تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 314-326

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: 68] يَقُولُ: نَسِيتَ فَتَقْعُدَ مَعَهُمْ، فَإِذَا ذَكَرْتَ فَقُمْ

صفحات 314-326
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام: 68] قَالَ: «يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِنَا»

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْخُصُومَاتِ، فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ

أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام: 68] وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13] ، وَنَحْوُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: «أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَاتِ فِي دِينِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام: 68] قَالَ: يَسْتَهْزِئُونَ بِهَا، قَالَ: نَهَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُمْ إِلَّا أَنْ يَنْسَى، فَإِذَا ذَكَرَ فَلْيَقُمْ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68] ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّونَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَإِذَا سَمِعُوا اسْتَهْزَءُوا فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68] الْآيَةَ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام: 68] قَالَ: «يُكَذِّبُونَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68] ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68] : إِنْ نَسِيتَ فَذَكَرْتَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 69] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فَخَافَهُ فَأَطَاعَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَاجْتَنَبَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْإِعْرَاضِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَائِضِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ فِي حَالِ خَوْضِهِمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ

تَبِعَةٍ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ الْإِعْرَاضَ عَنْهُمْ رِضًا بِمَا هُمْ فِيهِ، وَكَانَ لِلَّهِ بِحُقُوقِهِ مُتَّقِيًا، وَلَا عَلَيْهِ مِنْ إِثْمِهِمْ بِذَلِكَ حَرَجٌ، وَلَكِنْ لِيُعْرِضُوا عَنْهُمْ حِينَئِذٍ.
﴿ذِكْرَى﴾ [الأنعام: 69] لِأَمْرِ اللَّهِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187] يَقُولُ: لِيَتَّقُوا.
وَمَعْنَى الذِّكْرَى: الذِّكْرُ، وَالذِّكْرُ وَالذِّكْرَى بِمَعْنَى، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرَى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَرَفْعٍ، فَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ تَأْوِيلِ: وَلَكِنْ لِيُعْرِضُوا عَنْهُمْ ذِكْرَى، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى تَأْوِيلِ: وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ شَيْءٌ بِتَرْكِ الْإِعْرَاضِ، وَلَكِنْ إِعْرَاضُهُمْ ذِكْرَى

لِأَمْرِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَ بِالْقِيَامِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا خَاضُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ، لِأَنَّ قِيَامَهُ عَنْهُمْ كَانَ مِمَّا يَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: إِذَا خَاضُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ فَقُمْ عَنْهُمْ لِيَتَّقُوا الْخَوْضَ فِيهَا وَيَتْرُكُوا ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّونَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَإِذَا سَمِعُوا اسْتَهْزَءُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68] الْآيَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ إِذَا اسْتَهْزَءُوا قَامَ، فَحَذِرُوا وَقَالُوا: لَا تَسْتَهْزِئُوا فَيَقُومَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 69] : أَنْ يَخُوضُوا فَيَقُومَ، وَنَزَلَ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 69] إِنْ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَلَكِنْ لَا تَقْعُدُوا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ بِالْمَدِينَةِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140] ، فَنَسَخَ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 69] الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 69] يَقُولُ: مِنْ

حِسَابِ الْكُفَّارِ مِنْ شَيْءٍ.
﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ [الأنعام: 69] يَقُولُ: إِذَا ذَكَرْتَ فَقُمْ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 69] مُسَاءَتَكُمْ إِذَا رَأَوْكُمْ لَا تُجَالِسُونَهُمْ، اسْتَحْيُوا مِنْكُمْ فَكَفُّوا عَنْكُمْ.
ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ بَعْدُ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُمْ أَبَدًا، قَالَ: ﴿وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ [النساء: 140] الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 69] إِنْ قَعَدُوا، وَلَكِنْ لَا تَقْعُدْ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ [الأنعام: 69] قَالَ: وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يَخُوضُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيُّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 70] يَقُولُ

تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُمْ إِيَّاهُ لَعِبًا وَلَهْوًا، فَجَعَلُوا حُظُوظَهُمْ مِنْ طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ اللَّعِبَ بِآيَاتِهِ وَاللَّهْوَ

وَالِاسْتِهْزَاءَ بِهَا إِذَا سَمِعُوهَا وَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، فَإِنِّي لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، وَإِنِّي لَهُمْ مِنْ وَرَاءِ الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَالْعُقُوبَةِ لَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ، وَعَلَى اغْتِرَارِهِمْ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَنِسْيَانِهِمُ الْمَعَادَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَصِيرَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ

كَالَّذِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11] حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: 70] ، ثُمَّ أَنْزَلَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ قَتَادَةَ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: 70] ، ثُمَّ

أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَرَاءَةَ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ فَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَذَكِّرْ يَا مُحَمَّدُ بِهَذَا الْقُرْآنِ هَؤُلَاءِ الْمُوَلِّينَ عَنْكَ وَعَنْهُ، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام: 70] بِمَعْنَى: أَنْ لَا تُبْسَلَ كَمَا قَالَ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] بِمَعْنَى: أَنْ لَا تَضِلُّوا، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَذَكِّرْ بِهِ لِيُؤْمِنُوا وَيَتَّبِعُوا مَا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ

اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ، فَلَا تُبْسَلَ أَنْفُسُهُمْ بِمَا كَسَبَتْ مِنَ الْأَوْزَارِ، وَلَكِنْ حُذِفَتْ (لَا) لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام: 70] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ تُسْلَمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ، نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: تُسْلَمَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: أَنْ تُسْلَمَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: تُسْلَمَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: تُسْلَمَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ [الأنعام: 70] : أُسْلِمُوا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: تُحْبَسُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ، نَفْسٌ﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: «تُؤْخَذُ فَتُحْبَسُ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ، نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70] : أَنْ تُؤْخَذَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: تُفْضَحُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70] يَقُولُ: تُفْضَحَ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنْ تُجْزَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: قَالَ الْكَلْبِيُّ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ [الأنعام: 70] : أَنْ تُجْزَى وَأَصْلُ الْإِبْسَالِ: التَّحْرِيمُ، يُقَالُ مِنْهُ: أَبْسَلْتُ الْمَكَانَ: إِذَا حَرَّمْتَهُ فَلَمْ تَقَرَّ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل] بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ فِي النَّدَى ... بَسْلٌ عَلَيْكَ مَلَامَتِي وَعِتَابِي أَيْ حَرَامٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: وَعِتَابِي أَسَدٌ آسِدٍ، وَيُرَادُ بِهِ: لَا

