَيْرُ الزَّكَاةِ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْدُ غَيْرُهُ.
قَالُوا: وَبَعْدُ فَقَدْ أَبَانَ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الزَّكَاةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَصَفَ إِيتَاءَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ أَتَوْهُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، فَعَرَفَ عِبَادَهُ بِوَصْفِهِ مَا وَصَفَ مِنْ أَمْرِهِمُ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَضَعُوا فِيهَا زَكَوَاتِهِمْ ثُمَّ دَلَّهُمْ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 177] أَنَّ الْمَالَ الَّذِي آتَاهُ الْقَوْمُ هُوَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ كَانَتْ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانَ أَهْلُ سُهْمَانِهِمُ الَّذِينَ أُخْبِرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ أَنَّ الْقَوْمَ أَتَوْهُمْ أَمْوَالَهِمْ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: 177] فَإِنْ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ لَا يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ بَعْدَ الْمُعَاهَدَةِ، وَلَكِنْ يُوفُونَ بِهِ وَيُتِمُّونَهُ عَلَى مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ مَنْ عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ

كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: 177] قَالَ «فَمَنْ أَعْطَى عَهْدَ اللَّهِ ثُمَّ نَقَضَهُ فَاللَّهُ يَنْتَقِمُ مِنْهُ، وَمَنْ أَعْطَى ذِمَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ غَدَرَ بِهَا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

وَقَدْ بَيَّنْتُ الْعَهْدَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: 177] قَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ الصَّبْرِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَالْمَانِعِينَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَأْسَاءِ، وَالضَّرَّاءِ، وَحِينَ الْبَأْسِ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ لَهُمُ الْحَابِسِيهَا عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ

بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، وَحَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا جَمِيعًا: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ «أَمَا الْبَأْسَاءُ فَالْفَقْرُ، وَأَمَّا الضَّرَّاءُ فَالسُّقْمُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبِي، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَا جَمِيعًا: ثنا شَرِيكٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ «الْبَأْسَاءُ الْجُوعُ، وَالضَّرَّاءُ الْمَرَضُ»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ " الْبَأْسَاءُ: الْحَاجَةُ، وَالضَّرَّاءُ: الْمَرَضُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ " كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ الْبَأْسَاءَ: الْبُؤْسُ وَالْفَقْرُ، وَأَنَّ الضَّرَّاءَ: السُّقْمُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ أَيُّوبُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83] "

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ " الْبُؤْسُ: الْفَاقَةُ، وَالْفَقْرُ، وَالضَّرَّاءُ فِي النَّفْسِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مَرَضٍ يُصِيبُهُ فِي جَسَدِهِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ " الْبَأْسَاءُ: الْبُؤْسُ، وَالضَّرَّاءُ: الزَّمَانَةُ فِي الْجَسَدِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ " الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ: الْمَرَضُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ " الْبَأْسَاءُ: الْبُؤْسُ وَالْفَقْرُ، وَالضَّرَّاءُ: السَّقَمُ، وَالْوَجَعُ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: 177] " أَمَا الْبَأْسَاءُ: الْفَقْرُ، وَالضَّرَّاءُ: الْمَرَضُ " وَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَأْسَاءُ، وَالضَّرَّاءُ مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَعْلَاءَ لَيْسَ لَهُ أَفْعَلُ لِأَنَّهُ اسْمٌ، كَمَا قَدْ جَاءَ أَفْعَلُ فِي الْأَسْمَاءِ لَيْسَ لَهُ فَعْلَاءُ نَحْوَ أَحْمَدَ، وَقَدْ قَالُوا فِي الصِّفَةِ أَفْعَلُ وَلَمْ يَجِئْ لَهُ فَعْلَاءُ، فَقَالُوا: أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ أَوْجَلُ، وَلَمْ يَقُولُوا وَجْلَاءَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، فَإِنَّ الْبَأْسَاءَ الْبُؤْسُ، وَالضَّرَّاءَ الضُّرُّ، وَهُوَ اسْمٌ يَقَعُ إِنْ شِئْتَ لِمُؤَنَّثٍ وَإِنْ شِئْتَ لِمُذَكَّرٍ كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ: [البحر الطويل] فَتُنْتِجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ ... كَأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ يَعْنِي فَتَنْتِجْ لَكُمْ غِلْمَانَ شُؤْمٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ اسْمًا يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مُذَّكِرٍ وَمُؤَنَّثٍ لَجَازَ إِجْرَاءُ أَفْعَلَ فِي النَّكِرَةِ، وَلَكِنَّهُ اسْمٌ قَامَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: «لَئِنْ طَلَبْتُ نُصْرَتَهُمْ لَتَجِدَنَّهُمْ غَيْرَ أَبْعَدَ» بِغَيْرِ إِجْرَاءٍ؛ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ لِأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَصْدَرًا فَوَقَعَ بِتَأْنِيثٍ لَمْ يَقَعْ بِتَذْكِيرٍ، وَلَوْ وَقَعَ بِتَذْكِيرٍ لَمْ يَقَعْ بِتَأْنِيثٍ؛ لِأَنَّ مَنْ سُمِّيَ بِأَفْعَلَ لَمْ يُصْرَفْ إِلَى فُعْلَى، وَمَنْ سُمِّيَ بِفُعْلَى لَمْ يُصْرَفْ إِلَى أَفْعَلَ، لِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ يَبْقَى بِهِيئَتِهِ لَا يُصْرَفُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُمَا لُغَتَانِ، فَإِذَا وَقَعَ بِالتَّذْكِيرِ كَانَ بِأَمْرٍ أَشْأَمَ، وَإِذَا وَقَعَ الْبَأْسَاءُ،

