تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 326-343

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: 68] يَقُولُ: نَسِيتَ فَتَقْعُدَ مَعَهُمْ، فَإِذَا ذَكَرْتَ فَقُمْ

صفحات 326-343
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: يُقَالُ: «أُسْلِمُوا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: «فُضِحُوا»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: «أُخِذُوا بِمَا كَسَبُوا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُردُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]

وَهَذَا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حُجَّتِهِ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، يَقُولُ لَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَنْدَادَ وَالْآمِرِينَ لَكَ بِاتِّبَاعِ دِينِهِمْ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مَعَهُمْ: أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ حَجَرًا أَوْ خَشَبًا لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِنَا أَوْ ضَرِّنَا، فَنَخُصَّهُ بِالْعِبَادَةِ دُونَ اللَّهِ، وَنَدَعُ عِبَادَةَ الَّذِي بِيَدِهِ الضَّرُّ وَالنَّفْعُ وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَتُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خِدْمَةَ مَا يُرْتَجَى نَفْعُهُ وَيُرْهَبُ ضَرُّهُ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ خِدْمَةِ مَنْ لَا يُرْجَى نَفْعُهُ وَلَا يُخْشَى ضَرُّهُ.
﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ [الأنعام: 71] يَقُولُ: وَنُرَدُّ إِلَى أَدْبَارِنَا فَنَرْجِعُ الْقَهْقَرَى خَلْفَنَا لَمْ نَظْفَرْ بِحَاجَتِنَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّدِّ عَلَى الْعَقِبِ، وَأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ طَالِبِ حَاجَةٍ لَمْ يَظْفَرْ بِهَا: رُدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ، فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَنُرَدُّ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ فَوَفَّقَنَا لَهُ، فَيَكُونُ مَثَلُنَا فِي ذَلِكَ مَثَلَ الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ يَهْوِي فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ [الأنعام: 71] اسْتَفْعَلَتْهُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: هَوَى فُلَانٌ إِلَى كَذَا يَهْوِي إِلَيْهِ، وَمِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37] بِمَعْنَى: تَنْزِعُ إِلَيْهِمْ وَتُرِيدُهُمْ.
وَأَمَّا حَيْرَانُ: فَإِنَّهُ فَعْلَانُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَدْ حَارَ فُلَانٌ فِي الطَّرِيقِ فَهُوَ

يَحَارُ فِيهِ حَيْرَةً وَحَيَرَانًا وَحَيْرُورَةً، وَذَلِكَ إِذَا ضَلَّ فَلَمْ يَهْتَدِ لِلْمَحَجَّةِ، لَهُ أَصْحَابٌ يَدَعُونَهُ إِلَى الْهُدَى، يَقُولُ: لِهَذَا الْحَيْرَانِ الَّذِي قَدِ اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ أَصْحَابٌ عَلَى الْمَحَجَّةِ وَاسْتِقَامَةِ السَّبِيلِ، يَدْعُونَهُ إِلَى الْمَحَجَّةِ لِطَرِيقِ الْهُدَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، يَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنَا.
وَتَرَكَ إِجْرَاءَ حَيْرَانَ، لِأَنَّهُ (فَعْلَانَ) ، وَكُلُّ اسْمٍ كَانَ عَلَى (فَعْلَانَ) مِمَّا أُنْثَاهُ (فَعْلَى) فَإِنَّهُ لَا يُجْرَى فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ.
وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ بَعْدَ إِيمَانِهِ فَاتَّبَعَ الشَّيَاطِينَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَهُ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ الْمُقِيمُونَ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ، وَالصَّوَابِ الَّذِي هُمْ بِهِ مُتَمَسِّكُونَ، وَهُوَ لَهُ مُفَارِقٌ، وَعَنْهُ زَائِلٌ، يَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنَا، فَكُنْ مَعَنَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَهُدًى، وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ، وَيَتَّبِعُ دَوَاعِيَ الشَّيْطَانِ، وَيَعْبُدُ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِثْلَ مَا قُلْنَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ

