تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 398-410

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 76] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَلَمَّا غَابَ وَذَهَبَ

صفحات 398-410
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا)

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: 91] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ الْقَائِلِينَ لَكَ: مَا أُنْزِلَ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾ [الأنعام: 91] يَعْنِي: جَلَاءً وَضِيَاءً مِنْ ظُلْمَةِ الضَّلَالَةِ ﴿وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91] يَقُولُ: بَيَانًا لِلنَّاسِ، يُبَيِّنُ لَهُمْ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا.
فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ [الأنعام: 91] جَعَلَهُ خِطَابًا لِلْيَهُودِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ تَأْوِيلِ مَنْ

تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَمَنْ قَرَأَهُ بِالْيَاءِ: (يَجْعَلُونَهُ) فَتَأْوِيلُهُ فِي قِرَاءَتِهِ: يَجْعَلُهُ أَهْلُهُ قَرَاطِيسَ، وَجَرَى الْكَلَامُ فِي (يُبْدُونَهَا) بِذِكْرِ الْقَرَاطِيسِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْمَكْتُوبُ فِي الْقَرَاطِيسِ، يُرَادُ يُبْدُونَ كَثِيرًا مِمَّا يَكْتُبُونَ فِي الْقَرَاطِيسِ، فَيُظْهِرُونَهُ لِلنَّاسِ وَيُخْفُونَ كَثِيرًا مِمَّا يُثْبِتُونَهُ فِي الْقَرَاطِيسِ فَيُسِرُّونَهُ وَيَكْتُمُونَهُ النَّاسَ.
وَمِمَّا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ إِيَّاهُمْ مَا فِيهَا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ

كَالَّذِي حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ : الْيَهُودُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قُلْ﴾ [الأنعام: 91] يَا مُحَمَّدُ: (مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا) ، يَعْنِي يَهُودَ لِمَا أَظْهَرُوا مِنَ التَّوْرَاةِ.
(وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) مِمَّا أَخْفَوْا مِنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: إِنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) ، قَالَ: «هُمْ يَهُودُ الَّذِينَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَعَلَّمَكُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ مِنْ أَخْبَارِ مَنْ قَبْلَكُمْ وَمِنْ أَنْبَاءِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَمَا هُوَ كَائِنٌ فِي

مَعَادِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91] يَقُولُ: وَلَمْ يَعْلَمْهُ آبَاؤُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مِنَ الْعَرَبِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

كَالَّذِي حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ [الأنعام: 91] مَعْشَرَ الْعَرَبِ ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: إِنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا، يَقُولُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91] ، قَالَ: «هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [النساء: 127] فَإِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبَ اسْتِفْهَامَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَمَّا أَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِهِمْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: 91] بِقِيلِهِ: اللَّهُ، كَأَمْرِهِ إِيَّاهُ

فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 63] ، فَأَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا أَمَرَهُ بِاسْتِفْهَامِهِمْ ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] عَمَّنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ.
ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ عَنْهُ هُنَالِكَ بِقِيلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 64] ، كَمَا أَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ هَهُنَا عَنْ ذَلِكَ بِقِيلِهِ: اللَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91] قَالَ: «اللَّهُ أَنْزَلَهُ» وَلَوْ قِيلَ: مَعْنَاهُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ) عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ لَهُ بِالْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْجَوَابِ إِذْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: 91] مَسْأَلَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 91] جَوَابًا لَهُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ، فَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِمُحَمَّدٍ بِمَسْأَلَةِ الْقَوْمِ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ تَأْوِيلِهِ كَانَ جَائِزًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ، وَلَا يَكُونُ لِلِاسْتِفْهَامِ جَوَابٌ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91] فَإِنَّهُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ ذَرْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ بَعْدَ احْتِجَاجِكَ عَلَيْهِمْ فِي قِيلِهِمْ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] بِقَوْلِكَ ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91] ، وَإِجَابَتِكَ

ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ كِتَابَهُ ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ [الأنعام: 91] يَعْنِي: فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنْ بَاطِلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ، يَقُولُ: يَسْتَهْزِئُونَ وَيَسْخَرُونَ.
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ وَعِيدٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَتَهْدِيدٌ لَهُمْ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ثُمَّ دَعْهُمْ لَاعِبِينَ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنِّي مِنْ وَرَاءِ مَا هُمْ فِيهِ مِنِ اسْتِهْزَائِهِمْ بِآيَاتِي بِالْمِرْصَادِ وَأُذِيقُهُمْ بَأْسِي، وَأُحِلُّ بِهِمْ إِنْ تَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ سَخَطِي

