تفسير الطبري = جامع البيانوَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[الأنعام: 163]

فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163] قَالَ: «أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَغْيَرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: 164] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ،

الدَّاعِيكَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَاتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: ﴿أَغْيَرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: 164] يَقُولُ: أَسِوَى اللَّهِ أَطْلُبُ سَيِّدًا يَسُودُنِي.
﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 164] يَقُولُ: وَهُوَ سَيِّدُ كُلِّ شَيْءٍ دُونَهُ، وَمُدَبِّرُهُ وَمُصْلِحُهُ.
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 164] يَقُولُ: وَلَا تَجْتَرِحُ نَفْسٌ إِثْمًا إِلَّا عَلَيْهَا، أَيْ لَا يُؤْخَذُ بِمَا أَتَتْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَرَكِبَتْ مِنَ الْخَطِيئَةِ سِوَاهَا، بَلْ كُلُّ ذِي إِثْمٍ فَهُوَ الْمُعَاقَبُ بِإِثْمِهِ وَالْمَأْخُوذُ بِذَنْبِهِ.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] يَقُولُ: وَلَا تَأْثَمُ نَفْسٌ آثِمَةٌ بِإِثْمِ نَفْسٍ أُخْرَى غَيْرَهَا، وَلَكِنَّهَا تَأْثَمُ بِإِثْمِهَا وَعَلَيْهِ تُعَاقَبُ دُونَ إِثْمِ أُخْرَى غَيْرَهَا.
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ لَهُمْ، يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّا لَسْنَا مَأْخُوذِينَ بِآثَامِكُمْ، وَعَلَيْكُمْ عُقُوبَةُ إِجْرَامِكُمْ، وَلَنَا جَزَاءُ أَعْمَالِنَا.
وَهَذَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنْ

يَقُولَ لَهُمْ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ﴾ [الكافرون: 6]

وَذَلِكَ كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا مَخْرَجَ لِلْعُلَمَاءِ الْعَابِدِينَ إِلَّا إِحْدَى خَلَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبَتِهَا: إِمَّا أَمْرٌ وَدُعَاءٌ إِلَى الْحَقِّ، أَوِ الِاعْتِزَالُ، فَلَا تُشَارِكْ أَهْلَ الْبَاطِلِ فِي عَمَلِهِمْ، وَتُؤَدِّي الْفَرَائِضَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ، وَتُحِبُّ لِلَّهِ، وَتُبْغِضُ لِلَّهِ، وَلَا تُشَارِكُ أَحَدًا فِي إِثْمٍ.
قَالَ: وَقَدْ أَنْزَلَ فِي ذَلِكَ آيَةً مُحْكَمَةً: ﴿قُلْ أَغْيَرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 164] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: 164] ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4] " يُقَالُ مِنَ الْوِزْرِ: وَزِرَ يَوْزَرُ، فَهُوَ وَزِيرٌ، وَوُزِرَ يُوزَرُ فَهُوَ مَوْزُورٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: 164] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ: كُلُّ عَامِلٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ فَلَهُ ثَوَابُ عَمَلِهِ وَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، فَاعْمَلُوا مَا أَنْتُمْ عَامِلُوهُ.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 164] أَيُّهَا النَّاسُ

﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: 55] يَقُولُ: ثُمَّ إِلَيْهِ مَصِيرُكُمْ وَمُنْقَلَبُكُمْ، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ﴾ [المائدة: 48] فِي الدُّنْيَا ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55] مِنَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ، إِذْ كَانَ بَعْضُكُمْ يَدِينُ بِالْيَهُودِيَّةِ، وَبَعْضٌ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَبَعْضٌ بِالْمَجُوسِيَّةِ، وَبَعْضٌ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَادِّعَائِهِ الشُّرَكَاءَ مَعَ اللَّهِ وَالْأَنْدَادِ، ثُمَّ يُجَازَى جَمِيعُكُمْ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ

شَرٍّ، فَتَعْلَمُوا حِينَئِذٍ مَنِ الْمُحْسِنُ مِنَّا وَالْمُسِيءُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 165] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ: وَاللَّهُ ﴿الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ [الأنعام: 165] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 165] بِأَنْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ

الْقُرُونِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَاسْتَخْلَفَكُمْ فَجَعَلَكُمْ خَلَائِفَ مِنْهُمْ فِي الْأَرْضِ، تَخْلُفُونَهُمْ فِيهَا، وَتَعْمُرُونَهَا بَعْدَهُمْ.
وَالْخَلَائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، كَمَا الْوَصَائِفُ جَمْعُ وَصِيفَةٍ، وَهِيَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي دَارِهِ يَخْلُفُهُ فَهُوَ خَلِيفَةٌ فِيهَا، كَمَا قَالَ الشَّمَّاخُ: [البحر الوافر] تُصِيبُهُمْ وَتُخْطِئُنِي الْمَنَايَا ... وَأُخْلَفُ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ

وَذَلِكَ كَمَا حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 165] قَالَ: " أَمَّا خَلَائِفُ الْأَرْضِ: فَأَهْلَكَ الْقُرُونَ، وَاسْتَخْلَفَنَا فِيهَا بَعْدَهُمْ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: 165] ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَخَالَفَ بَيْنَ أَحْوَالِكُمْ، فَجَعَلَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، بِأَنْ رَفَعَ هَذَا عَلَى هَذَا بِمَا بَسَطَ لِهَذَا مِنَ الرِّزْقِ فَفَضَّلَهُ بِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْمَالِ وَالْغِنَى عَلَى هَذَا الْفَقِيرِ فِيمَا خَوَّلَهُ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَهَذَا عَلَى هَذَا بِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْأَيْدِ وَالْقُوَّةِ عَلَى هَذَا الضَّعِيفِ الْوَاهِنِ الْقُوَى، فَخَالَفَ بَيْنَهُمْ بِأَنْ رَفَعَ مِنْ دَرَجَةِ هَذَا عَلَى دَرَجَةِ هَذَا، وَخَفَضَ مِنْ دَرَجَةِ هَذَا عَنْ

دَرَجَةِ هَذَا

وَذَلِكَ كَالَّذِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: 165] يَقُولُ: «فِي الرِّزْقِ.»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي: لِيَخْتَبِرَكُمْ فِيمَا خَوَّلَكُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنَحَكُمْ مِنْ رِزْقِهِ، فَيَعْلَمَ الْمُطِيعَ لَهُ مِنْكُمْ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ وَالْعَاصِي، وَمَنِ الْمُؤَدِّي مِمَّا آتَاهُ الْحَقَّ الَّذِي أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ مِنْهُ وَالْمُفَرِّطُ فِي أَدَائِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 165] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ لِمَنْ أَسْخَطَهُ بِارْتِكَابِهِ مَعَاصِيَهُ وَخِلَافِهِ أَمْرَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ، وَلِمَنِ ابْتَلَى مِنْهُ فِيمَا مَنَحَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَطَوْلِهِ، تَوَلِّيًا وَإِدْبَارًا عَنْهُ،

مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِ وَتَمْكِينِهِ إِيَّاهُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا فَعَلَ بِالْقُرُونِ السَّالِفَةِ.
﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ [الأنعام: 165] : وَإِنَّهُ لَسَاتِرٌ ذُنُوبَ مَنِ ابْتَلَى مِنْهُ إِقْبَالًا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ عِنْدَ ابْتِلَائِهِ إِيَّاهُ بِنِعْمَةٍ، وَاخْتِبَارِهِ إِيَّاهُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَمُغَطٍّ عَلَيْهِ فِيهَا وَتَارِكٌ فَضِيحَتَهُ بِهَا فِي مَوْقِفِ الْحِسَابِ.
﴿رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143] بِتَرْكِهِ عُقُوبَتَهُ عَلَى سَالِفِ ذُنُوبِهِ الَّتِي سَلَفَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِذْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ قَبْلَ لِقَائِهِ وَمَصِيرِهِ إِلَيْهِ

جارٍ التحميل