تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 407-416

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ [الأنبياء: 96] فَإِنَّهُ يَعْنِي: مِنْ كُلِّ شَرَفٍ وَنَشَزٍ وَأَكَمَةٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

صفحات 407-416
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96] يَقُولُ: «مِنْ كُلِّ شَرَفٍ يُقْبِلُونَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96] قَالَ: «مِنْ كُلِّ أَكَمَةٍ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96] قَالَ: الْحَدَبُ: «الشَّيْءُ الْمُشْرِفُ»

وَقَالَ الشَّاعِرُ: (عَلَى الْحِدَابِ تَمُورُ)

حَدَّثَني يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96] قَالَ: «هَذَا مُبْتَدَأُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مُشَاةً مُسْرِعِينَ فِي مَشْيِهِمْ كَنَسَلَانِ الذِّئْبِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرمل] عَسَلَانُ الذِّئْبِ أَمْسَى قَارِبًا ... بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 97] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، وَذَلِكَ وَعْدُ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ عِبَادَهُ أَنَّهُ يَبْعَثُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ لِلْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ

وَالْعِقَابِ، وَهُوَ لَا شَكَّ حَقٌّ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ، قَالَ: ثنا حُذَيْفَةُ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا، افْتَلَى فُلُوًّا بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَمْ يَرْكَبْهُ حَتَّى تَقُومَ الْقِيَامَةُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: 97] قَالَ: «اقْتَرَبَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مِنْهُمْ» وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: 97] مُقْحَمَةٌ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: 104] مَعْنَاهُ: نَادَيْنَاهُ، بِغَيْرِ وَاو، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [البحر الطويل] فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى ... بِنَا بَطْنَ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ يُرِيدُ: فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ انْتَحَى بِنَا

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97] فَفِي (هِيَ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ [الأعراف: 107] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْأَبْصَارِ , وَتَكُونُ

الْأَبْصَارُ الظَّاهِرَةُ بَيَانًا عَنْهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] لَعَمْرُو أَبِيهَا لَا تَقُولُ ظَعِينَتِي ... أَلَا فَرَّ عَنِّي مَالِكُ بْنُ أَبِي كَعْبٍ فَكَنَّى عَنِ الظَّعِينَةِ فِي: لَعَمْرُ أَبِيهَا، ثُمَّ أَظْهَرَهَا، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: فَإِذَا الْأَبْصَارُ شَاخِصَةٌ , أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عِمَادًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: 46] وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا هَهُنَا رَأْسُ

وَقَوْلُهُ: ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء: 97] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِذَا أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ شَخِصَتْ عِنْدَ مَجِيءِ الْوَعْدِ الْحَقِّ بِأَهْوَالِهِ , وَقِيَامِ السَّاعَةِ بِحَقَائِقِهَا، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ فِي الدُّنْيَا فِي غَفَلَةٍ مِنْ هَذَا الَّذِي نَرَى وَنُعَايِنُ , وَنَزَلَ بِنَا مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ.

وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ تُرِكَ ذِكْرُهُ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ عَنْهُ، وَذَلِكَ (يَقُولُونَ) مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97] يَقُولُونَ: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ [الأنبياء: 14]

وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 97] يَقُولُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ يَوْمَئِذٍ: مَا كُنَّا نَعْمَلُ لِهَذَا الْيَوْمِ مَا يُنْجِينَا مِنْ شَدَائِدِهِ، بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ بِمَعْصِيَتَنا رَبَّنَا , وَطَاعَتِنَا إِبْلِيسَ وَجُنْدَهُ فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، الْعَابِدُونَ مِنْ دُونِهِ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ.
كَمَا:

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: 98] يَعْنِي: " الْآلِهَةَ وَمَنْ يَعْبُدُهَا ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] " وَأَمَّا حَصَبُ جَهَنَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَقُودُ جَهَنَّمَ وَشَجَرُهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] «شَجَرُ جَهَنَّمَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] يَقُولُ: «وَقُودُهَا» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: حَطَبُ جَهَنَّمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] قَالَ: «حَطَبُهَا» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ , وَزَادَ فِيهِ: وَفَى بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: «حَطَبُ جَهَنَّمَ» , يَعْنِي: فِي قِرَاءَةِ عَائِشَةَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] قَالَ: «حَطَبُ جَهَنَّمَ , يُقْذَفُونَ فِيهَا»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْحُرِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] قَالَ: «حَطَبُ جَهَنَّمَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُرْمَى بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] يَقُولُ: " إِنَّ جَهَنَّمَ إِنَّمَا تُحْصَبُ بِهِمْ، وَهُوَ الرَّمْي , يَقُولُ: يُرْمَى بِهِمْ فِيهَا " وَاخْتُلِفَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] بِالصَّادِ، وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا لِإجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَرُوِي عَنْ عَلِيٍّ , وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ ذَلِكَ: «حَطَبُ جَهَنَّمَ» بِالطَّاءِ