السُّدِّيِّ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: 71] قَالَ: " قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا، وَاتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا، هَذِهِ الْآلِهَةُ، وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، فَيَكُونَ مَثَلُنَا كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ، يَقُولُ: مَثَلُكُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ مَعَ قَوْمٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، فَحَيَّرَتْهُ الشَّيَاطِينُ وَاسْتَهْوَتْهُ فِي الْأَرْضِ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَعَلُوا يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ، يَقُولُونَ: ائْتِنَا، فَإِنَّا عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ.
فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ يَتَّبِعُكُمْ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِمُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدٌ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الطَّرِيقِ، وَالطَّرِيقُ هُوَ الْإِسْلَامُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ [الأنعام: 71] قَالَ: " هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْآلِهَةِ وَمَنْ يَدْعُو إِلَيْهَا، وَلِلدُّعَاةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ، إِذْ نَادَاهُ مُنَادٍ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ: يَا فُلَانُ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ، فَإِنِ اتَّبَعَ الدَّاعِيَ الْأَوَّلَ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيَهُ فِي الْهَلَكَةِ، وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الْهُدَى اهْتَدَى إِلَى الطَّرِيقِ، وَهَذِهِ الدَّاعِيَةُ الَّتِي تَدْعُو فِي الْبَرِيَّةِ مِنَ الْغِيلَانِ، يَقُولُ: مَثَلُ مَنْ يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ

الْآلِهَةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ فَيَسْتَقْبِلُ الْهَلَكَةَ وَالنَّدَامَةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 71] ، وَهُمُ الْغِيلَانُ يَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ جَدِّهِ، فَيَتْبَعُهَا فَيَرَى أَنَّهُ فِي شَيْءٍ فَيُصْبِحُ وَقَدْ أَلْقَتْهُ فِي الْهَلَكَةِ وَرُبَّمَا أَكَلَتْهُ، أَوْ تُلْقِيهِ فِي مُضِلَّةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَهْلِكُ فِيهَا عَطَشًا، فَهَذَا مَثَلُ مَنْ أَجَابَ الْآلِهَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 71] قَالَ: «أَضَلَّتْهُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: 71] قَالَ: «الْأَوْثَانُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71] قَالَ: «رَجُلٌ حَيْرَانُ يَدْعُوهُ أَصْحَابُهُ إِلَى الطَّرِيقِ، كَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ يَضِلُّ بَعْدَ إِذْ هُدِيَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: ثنا رَجُلٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " حَيْرَانَ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ، يَقُولُ: الْكَافِرُ حَيْرَانُ يَدْعُوهُ الْمُسْلِمُ إِلَى الْهُدَى فَلَا يُجِيبُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: 71] حَتَّى بَلَغَ: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71] : عَلَّمَهَا اللَّهُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْلَ الضَّلَالَةِ وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِمَا

حَدَّثَنِي بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 71] : فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَسْتَجِيبُ لِهُدَى اللَّهِ، وَهُوَ رَجُلٌ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ وَعَمِلَ فِي الْأَرْضِ بِالْمَعْصِيَةِ وَحَارَ عَنِ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِيَ يَأْمُرُونَهُ هُدًى، يَقُولُ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ: إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ، وَالضَّلَالَةَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْجِنُّ " فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَرَى أَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْحَيْرَانِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِنَّمَا يَدْعُونَهُ إِلَى الضَّلَالِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ هُدًى، وَأَنَّ اللَّهَ أَكْذَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: 120] ، لَا مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ.

وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَهُ وَجْهٌ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ سَمَّى الَّذِي دَعَا الْحَيْرَانَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ هُدًى، وَكَانَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الدُّعَاةِ لَهُ إِلَى مَا دَعَوْهُ إِلَيْهِ، أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ سَمَّوْهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ هُدًى، وَأَخْبَرَ عَنْ أَصْحَابِ الْحَيْرَانِ أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِ.
وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهُ الضَّلَالَ هُدًى، لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، وَغَيْرُ جَائِزٍ وَصْفُ اللَّهِ بِالْكَذِبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ.
وَإِنَّمَا كَانَ يَجُوزُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَنِ الدَّاعِي الْحَيْرَانَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: تَعَالَ إِلَى الْهُدَى، فَأَمَّا وَهُوَ قَائِلٌ: يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَهُمْ كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى الضَّلَالِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ائْتِنَا﴾ [الأنعام: 71] ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: يَقُولُونَ: ائْتِنَا، هَلُمَّ إِلَيْنَا، فَحَذَفَ الْقَوْلَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا)

