وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[الزمر: 53]
فَإِنَّهُ يَعْنِي: «لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» كَذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ قَبْلُ فِيمَا مَضَى وَبَيَّنَا مَعْنَاهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ عَلَى الذُّنُوبِ كُلِّهَا بِعَفْوِهِ عَنْ أَهْلِهَا وَتَرْكِهِ عُقُوبَتَهُمْ عَلَيْهَا إِذَا تَابُوا مِنْهَا ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: 98] بِهِمْ، أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَقْبِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى رَبِّكُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ لَهُ،
وَاسْتَجِيبُوا لَهُ إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ، وَإِفْرَادِ الْأُلُوهَةِ لَهُ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 54] : «أَيْ أَقْبِلُوا إِلَى رَبِّكُمْ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَأَنِيبُوا﴾ [الزمر: 54] قَالَ: «أَجِيبُوا»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 54] قَالَ: " الْإِنَابَةُ: الرُّجُوعُ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالنِّزُوعُ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ ": ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: 31]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54] يَقُولُ: وَاخْضَعُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالدِّينِ الْحَنِيفِيِّ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ [الزمر: 54] مِنْ عِنْدِهِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113] يَقُولُ: ثُمَّ لَا يَنْصُرُكُمْ نَاصِرٌ، فَيَنْقِذُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ النَّازِلِ بِكُمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاتَّبِعُوا أَيُّهَا النَّاسُ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ فِي تَنْزِيلِهِ، وَاجْتَنِبُوا مَا نَهَاكُمْ فِيهِ عَنْهُ، وَذَلِكَ هُوَ أَحْسَنُ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ شَيْءٍ؟ قِيلَ لَهُ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ، وَلَيْسَ
مَعْنَى ذَلِكَ مَا تَوَهَّمْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَاتَّبِعُوا مِمَّا أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ رَبُّكُمْ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْي وَالْخَبَرِ وَالْمَثَلِ وَالْقَصَصِ وَالْجَدَلِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ أَحْسَنَهُ، أَنْ تَأْتَمِرُوا لَأَمْرِهِ، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَى عَنْهُ، لِأَنَّ النَّهْيَ مِمَّا أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ، فَلَوْ عَمِلُوا بِمَا نُهُوا عَنْهُ كَانُوا عَامِلِينَ بِأَقْبَحِهِ، فَذَلِكَ وَجْهُهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 55] يَقُولُ: «مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فِي الْكِتَابِ» ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ [الزمر: 54] وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر: 55] يَقُولُ: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ فَجْأَةً» ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 55] يَقُولُ: «وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِهِ حَتَّى يَغْشَاكُمْ فَجْأَةً»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر: 56] بِمَعْنَى لِئَلَّا تَقُولَ نَفْسٌ ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدُ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] بِمَعْنَى: أَنْ لَا تَمِيدَ بِكُمْ، فَأَنْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