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ

وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَهَذَا﴾ [آل عمران: 68] الْقُرْآنُ يَا مُحَمَّدُ ﴿كِتَابٌ﴾ [البقرة: 89] وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ قَدْ بَيَّنْتُهُ وَبَيَّنْتُ مَعْنَاهُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَمَعْنَاهُ: مَكْتُوبٌ، فَوَضَعَ الْكِتَابَ مَكَانَ الْمَكْتُوبِ.
﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنعام: 92] يَقُولُ: أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ، ﴿مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92] وَهُوَ مُفَاعَلٌ مِنَ الْبَرَكَةِ، ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: 92] يَقُولُ: صَدَّقَ هَذَا الْكِتَابُ مَا قَبْلَهُ مِنْ كُتِبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ قَبْلَكَ، لَمْ يُخَالِفْهَا وَلَا بِنَبَأٍ، وَهُوَ مَعْنَى ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91] ، يَقُولُ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْكِتَابَ مُبَارَكًا مُصَدِّقًا كِتَابَ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْهُ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْخَبَرَ عَنْ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِهِ مُتَّصِلٌ، فَقَالَ: وَهَذَا ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: 29] ، وَمَعْنَاهُ: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا مُبَارَكًا، كَالَّذِي أَنْزَلْتُ مِنَ التَّوْرَاةِ إِلَى مُوسَى هُدًى وَنُورًا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92] فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْكِتَابَ مُصَدِّقًا مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، وَلِتُنْذِرَ بِهِ عَذَابَ اللَّهِ وَبَأْسَهُ مَنْ فِي أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ وَمَنْ حَوْلَهَا شَرْقًا وَغَرْبًا مِنَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَالْجَاحِدِينَ بِرُسُلِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ

الْكُفَّارِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92] يَعْنِي بِأُمِّ الْقُرَى: مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92] : وَأُمُّ الْقُرَى: مَكَّةُ، وَمَنْ حَوْلَهَا: الْأَرْضُ كُلُّهَا

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الأنعام: 92] قَالَ: هِيَ مَكَّةُ "

وَبِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ مَكَّةَ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92] : كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ أُمَّ الْقُرَى: مَكَّةُ، وَكُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ مِنْهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92] : «أَمَا أُمُّ الْقُرَى فَهِيَ مَكَّةُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِهَا» وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى الْعِلَّةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: 92] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِقِيَامِ السَّاعَةِ وَالْمَعَادِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى اللَّهِ، وَيُصَدِّقُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَإِنَّهُ يُؤْمِنُ بِهَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَيُصَدِّقُ بِهِ وَيُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ

أَنْزَلَهُ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِإِقَامَتِهَا لِأَنَّهُ مُنْذِرٌ مَنْ بَلَغَهُ وَعِيدَ اللَّهِ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ وَعَلَى مَعَاصِيهِ، وَإِنَّمَا يَجْحَدُ بِهِ وَبِمَا فِيهِ وَيُكَذِّبُ أَهْلُ التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ وَالْجُحُودِ لَقِيَامِ السَّاعَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجُو مِنَ اللَّهِ إِنْ عَمِلَ بِمَا فِيهِ ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُ إِنْ لَمْ يَجْتَنِبْ مَا يَأْمُرُهُ بِاجْتِنَابِهِ عِقَابًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 21] : وَمَنْ أَخْطَأُ قَوْلًا وَأَجْهَلُ فِعْلًا مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، يَعْنِي: مِمَّنِ اخْتَلَقَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَعَثَهُ نَبِيًّا وَأَرْسَلَهُ نَذِيرًا، وَهُوَ فِي دَعْوَاهُ مُبْطِلٌ وَفِي قِيلِهِ كَاذِبٌ.
وَهَذَا تَسْفِيهٌ مِنَ اللَّهِ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَتَجْهِيلٌ مِنْهُ لَهُمْ فِي مُعَارَضَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَالْحَنَفِيِّ مُسَيْلِمَةَ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَى أَحَدِهِمَا النُّبُوَّةَ، وَدَعْوَى الْآخَرِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَفْي مِنْهُ عَنْ نَبِيِّهِ

مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِلَاقَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَدَعْوَى الْبَاطِلِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93] قَالَ: نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ حَنِيفَةَ فِيمَا كَانَ يُسَجِّعُ وَيَتَكَهَّنُ بِهِ.
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 93] : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ فِيمَا يُمْلِي «عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ، فَيَكْتُبُ «غَفُورٌ رَحِيمٌ» ، فَيُغَيِّرُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا لِمَا حَوَّلَ، فَيَقُولُ: نَعَمْ سَوَاءٌ، فَرَجَعَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَقَالَ لَهُمْ: لَقَدْ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ (عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فَأُحَوِّلُهُ ثُمَّ أَقُولُ لِمَا أَكْتُبُ، فَيَقُولُ: «نَعَمْ سَوَاءٌ» ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، إِذْ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرٍّ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ خَاصَّةً

