تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 343-347

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: 68] يَقُولُ: نَسِيتَ فَتَقْعُدَ مَعَهُمْ، فَإِذَا ذَكَرْتَ فَقُمْ

صفحات 343-347
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " لَيْسَ آزَرُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثني عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا الثَّوْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: 74] ، قَالَ: آزَرُ لَمْ

يَكُنْ بِأَبِيهِ إِنَّمَا هُوَ صَنَمٌ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: آزَرُ اسْمُ صَنَمٍ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: 74] قَالَ: اسْمُ أَبِيهِ، وَيُقَالُ: لَا، بَلِ اسْمُهُ تَارِحٌ، وَاسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ، يَقُولُ: أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَةً وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ سَبٌّ وَعَيْبٌ بِكَلَامِهِمْ، وَمَعْنَاهُ: مِعْوَجٌّ.
كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّهُ عَابَهُ بِزِيغِهِ وَاعْوِجَاجِهِ عَنِ الْحَقِّ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: 74] بِفَتْحِ (آزَرَ) عَلَى إِتْبَاعِهِ الْأَبَ فِي الْخَفْضِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْمًا أَعْجَمِيًّا فَتَحُوهُ إِذْ لَمْ يَجُرُّوهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ.
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَدِينِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ ذَلِكَ: (آزَرُ) ، بِالرَّفْعِ عَلَى النِّدَاءِ، بِمَعْنَى: (يَا آزَرُ) . فَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ حِكَايَتِهِ أَنَّ آزَرَ اسْمَ صَنَمٍ، وَإِنَّمَا نَصَبَهُ بِمَعْنَى: (أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَةً) ، فَقَوْلٌ مِنَ الصَّوَابِ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ بَعِيدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا

تَنْصُبَ اسْمًا بِفِعْلٍ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ، لَا تَقُولُ: أَخَاكَ أَكَلَّمْتَ، وَهِيَ تُرِيدُ: أَكَلَّمْتَ أَخَاكَ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنْ (آزَرَ) ، عَلَى إِتْبَاعِهِ إِعْرَابَ (الْأَبِ) ، وَأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، فَفُتِحَ إِذْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا لِأَنَّهُ اسْمٌ عَجَمِيُّ.
وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ قِرَاءَةُ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابَ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَكَانَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ، صَحَّ لَكَ فَتْحُهُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى الْأَبِ، وَلَكِنَّهُ فُتِحَ لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْمًا أَعْجَمِيًّا تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ، فَفُتِحَ كَمَا فَتَحَ الْعَرَبُ فِي أَسْمَاءِ الْعَجَمِ، أَوْ يَكُونُ نَعْتًا لَهُ، فَيَكُونُ أَيْضًا خَفْضًا بِمَعْنَى تَكْرِيرِ اللَّامِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ، وَفُعِلَ بِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِأَشْكَالِهِ.
فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ: أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِجْهَةٌ فِي الصَّوَابِ إِلَّا أَحَدَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ مِنْهُمَا عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ اسْمُ أَبِيهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ أَبُوهُ.
وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَحْفُوظُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ دُونَ الْقَوْلِ الْآخَرِ الَّذِي زَعَمَ قَائِلُهُ أَنَّهُ نَعْتٌ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ أَهْلَ الْأَنْسَابِ إِنَّمَا يَنْسِبُونَ إِبْرَاهِيمَ إِلَى تَارِحٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ آزَرُ اسْمًا لَهُ وَالْمَعْرُوفُ بِهِ مِنَ الِاسْمِ تَارِحٌ؟ قِيلَ لَهُ: غَيْرُ مُحَالٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْمَانِ، كَمَا لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي دَهْرِنَا هَذَا، وَكَانَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى لَكَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ لَقَبًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 74] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ آزَرَ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً تَعْبُدُهَا وَتَتَّخِذُهَا رَبًّا دُونَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ وَرَزَقَكَ، وَالْأَصْنَامُ: جَمْعُ صَنَمٍ، التِّمْثَالُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ

مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، وَهُوَ الْوَثَنَ.
وَقَدْ يُقَالُ لِلصُّورَةِ الْمُصَوَّرَةِ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْحَائِطِ غَيْرَهُ: صَنَمٌ وَوَثَنٌ.
﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 74] يَقُولُ: إِنِّي أَرَاكَ يَا آزَرُ وَقَوْمَكَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَكَ الْأَصْنَامَ وَيَتَّخِذُونَهَا آلِهَةً ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ [الأنعام: 74] يَقُولُ: فِي زَوَالٍ عَنْ مَحَجَّةِ الْحَقِّ، وَعُدُولٍ عَنْ سَبِيلِ الصَّوَابِ ﴿مُبِينٍ﴾ [البقرة: 168] يَقُولُ: يَتَبَيَّنُ لِمَنْ أَبْصَرَهُ أَنَّهُ جَوْرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وَزَوَالٌ عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ.
يَعْنِي بِذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ ضَلَّ هُوَ وَهُمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ الَّذِي اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لَهُ بِآلَائِهِ

عِنْدَهُمْ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [البقرة: 143] : وَكَمَا أَرَيْنَاهُ الْبَصِيرَةَ فِي دِينِهِ، وَالْحَقَّ فِي خِلَافِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ، نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَعْنِي مُلْكَهُ، وَزِيدَتْ فِيهِ التَّاءُ كَمَا زِيدَتْ

فِي (الْجَبَرُوتِ) مِنَ الْجَبْرِ، وَكَمَا قِيلَ: رَهَبُوتٌ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ، بِمَعْنَى: رَهْبَةٌ خَيْرٌ مِنْ رَحْمَةٍ.
وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: لَهُ مَلَكُوتُ الْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ، بِمَعْنَى: لَهُ مُلْكُ ذَلِكَ

جارٍ التحميل