يَقْرَبُهُ شَيْءٌ، فَكَأَنَّهُ قَدْ حَرَّمَ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَجْعَلُ ذَلِكَ صِفَةً لِكُلِّ شَدِيدٍ يُتَحَامَى لِشِدَّتِهِ، وَيُقَالُ: أَعْطِ الرَّاقِيَ بُسْلَتَهُ، يُرَادُ بِذَلِكَ: أُجْرَتَهُ، شَرَابٌ بَسِيلٌ: بِمَعْنَى مَتْرُوكٍ، وَكَذَلِكَ الْمُبْسَلُ بِالْجَرِيرَةِ، وَهُوَ الْمُرْتَهَنُ بِهَا، قِيلَ لَهُ مُبَسَّلٌ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِمَّا رُهِنَ فِيهِ وَأُسْلِمَ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ الْكِلَابِيِّ: [البحر الوافر] وَإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْنَاهُ وَلَا بِدَمٍ مُرَاقِ وَقَالَ الشَّنْفَرَى: [البحر الطويل] هُنَالِكَ لَا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي ... سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلًا بِالْجَرَائِرِ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، كَيْلَا تُبْسَلُ نَفْسٌ بِذُنُوبِهَا وَكُفْرِهَا بِرَبِّهَا، وَتُرْتَهَنُ فَتُغْلَقُ بِمَا كَسَبَتْ مِنْ إِجْرَامِهَا فِي عَذَابِ اللَّهِ.
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 70] يَقُولُ: لَيْسَ لَهَا حِينَ تُسْلَمُ بِذُنُوبِهَا فَتُرْتَهَنُ بِمَا كَسَبَتْ مِنْ آثَامِهَا أَحَدٌ يَنْصُرُهَا فَيُنْقِذُهَا مِنَ اللَّهِ الَّذِي جَازَاهَا بِذُنُوبِهَا جَزَاءَهَا، وَلَا شَفِيعَ يَشْفَعُ لَهَا لِوَسِيلَةٍ لَهُ عِنْدَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾ [الأنعام: 70] النَّفْسُ الَّتِي أُبْسِلَتْ بِمَا كَسَبَتْ، يَعْنِي: وَإِنْ تَعْدِلْ ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الأنعام: 70] يَعْنِي: كُلَّ فِدَاءٍ، يُقَالُ مِنْهُ: عَدَلَ يَعْدِلُ: إِذَا فَدَى، عَدْلًا.
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] ، وَهُوَ مَا عَادَلَهُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: «لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70] فَمَا يَعْدِلُهَا، لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لِتَفْتَدِيَ بِهِ مَا قُبِلَ مِنْهَا

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70] قَالَ: وَإِنْ تَعْدِلْ: وَإِنْ تَفْتَدِ يَكُونُ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَفْتَدِي بِهَا لَا يُؤْخَذْ مِنْهُ عَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى: وَإِنْ تُقْسِطْ كُلَّ قِسْطٍ لَا

يُقْبَلُ مِنْهَا، وَقَالَ: إِنَّهَا التَّوْبَةُ فِي الْحَيَاةِ.
وَلَيْسَ لِمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ تَائِبٍ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِنْ فَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلَّ فِدَاءٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ، هُمُ ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: 70] يَقُولُ: أُسْلِمُوا لِعَذَابِ اللَّهِ،

فَرُهِنُوا بِهِ جَزَاءً بِمَا كَسَبُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآثَامِ وَالْأَوْزَارِ.
﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: 70] ، وَالْحِمِيمُ: هُوَ الْحَارُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُومٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَمَّامِ: حَمَامٌ، لِإِسْخَانِهِ الْجِسْمَ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُرَقَّشٍ: [البحر البسيط] فِي كُلِّ مُمْسًى لَهَا مِقْطَرَةٌ ... فِيهَا كِبَاءٌ مُعَدٌّ وَحَمِيمْ يَعْنِي بِذَلِكَ مَاءً حَارًّا.
وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ فِي صِفَةِ فَرَسٍ: [البحر الكامل] تَأْبَى بِدِرَّتِهَا إِذَا مَا اسْتُغْضِبَتْ ... إِلَّا الْحَمِيمَ فَإِنَّهُ يَتَبَضَّعُ

يَعْنِي بِالْحَمِيمِ: عَرَقَ الْفَرَسِ.
وَإِنَّمَا جَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شَرَابًا مِنْ حَمِيمٍ، لِأَنَّ الْحَارَّ مِنَ الْمَاءِ لَا يَرْوِي مِنْ عَطَشٍ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ إِذَا عَطِشُوا فِي جَهَنَّمَ لَمْ يُغَاثُوا بِمَاءٍ يَرْوِيهِمْ، وَلَكِنْ بِمَا يَزِيدُونَ بِهِ عَطَشًا عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 70] يَقُولُ: وَلَهُمْ أَيْضًا مَعَ الشَّرَابِ الْحَمِيمِ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ وَالْهَوَانُ الْمُقِيمُ.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 70] يَقُولُ: بِمَا كَانَ مِنْ كُفْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِاللَّهِ، وَإِنْكَارِهِمْ تَوْحِيدَهُ، وَعِبَادَتِهِمْ مَعَهُ آلِهَةً دُونَهُ

جارٍ التحميل