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا)

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا) ، قَالَ: الْهُدَى: الطَّرِيقُ، أَنَّهُ بَيِّنٌ وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ الْبَيِّنُ مِنْ صِفَةِ الْهُدَى، وَيَكُونُ نَصْبُ الْبَيِّنِ عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهُدَى، كَأَنَّهُ قِيلَ: يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الْبَيِّنِ، ثُمَّ نُصِبَ

(الْبَيِّنُ) لَمَّا حُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَصَارَ نَكِرَةً مِنْ صِفَةِ الْمَعْرِفَةِ.
وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هُوَ الْهُدَى، عَلَى الْحَقِيقَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ الْقَائِلِينَ لِأَصْحَابِكَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ، فَإِنَّا عَلَى هُدًى: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: 120] يَقُولُ: إِنَّ طَرِيقَ اللَّهِ الَّذِي بَيَّنَهُ لَنَا وَأَوْضَحَهُ، وَسَبِيلَنَا الَّذِي أُمِرْنَا بِلِزُومِهِ، وَدِينَهُ الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا فَبَيَّنَهُ، هُوَ الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَةُ الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا، لَا عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَلَا نَتْرُكُ الْحَقَّ وَنَتَّبِعُ الْبَاطِلَ.
﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71] يَقُولُ: وَأَمَرَنَا رَبُّنَا وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، تَعَالَى وَجْهُهُ، لِنُسْلِمَ لَهُ: لِنَخْضَعَ لَهُ بِالذِّلَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، فَنُخْلِصَ ذَلِكَ لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِسْلَامِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَقِيلَ: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: 71] بِمَعْنَى: وَأَمَرَنَا كَيْ نُسْلِمَ، وَأَنْ نُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ (كَيْ) وَ (اللَّامَ) الَّتِي بِمَعْنَى (كَيْ) مَكَانَ (أَنْ) ، وَ (أَنْ) مَكَانَهَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ

تُحْشَرُونَ} [الأنعام: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُمِرْنَا أَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: 72] فَعَطَفَ بِـ (أَنْ) عَلَى اللَّامِ مِنْ (لِنُسْلِمَ) لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: 71] مَعْنَاهُ: أَنْ نُسْلِمَ، فَرَدَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾ [الأنعام: 72] عَلَى مَعْنَى: (لِنُسْلِمَ) ، إِذْ كَانَتِ اللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: 71] لَامًا لَا تَصْحَبُ إِلَّا الْمُسْتَقْبِلَ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَكَانَتْ (أَنْ) مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ دَلَالَةَ اللَّامِ الَّتِي فِي ﴿لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: 71] ، فَعَطَفَ بِهَا عَلَيْهَا لِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا فِيمَا ذَكَرْتُ، فَـ (أَنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالرَّدِّ عَلَى اللَّامِ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ: أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، يَقُولُ: أُمِرْنَا كَيْ نُسْلِمَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 104] ، أَيْ إِنَّمَا أُمِرْتُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: 72] : أَيْ أُمِرْنَا أَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، أَوْ يَكُونَ أَوْصَلَ الْفِعْلَ بِاللَّامِ، وَالْمَعْنَى: أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ، كَمَا أَوْصَلَ الْفِعْلَ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَأُمِرْنَا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَدَاؤُهَا بِحُدُودِهَا الَّتِي فُرِضَتْ

عَلَيْنَا.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: 72] يَقُولُ: وَاتَّقُوا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي أُمِرْنَا أَنْ نُسْلِمَ لَهُ، فَخَافُوهُ وَاحْذَرُوا سَخَطَهُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْكُمْ، وَالْإِذْعَانِ لَهُ بِالطَّاعَةِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ.
﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 72] يَقُولُ: وَرَبُّكُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فَتُجْمَعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ، وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَنْدَادَ،

الدَّاعِيكَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ: أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، لَا مَنْ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَقًّا وَصَوَابًا، لَا بَاطِلًا وَخَطَأً، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: 27] ، قَالُوا: وَأُدْخِلَتْ فِيهِ الْبَاءُ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ، كَمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ، فَتَقُولُ: فُلَانٌ يَقُولُ بِالْحَقِّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ.
قَالُوا: وَلَا شَيْءَ فِي قَوْلِهِ بِالْحَقِّ غَيْرُ إِصَابَتِهِ الصَّوَابَ فِيهِ، لَا أَنَّ الْحَقَّ مَعْنًى غَيْرُ الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِلْقَوْلِ إِذَا كَانَ بِهَا الْقَوْلُ كَانَ الْقَائِلُ مَوْصُوفًا بِالْقَوْلِ بِالْحَقِّ وَبُقُولِ الْحَقِّ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ حِكْمَةٌ مِنْ حِكَمِ اللَّهِ، فَاللَّهُ مَوْصُوفٌ بِالْحِكْمَةِ، خَلَقَهُمَا وَخَلَقَ مَا

سِوَاهُمَا مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ سِوَى خَلْقِهِمَا خَلَقَهُمَا بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِكَلَامِهِ وَقَوْلِهِ لَهُمَا: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: 11] . قَالُوا: فَالْحَقُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنِيُّ بِهِ كَلَامُهُ.
وَاسْتَشْهَدُوا لِقِيلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73] ، الْحَقُّ هُوَ قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ.
قَالُوا: وَاللَّهُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِكَلَامِهِ وَقِيلِهِ كَمَا خَلَقَ بِهِ الْأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَخْلُوقَةِ.
قَالُوا: فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ بِهِ الْخَلْقَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73] فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِلِ فِي ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ [الحديد: 13] ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: (الْيَوْمُ) مُضَافٌ إِلَى (يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ) ، قَالَ: وَهُوَ نَصْبٌ وَلَيْسَ لَهُ خَبَرٌ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ، كَأَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ نَصْبَهُ عَلَى:

(وَاذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونَ) ، قَالَ: وَكَذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ، لِلصُّورِ خَاصَّةً.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى تَأْوِيلِهِمْ: يَوْمَ يَقُولُ لِلصُّورِ: كُنْ فَيَكُونَ، قَوْلُهُ الْحَقُّ يَوْمَ

يُنْفَخُ فِيهِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَيَكُونُ (الْقَوْلُ) حِينَئِذٍ مَرْفُوعًا بِـ (الْحَقِّ) ، وَالْحَقُّ بِالْقَوْلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73] وَ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] صِلَةُ (الْحَقِّ) . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] مَعْنِيُّ بِهِ كُلَّ مَا كَانَ اللَّهُ مُعِيدَهُ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ إِفْنَائِهِ، وَمُنْشِئَهُ بَعْدَ إِعْدَامِهِ.
فَالْكَلَامُ عَلَى مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ مُتَنَاهٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] ، وَقَوْلُهُ: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ.
وَتَأْوِيلُهُ: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، وَيَوْمَ يَقُولُ لِلْأَشْيَاءِ: كُنْ فَيَكُونُ، خَلَقَهُمَا بِالْحَقِّ بَعْدَ فَنَائِهِمَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ قَوْلِهِ وَوَعْدُهُ خَلْقَهُ أَنَّهُ مُعِيدُهُمَا بَعْدَ فَنَائِهِمَا عَنْ أَنَّهُ حَقٌّ، فَقَالَ: قَوْلُهُ هَذَا الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَـ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] يَكُونُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ صِلَةِ (الْمُلْكِ) . وَقَدْ يَجُوزُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] مِنْ صِلَةِ ﴿الْحَقُّ﴾ [البقرة: 26] . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَيَوْمَ يَقُولُ لِمَا فَنِيَ: (كُنْ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقَّ، فَجَعَلَ الْقَوْلَ مَرْفُوعًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73] وَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] لِلْقَوْلِ مَحَلًّا، وَقَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] مِنْ صِلَةِ (الْحَقِّ) ، كَأَنَّهُ وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى: وَيَوْمَئِذٍ قَوْلُهُ الْحَقُّ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ.
وَإِنْ جَعَلَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] بَيَانًا عَنِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، كَانَ وَجْهًا صَحِيحًا، وَلَوْ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73] مَرْفُوعًا بِقَوْلِهِ: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي

الصُّورِ} [الأنعام: 73] ، وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] مَحَلًّا، وَقَوْلَهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73] مِنْ صِلَتِهِ كَانَ جَائِزًا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، مُعَرِّفًا مَنْ أَشْرَكَ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ جَهْلَهُ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، وَخَطَأَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ عِبَادَةِ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اجْتِلَابِ نَفْعٍ إِلَى نَفْسِهِ وَلَا دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهَا، وَمُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ فِي إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ بِقُدْرَتِهِ عَلَى ابْتِدَاعِ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، وَأَنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَذَّرٍ عَلَيْهِ إِفْنَاؤُهُ ثُمَّ إِعَادَتُهُ بَعْدَ إِفْنَائِهِ، فَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ أَيُّهَا الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمْ مَنْ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ، لِيَعْرِفُوا بِهَا صَانِعَهَا وَلِيَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فَيُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ.
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73] يَقُولُ: وَيَوْمَ يَقُولُ حِينَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ كَذَلِكَ: (كُنْ فَيَكُونُ) ، كَمَا شَاءَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَتَكُونُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ عِنْدَ قَوْلِهِ (كُنْ) ، فَيَكُونُ مُتَنَاهِيًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَيَوْمَ يَقُولُ لِذَلِكَ: كُنْ فَيَكُونُ، تُبَدَّلُ غَيْرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ

السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنِ الْقَوْلِ فَقَالَ: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73] بِمَعْنَى: وَعْدُهُ هَذَا الَّذِي وَعَدَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ تَبْدِيلِهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] مِنْ صِلَةِ (الْمُلْكِ) ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلِلَّهِ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ فِي الصُّورِ حَالُ تَبْدِيلِ اللَّهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ غَيْرَهُمَا.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ، أَعْنَى قَوْلَهُ: ﴿الْحَقُّ﴾ [البقرة: 26] مَرْفُوعًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73] وَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] مَحَلًّا لِلْقَوْلِ مُرَافِعًا، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، وَيَوْمَ يُبَدِّلُهَا غَيْرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَيَقُولُ لِذَلِكَ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقَّ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] فَإِنَّهُ خَصَّ بِالْخَبَرِ عَنْ مُلْكِهِ يَوْمَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُلْكُ لَهُ خَالِصًا فِي كُلِّ وَقْتٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ عَنَى تَعَالَى ذِكْرَ أَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ يَوْمَئِذٍ وَلَا مُدَّعِيَ لَهُ، وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِهِ دُونَ كُلِّ مَنْ كَانَ يُنَازِعُهُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَأَذْعَنَ

جَمِيعُهُمْ يَوْمَئِذٍ لَهُ بِهِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ دَعْوَاهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي بَاطِلٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الصُّورِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ نَفْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لِفَنَاءِ مَنْ كَانَ حَيًّا عَلَى الْأَرْضِ، وَالثَّانِيَةُ لِنَشْرِ كُلِّ مَيِّتٍ.
وَاعْتَلُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا

مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} ، وِبِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِذْ سُئِلَ عَنِ الصُّورِ: «هُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ» . وَقَالَ آخَرُونَ: الصُّورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: جَمْعُ صُورَةٍ يَنْفُخُ فِيهَا رُوحَهَا فَتَحْيَا، كَقَوْلِهِمْ: سُوَرٌ لِسُورِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ جَمْعُ سُورَةٍ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ: [البحر الكامل] سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: نُفِخَ فِي الصُّورِ، وَنُفِخَ الصُّورُ.
وَمِنْ قَوْلِهِمْ: نُفِخَ الصُّورُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر البسيط] لَوْلَا ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ تُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ ... وَلَا خُرَاسَانُ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ إِسْرَافِيلَ قَدِ الْتَقَمَ الصُّورَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُومَرُ فَيُنْفَخُ» ، وَأَنَّهُ قَالَ: «الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ» . وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبُ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] يَعْنِي: أَنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الَّذِي يَنْفُخُ فِي الصُّورِ "

حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] يَعْنِي: أَنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الَّذِي يَنْفُخُ فِي الصُّورِ فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] اسْمُ الْفَاعِلِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: يَوْمَ يَنْفُخُ اللَّهُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَكَلَ طَعَامَكَ عَبْدُ اللَّهِ، فَتُظْهِرُ اسْمَ الْآكِلِ بَعْدَ أَنْ قَدْ جَرَى الْخَبَرُ بِمَا لَمْ يُسَمَّ آكِلُهُ.
وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا غَيْرَ مَدْفُوعٍ، فَإِنَّ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِـ (الَّذِي) فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الصُّورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: النَّفْخَةُ الْأُولَى

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] يَعْنِي بِالصُّورِ النَّفْخَةَ الْأُولَى، أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ يَعْنِي الثَّانِيَةَ ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] عَالِمُ مَا تُعَايِنُونَ أَيُّهَا النَّاسُ فَتُشَاهِدُونَهُ، وَمَا يَغِيبُ عَنْ حَوَاسِكُمْ وَأَبْصَارِكُمْ فَلَا تُحِسُّونَهُ وَلَا تُبْصِرُونَهُ،

وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ خَلْقَهُ مِنْ حَالِ الْوُجُودِ إِلَى الْعَدَمِ، ثُمَّ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ وَالْفَنَاءِ إِلَى الْوُجُودِ، ثُمَّ فِي مُجَازَاتِهِمْ بِمَا يُجَازِيهِمْ بِهِ مِنْ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ، خَبِيرٌ بِكُلِّ مَا يَعْمَلُونَهُ وَيَكْسِبُونَهُ مِنْ حَسَنٍ وَسَيِّئٍ، حَافِظٌ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاحْذَرُوا أَيُّهَا الْعَادِلُونَ بِرَبِّكُمْ عِقَابَهُ، فَإِنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ مَا تَأْتُونَ وَتَذَرُونَ، وَهُوَ لَكُمْ مِنْ وَرَاءِ الْجَزَاءِ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 74] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِحِجَاجِكَ الَّذِي تُحَاجُّ بِهِ قَوْمَكَ وَخُصُومَتِكَ إِيَّاهُمْ فِي آلِهَتِهِمْ وَمَا تُرَاجِعُهُمْ فِيهَا، مِمَّا نُلْقِيهِ إِلَيْكَ وَنُعَلِّمُكَهُ

مِنَ الْبُرْهَانِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانِ مَا عَلَيْهِ قَوْمُكَ مُقِيمُونَ، وَصِحَّةِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مُقِيمٌ مِنَ الدِّينِ وَحَقِّيَّةِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ مُحْتَجٌّ، حِجَاجَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي قَوْمَهُ، وَمُرَاجَعَتَهُ إِيَّاهُمْ فِي بَاطِلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَانْقِطَاعَهُ إِلَى اللَّهِ وَالرِّضَا بِهِ وَالِيًا وَنَاصِرًا دُونَ الْأَصْنَامِ، فَاتَّخِذَهُ إِمَامًا وَاقْتَدِ بِهِ، وَاجْعَلْ سِيرَتَهُ فِي قَوْمِكَ لِنَفْسِكَ مِثَالًا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ مُفَارِقًا لِدِينِهِ وَعَائِبًا عِبَادَتَهُ الْأَصْنَامَ دُونَ بَارِئِهِ وَخَالِقِهِ: يَا آزَرُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَعْنِيِّ بِآزَرَ، وَمَا هُوَ؟ اسْمٌ أَمْ صِفَةٌ؟ وَإِنْ كَانَ اسْمًا، فَمَنِ الْمُسَمَّى بِهِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمُ أَبِيهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: 74] قَالَ: اسْمُ أَبِيهِ آزَرَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: آزَرُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، رَجُلًا مِنْ أَهْلِ كُوثَى، مِنْ قَرْيَةٍ بِالسَّوَادِ، سَوَّادِ الْكُوفَةِ

حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَذْكُرُ قَالَ: هُوَ آزَرُ، وَهُوَ تَارِحٌ، مِثْلُ إِسْرَائِيلَ وَيَعْقُوبَ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ لَيْسَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ

جارٍ التحميل