تفسير الطبري = جامع البيانوَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: لِي عِنْدَكَ كَذَا وَكَذَا، بِمَعْنَى: لِي قِبَلَكَ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: لِي عِنْدَكَ كَذَا وَكَذَا، بِمَعْنَى: لِي قِبَلَكَ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَكَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109] قَالَ: مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ " وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ وَدُّوا ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ إِعْلَامًا مِنْهُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَأْتُونَ مَا يَأْتُونَ مِنْ

ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِنَهْيِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لِهَؤُلَاءِ الْكَثِيرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَوَدُّونَ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَكُمْ كُفَّارًا مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمُ الْحَقُّ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَالْمِلَّةِ

الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا فَأضَاءَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ الَّذِي لَا يَمْتَرُونَ فِيهِ

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْإِسْلَامَ دَيْنُ اللَّهِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] يَقُولُ: تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ؛ وَزَادَ فِيهِ: فَكَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وَبَغْيًا، إِذْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] قَالَ: الْحَقُّ: هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ هُوَ الرَّسُولُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] قَالَ: قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَدَلَّ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّ كُفْرَ الَّذِينَ قَصَّ قِصَّتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ عِنَادٌ، وَعَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ وَمَعْرِفَةٍ، بِأَنَّهُمْ عَلَى اللَّهِ مُفْتَرُونَ

كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مِنْ بَعْدِ مَا أَضَاءَ لَهُمُ الْحَقُّ لَمْ يَجْهَلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الْحَسَدَ حَمَلَهُمْ عَلَى الْجَحْدِ.
فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ وَلَامَهُمْ وَوَبَّخَهُمْ أَشَدَّ الْمَلَامَةِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاعْفُوا﴾ [البقرة: 109] فَتَجَاوَزُوا عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ إِسَاءَةٍ وَخَطَأٍ فِي رَأْيٍ أَشَارُوا بِهِ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ، إِرَادَةَ صَدِّكُمْ عَنْهُ، وَمُحَاوَلَةَ ارِتِدَادِكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وَعَمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ قِيلِهِمْ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: 46] وَاصْفَحُوا عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ جَهْلٍ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، فَيُحْدِثُ لَكُمْ مِنْ أَمْرِهِ فِيكُمْ مَا يَشَاءُ، وَيَقْضِي فِيهِمْ مَا يُرِيدُ.
فَقَضَى فِيهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَأَتَى بِأَمْرِهِ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] . فَنَسَخَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَفْوَ عَنْهُمْ وَالصَّفْحَ بِفَرْضِ قِتَالِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى تَصِيرَ كَلِمَتُهُمْ وَكَلِمَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةً، أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ صَغَارًا

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109] وَنَسْخُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] فَأَتَى اللَّهُ بِأَمْرِهِ فَقَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] أَيْ صَغَارًا وَنِقْمَةً لَهُمْ؛ فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] قَالَ: اعْفُوا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا.
فَأَحْدَثَ اللَّهُ بَعْدُ فَقَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29] إِلَى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أنَّا مَعْمَرٌ، عَنْ

قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] قَالَ: نَسَخَتْهَا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] قَالَ: هَذَا مَنْسُوخٌ، نَسَخَهُ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْقَدِيرِ وَأَنَّهُ الْقَوِيُّ.
فَمَعْنَى الْآيَةِ هَهُنَا: أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ بِالَّذِينَ وَصَفْتُ لَكُمْ أَمْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ قَدِيرٌ، إِنْ شَاءَ الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ بِعِنَادِهِمْ رَبَّهُمْ وَإِنْ شَاءَ هَدَاهُمْ

لِمَا هَدَاكُمُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْإِيمَانِ، لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَمْرٌ شَاءَ قَضَاءَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا أَدَاؤُهَا

بِحُدُودِهَا وَفُرُوضِهَا، وَعَلَى تَأْوِيلِ الصَّلَاةِ وَمَا أَصْلُهَا، وَعَلَى مَعْنَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنَّهُ إِعْطَاؤُهَا بِطِيبِ نَفْسٍ عَلَى مَا فُرِضَتْ وَوَجَبَتْ، وَعَلَى مَعْنَى الزَّكَاةِ وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا، وَالشَّوَاهِدُ الدَّالَّةُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَرْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 110] فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَمَهْمَا تَعْمَلُوا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي أَيَّامِ حَيَاتِكُمْ فَتُقَدِّمُوهُ قَبْلَ وَفَاتِكُمْ ذُخْرًا لِأَنْفُسِكُمْ فِي مَعَادِكُمْ، تَجِدُوا ثَوَابَهُ عِنْدَ رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجَازِيكُمْ بِهِ.
وَالْخَيْرُ: هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي يَرْضَاهُ اللَّهُ.
وَإِنَّمَا

قَالَ: ﴿تَجِدُوهُ﴾ [البقرة: 110] وَالْمَعْنَى: تَجِدُوا ثَوَابَهُ

كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " قَوْلُهُ: ﴿تَجِدُوهُ﴾ [البقرة: 110] يَعْنِي: تَجِدُوا ثَوَابَهُ عِنْدَ اللَّهِ " قَالَ أَبْو جَعْفَرٍ: لِاسْتِغْنَاءِ سَامِعِي ذَلِكَ بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ عَلَى مَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ لَجَأٍ: [البحر الوافر] وَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ لَا تَلُمْهَا ... رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا وَإِنَّمَا أَرَادَ: وَسَبَّحَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ.
وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ

وَتَقْدِيمِ الْخَيْرَاتِ لِأَنْفُسِهِمْ، لِيَطَّهَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ الَّذِي سَلَفَ مِنْهُمْ فِي اسْتِنْصَاحِهِمُ الْيَهُودَ، وَرُكُونِ مَنْ كَانَ رَكَنَ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ، وَجَفَاءِ مَنْ كَانَ جَفَا مِنْهُمْ فِي خِطَابِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: 104] إِذْ كَانَتْ إِقَامَةُ الصَّلَوَاتِ كَفَّارَةً لِلذُّنُوبِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ تَطْهِيرًا لِلنُّفُوسِ وَالْأَبْدَانِ مِنْ أَدْنَاسِ الْآثَامِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْخَيْرَاتِ إِدْرَاكُ الْفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللَّهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ مَهْمَا فَعَلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فَهُوَ بِهِ بَصِيرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيَجْزِيهِمْ بِالْإِحْسَانِ جَزَاءَهُ وَبِالْإِسَاءَةِ مِثْلَهَا.
وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ

خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، فَإِنَّ فِيهِ وَعْدًا وَوَعِيدًا، وَأَمْرًا وَزَجْرًا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَعْلَمَ الْقَوْمَ أَنَّهُ بَصِيرٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ لِيَجِدُّوا فِي طَاعَتِهِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَذْخُورًا لَهُمْ عِنْدَهُ حَتَّى يُثِيبَهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 110] وَلْيَحْذَرُوا مَعْصِيَتَهُ، إِذْ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى رَاكِبَهَا بَعْدَ تَقَدُّمِهِ إِلَيْهِ فِيهَا بِالْوَعِيدِ عَلَيْهَا.
وَمَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمَا وَعَدَ عَلَيْهِ فَمَأْمُورٌ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 96] فَإِنَّهُ مُبْصِرٌ صُرِفَ إِلَى بَصِيرٍ، كَمَا صُرِفَ مُبْدِعٌ إِلَى بَدِيعٍ، وَمُؤْلِمٌ إِلَى أَلِيمٍ

جارٍ التحميل