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ: «حَضَبُ» بِالضَّادِ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ، أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إِنْ كَانَ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، أَرَادَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ تُسْجَرُ بِهِمْ جَهَنَّمُ , وَيُوقَدُ بِهِمْ فِيهَا النَّارُ , وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا هِيجَتْ بِهِ النَّارُ , وَأُوقِدَتْ بِهِ، فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ حَضْبٌ لَهَا.
فَإِذَا كَانَ الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى الْحَصْبِ عِنْدَ الْعَرَبِ: الرَّمْي، مِنْ قَوْلِهِمْ: حَصَبْتُ الرَّجُلَ: إِذَا رَمَيْتُهُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر: 34] , كَانَ الْأُولَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ تُقْذَفُ جَهَنَّمُ بِهِمْ , وَيُرْمَى بِهِمْ فِيهَا.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْحَصْبَ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ: الْحَطَبُ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَيْضًا وَجْهٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ الرَّمْي , فَإِنَّهُ فِي لُغَةِ أَهْلِ نَجْدٍ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَنْتُمْ عَلَيْهَا أَيُّهَا النَّاسُ أَوْ إِلَيْهَا وَارِدُونَ , يَقُولُ: دَاخِلُونَ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الْوُرُودَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 99] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ

ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، وَهُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَارِدُو جَهَنَّمَ، وَلَوْ كَانَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا، بَلْ كَانَتْ تَمْنَعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُورِدَكُمُوهَا إِذْ كُنْتُمْ لَهَا فِي الدُّنْيَا عَابِدِينَ، وَلَكِنَّهَا إِذْ كَانَتْ لَا نَفْعَ عِنْدَهَا لِأَنْفُسِهَا , وَلَا عِنْدَهَا دَفْعُ ضُرٍّ عَنْهَا، فَهِيَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهَا لِغَيْرِهَا أَبْعَدُ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ بَيِّنًا بُعْدُهُ مِنَ الْأُلُوهَةِ، وَأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 99] يَعْنِي الْآلِهَةَ وَمَنْ عَبَدَهَا أَنَّهُمْ مَاكِثُونَ فِي النَّارِ أَبَدًا بِغَيْرِ نِهَايَةٍ , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: كُلُّكُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 99] قَالَ: " الْآلِهَةُ الَّتِي عَبَدَ الْقَوْمُ قَالَ: الْعَابِدُ وَالْمَعْبُودُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ﴾ [البقرة: 11] الْمُشْرِكِينَ وَآلِهَتَهُمْ، وَالْهَاءُ، وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ﴾ [البقرة: 11] مِنْ ذِكْرِ ﴿كُلٌّ﴾ [البقرة: 20] الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 99] . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِكُلِّهِمْ فِي

جَهَنَّمَ زَفِيرٌ، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100] يَقُولُ: وَهُمْ فِي النَّارِ لَا يَسْمَعُونَ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100] مَا:

حَدَّثَنَا

الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100] قَالَ: " إِذَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَنْ يُخَلَّدُ فِيهَا جُعِلُوا فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوَابِيتُ فِي تَوَابِيتَ أُخْرَى، ثُمَّ جُعِلَتِ التَّوَابِيتُ فِي تَوَابِيتَ أُخْرَى , فِيهَا مَسَامِيرُ مِنْ نَارٍ، فَلَا يَرَى أحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ فِيَ النَّارِ أَحَدًا يُعَذَّبُ غَيْرُهُ.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100] "

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ كُلُّ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ مِنْ خَلْقِهِ أَنَّهُ عَنِ النَّارِ مُبْعَدٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ، وَلَيْسَ بِابْنِ مَاهَكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَخْطُبُ , فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] . قَالَ: " عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْهُمْ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ: مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُوَ لِلَّهِ طَائِعٌ وَلِعِبَادَةِ مَنْ يَعْبُدُهُ كَارِهٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] قَالَ: «عِيسَى، وَعُزَيْرٌ، وَالْمَلَائِكَةُ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: 98] ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: 101]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: قَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: " ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 99] ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] فَقَدْ عُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَعُزَيْرٌ , وَعِيسَى مِنْ دُونِ اللَّهِ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ

: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] قَالَ: «عِيسَى»

جارٍ التحميل