وَالضَّرَّاءُ، وَقَعَ الْخُلَّةُ الْبَأْسَاءِ، وَالْخُلَّةُ الضَّرَّاءِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُبْنَ عَلَى الضَّرَّاءِ الْأَضَرُّ وَلَا عَلَى الْأَشْأَمِ الشَّأْمَاءُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنْ تَأْنِيثِهِ التَّذْكِيرُ وَلَا مِنْ تَذْكِيرِهِ التَّأْنِيثُ، كَمَا قَالُوا: امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ، وَلَمْ يَقُولُوا: رَجُلٌ أَحْسَنُ، وَقَالُوا: رَجُلٌ أَمْرَدُ، وَلَمْ يَقُولُوا: امْرَأَةٌ مَرْدَاءُ فَإِذَا قِيلَ الْخَصْلَةُ الضَّرَّاءُ وَالْأَمْرُ الْأَشْأَمُ دَلَّ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى أَنْ يَكُونَ اسْمًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ كُفِيَ مِنَ الْمَصْدَرِ.
وَهَذَا قَوْلٌ مُخَالِفٌ تَأْوِيلَ مَنْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ الْبَأْسَاءِ، وَالضَّرَّاءِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ تَأَوَّلُوا الْبَأْسَاءَ بِمَعْنَى الْبُؤْسِ، وَالضَّرَّاءَ بِمَعْنَى الضُّرِّ فِي الْجَسَدِ، وَذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ مَبْنِيُّ عَلَى أَنَّهُمْ وَجَّهُوا الْبَأْسَاءَ وَالضَّرَّاءَ إِلَى أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ دُونَ صِفَاتِ الْأَسْمَاءِ وَنُعُوتِهَا.
فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنْ تَكُونَ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ أَسْمَاءَ أَفْعَالٍ، فَتَكُونُ الْبَأْسَاءُ اسْمًا لِلْبُؤْسِ، وَالضَّرَّاءُ اسْمًا لِلضُّرِّ.
وَأَمَّا الصَّابِرِينَ فَنُصِبَ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ «مَنْ» عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا تَطَاوَلَتْ صِفَةُ الْوَاحِدِ الِاعْتِرَاضُ بِالْمَدْحِ، وَالذَّمِّ بِالنَّصْبِ أَحْيَانًا وَبِالرَّفْعِ أَحْيَانًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر المتقارب] إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثَ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الْأُمُورُ ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ، وَذَاتِ اللُّجُمْ فَنَصَبَ لَيْثَ الْكَتِيبَةِ وَذَا الرَّأْيِ عَلَى الْمَدْحِ، وَالِاسْمُ قَبْلَهُمَا

مَخْفُوضٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ وَاحِدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الطويل] فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَتْ ... عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وَسَمِينِ غُيُوثُ الْوَرَى فِي كُلِّ ... مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ أُسُودُ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: 177] نُصِبَ عَطْفًا عَلَى السَّائِلِينَ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ كَانَ عِنْدَهُ: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ، وَالضَّرَّاءِ، وَظَاهَرُ كِتَابِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ هَذَا الْقَوْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ، وَالضَّرَّاءِ هُمْ أَهْلُ الزَّمَانَةِ فِي الْأَبْدَانِ، وَأَهْلُ الْإِقْتَارِ فِي الْأَمْوَالِ، وَقَدْ مَضَى وَصْفُ الْقَوْمِ بِإِيتَاءِ مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَتَهُ الْمَالُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَسَاكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: 177] وَأَهْلَ الْفَاقَةِ وَالْفَقْرِ هُمْ أَهْلُ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الضَّرَّاءِ ذَا بَأْسَاءَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ قَبُولُ الصَّدَقَةِ وَإِنَّمَا لَهُ قَبُولُهَا إِذَا كَانَ جَامِعًا إِلَى ضَرَّائِهِ بَأْسَاءَ، وَإِذَا جَمَعَ إِلَيْهَا بَأْسَاءَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ قَدْ دَخَلُوا فِي جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ قَدْ مَضَى ذِكْرُهُمْ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: 177] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ نَصَبَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] كَانَ الْكَلَامُ تَكْرِيرًا بِغَيْرِ فَائِدَةِ مَعْنًى، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي

خِطَابِهِ عِبَادَهُ؛ وَلَكِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْمُوفُونَ رَفْعٌ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ «مَنْ» ، وَ «مَنْ» رَفْعٌ فَهُوَ مُعْرَبٌ بِإِعْرَابِهِ وَالصَّابِرِينَ نُصِبَ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَتِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ الَّذِي وَصَفْنَا قَبْلُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] وَالصَّابِرِينَ فِي وَقْتِ الْبَأْسِ، وَذَلِكَ وَقْتُ شِدَّةِ الْقِتَالِ فِي الْحَرْبِ

كَمَا حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ " ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ: حِينَ الْقِتَالِ " حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] الْقِتَالِ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ " ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] أَيْ عِنْدَ مَوَاطِنِ الْقِتَالِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ " ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] الْقِتَالِ "

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، " ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، " ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] الْقِتَالِ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ الطُّفَيْلِ أَبُو سِيدَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ " ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177] قَالَ: الْقِتَالِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: 177] مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَنَعَتَهُمُ النَّعْتَ الَّذِي نَعَتَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، يَقُولُ: فَمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ فِي إِيمَانِهِمْ وَحَقَّقُوا قَوْلَهُمْ

بِأَفْعَالِهِمْ، لَا مَنْ وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالْمَغْرِبِ وَهُوَ يُخَالِفُ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَيَنْقُضُ عَهْدَهُ، وَمِيثَاقَهُ وَيَكْتُمُ النَّاسَ بَيَانَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَيَانِهِ وَيُكَذِّبُ رُسُلَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَأُولَئِكَ الَّذِينَ اتَّقُوا

عِقَابَ اللَّهِ فَتَجَنَّبُوا عِصْيَانَهُ وَحَذَرُوا وَعْدَهُ فَلَمْ يَتَعَدُّوا حُدُودَهُ وَخَافُوهُ، فَقَامُوا بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: 177] كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: 177] قَالَ «فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامِ الْإِيمَانِ، فَكَانَتْ حَقِيقَتُهُ الْعَمَلَ صَدَقُوا اللَّهَ» قَالَ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: هَذَا كَلَامُ الْإِيمَانِ وَحَقِيقَتُهُ الْعَمَلُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْقَوْلِ عَمَلٌ فَلَا شَيْءَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

[البقرة: 178]

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] فُرِضَ عَلَيْكُمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفُرِضَ عَلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الْقِصَاصُ مِنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِ؟ قِيلَ: لَا؛ وَلَكِنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ ذَلِكَ، وَالْعَفْوُ، وَأَخْذُ الدِّيَةِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتَ

إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى، الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى.
أَيْ أَنَّ الْحُرَّ إِذَا قَتَلَ الْحُرَّ، فَدَمُ الْقَاتِلِ كُفْءٌ لِدَمِ الْقَتِيلِ، وَالْقِصَاصُ مِنْهُ

دُونَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، فَلَا تَجَاوَزُوا بِالْقَتْلِ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْ فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا بِقَتِيلِكُمْ غَيْرَ قَاتِلِهِ.
وَالْفَرْضُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي الْقِصَاصِ هُوَ مَا وَصَفْتُ مِنْ تَرْكِ الْمُجَاوَزَةِ بِالْقِصَاصِ قَتْلَ الْقَاتِلِ بِقَتِيلِهِ إِلَى غَيْرِهِ لَا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْنَا الْقِصَاصُ فَرْضًا وُجُوبَ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَنَا تَرْكُهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا لَا يَجُوزُ لَنَا تَرْكُهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] مَعْنًى مَفْهُومٌ، لِأَنَّهُ لَا عَفْوَ بَعْدَ الْقِصَاصِ فَيُقَالُ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى الْقِصَاصِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُقَاصَّةُ دِيَاتِ بَعْضِ الْقَتْلَى بِدِيَاتِ بَعْضٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ عِنْدَهُمْ نَزَلَتْ فِي حِزْبَيْنِ تَحَارَبُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَأُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، بِأَنْ تَسْقُطَ دِيَاتُ نِسَاءِ أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ بِدِيَاتِ نِسَاءِ الْآخَرِينَ، وَدِيَاتِ رِجَالِهِمْ بِدِيَاتِ رِجَالِهِمْ، وَدِيَاتِ عَبِيدِهِمْ بِدِيَاتِ عَبِيدِهِمْ قِصَاصًا، فَذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَعْنَى الْقِصَاصِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] فَمَا لَنَا أَنْ نَقْتَصَّ لِلْحُرِّ إِلَّا مِنَ الْحُرِّ، وَلَا لِلْأُنْثَى إِلَّا مِنَ الْأُنْثَى؟ قِيلَ: بَلْ لَنَا أَنْ نَقْتَصَّ لِلْحُرِّ مِنَ الْعَبْدِ وَلِلْأُنْثَى مِنَ الذَّكَرِ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] وَبِالنَّقْلِ

الْمُسْتَفِيضِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» . فَإِنْ قَالَ: فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ، فَمَا وَجْهُ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قِيلَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَبْدَ قَوْمِ آخَرِينَ لَمْ يَرْضَوْا مِنْ قَتِيلِهِمْ بِدَمِ قَاتِلِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَبْدٌ حَتَّى يَقْتُلُوا بِهِ سَيِّدَهُ، وَإِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِهِمْ رَجُلًا لَمْ يَرْضَوْا مِنْ دَمِ صَاحِبِهِمْ بِالْمَرْأَةِ الْقَاتِلَةِ، حَتَّى يَقْتُلُوا رَجُلًا مِنْ رَهْطِ الْمَرْأَةِ وَعَشِيرَتِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الَّذِي فُرِضَ لَهُمْ مِنَ الْقِصَاصِ أَنْ يَقْتُلُوا بِالرَّجُلِ الرَّجُلَ الْقَاتِلَ دُونَ غَيْرِهِ، وَبِالْأُنْثَى الْأُنْثَى الْقَاتِلَةَ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَبِالْعَبْدِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحْرَارِ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَعَدَّوُا الْقَاتِلَ إِلَى غَيْرِهِ فِي الْقِصَاصِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَا: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] قَالَ " نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ اقْتَتَلَتَا قِتَالَ عِمِّيَّةٍ، فَقَالُوا: نَقْتُلُ بعَبْدِنَا فُلَانٍ ابْنَ فُلَانٍ، وَبِفُلَانَةَ فُلَانٍ ابْنَ فُلَانٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] قَالَ " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيهِمْ بَغْيٌ وَطَاعَةٌ لِلشَّيْطَانِ، فَكَانَ الْحَيُّ إِذَا كَانَ فِيهِمْ عِدَّةٌ وَمَنَعَةٌ، فَقَتَلَ عَبْدُ قَوْمٍ آخَرِينَ عَبْدًا لَهُمْ، قَالُوا: لَا نَقْتُلُ بِهِ إِلَّا حُرًّا؛ تَعَزُّزًا لِفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَإِذَا قُتِلَتْ لَهُمُ امْرَأَةٌ قَتَلَتْهَا امْرَأَةُ قَوْمٍ آخَرِينَ، قَالُوا: لَا نَقْتُلُ بِهَا إِلَّا رَجُلًا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْعَبْدَ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى، فَنَهَاهُمْ عَنِ الْبَغْيِ.
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] قَالَ " لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَبْلَنَا دِيَةٌ إِنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوِ الْعَفْوُ إِلَى أَهْلِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَكَانُوا إِذَا قُتِلَ مِنَ الْحَيِّ الْكَثِيرِ عَبْدٌ، قَالُوا: لَا نَقْتُلُ بِهِ إِلَّا حُرًّا، وَإِذَا قُتِلَتْ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ قَالُوا: لَا نَقْتُلُ بِهَا إِلَّا رَجُلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] "

جارٍ التحميل