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93]

إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: 93] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَسْلَمَ وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ إِذَا أَمْلَى عَلَيْهِ «سَمِيعًا عَلِيمًا» كَتَبَ هُوَ: «عَلِيمًا حَكِيمًا» ، وَإِذَا قَالَ: «عَلِيمًا حَكِيمًا» كَتَبَ: «سَمِيعًا عَلِيمًا» ، فَشَكَّ وَكَفَرَ وَقَالَ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُنْزِلُهُ فَقَدْ أَنْزَلْتُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: (سَمِيعًا عَلِيمًا) ، فَقُلْتُ أَنَا: (عَلِيمًا حَكِيمًا) . فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَوَشَى بِعَمَّارٍ وَجُبَيْرٍ عِنْدَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَوْ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَأَخَذُوهُمْ فَعُذِّبُوا حَتَّى كَفَرُوا، وَجُدِعَ أُذُنُ عَمَّارٍ يَوْمَئِذٍ، فَانْطَلَقَ عَمَّارٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ وَالَّذِي أَعْطَاهُمْ مِنَ الْكُفْرِ، فَأَبَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَلَّاهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ وَعَمَّارٍ وَأَصْحَابِهِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: 106] ، فَالَّذِي أُكْرِهَ عَمَّارٌ وَأَصْحَابُهُ، وَالَّذِي شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَهُوَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْقَائِلُ: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93] مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 93] ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا فِي مَنَامِي الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: كَذَّابُ الْيَمَامَةِ مُسَيْلِمَةُ، وَكَذَّابُ صَنْعَاءَ الْعَنْسِيُّ "، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْأَسْوَدُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93] ، قَالَ: «نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَزَادَ فِيهِ: وَأَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ فِيَ يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُ ذَلِكَ كَذَّابَ الْيَمَامَةِ، وَكَذَّابَ صَنْعَاءَ الْعَنْسِيَّ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93] وَلَا تَمَانُعٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ أَنَّ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ كَانَ مِمَّنْ قَالَ: إِنِّي قَدْ قُلْتُ مِثْلَ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ، وَأَنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ إِسْلَامِهِ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ.
فَكَانَ لَا شَكَّ بِذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ مُفْتَرِيًا كَذِبًا.
وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ وَالْعَنْسِيَّ الْكَذَّابَيْنِ ادَّعَيَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَنَّهُ بَعَثَهُمَا نَبِيَّيْنِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي قِيلِهِ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كُلُّ مَنْ كَانَ مُخْتَلِقًا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَقَائِلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَفِي غَيْرِهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي قِيلِهِ كَاذِبٌ لَمْ يُوحِ اللَّهُ إِلَيْهِ شَيْئًا.
فَأَمَّا التَّنْزِيلُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بِسَبَبِ بَعْضِهِمْ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بِسَبَبِ جَمِيعِهِمْ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ، إِذْ كَانَ قَائِلُو ذَلِكَ مِنْهُمْ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى

تَرْكِهِمْ نَكِيرَ ذَلِكَ.
وَمَعَ تَرْكِهِمْ نَكِيرَهُ، هُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَذِّبُونَ، وَلِنُبُوَّتِهِ جَاحِدُونَ، وَلِآيَاتِ كِتَابِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ دَافِعُونَ، فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ادَّعَى عَلَى النُّبُوَّةِ كَاذِبًا وَقَالَ: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93] ، وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] ، فَيَنْقُضُ قَوْلَهُ بِقَوْلِهِ، وَيُكَذِّبُ بِالَّذِي تَحَقَّقَهُ، وَيَنْفِي مَا يُثْبِتُهُ، وَذَلِكَ إِذَا تَدَبَّرَهُ الْعَاقِلُ الْأَرِيبُ عَلِمَ أَنَّ فَاعِلَهُ مِنْ عَقْلِهِ عَدِيمٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 93]

مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 93] ، قَالَ: «زَعَمَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَالَ مِثْلَهُ، يَعْنِي الشِّعْرَ» فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهِ هَذَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِ قَائِلٍ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَى: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا قَالَ اللَّهُ مِنَ الشِّعْرِ.
وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ السُّدِّيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُ قَبْلُ فِيمَا مَضَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ حِينَ يَغْمُرُ الْمَوْتُ بِسَكَرَاتِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ، الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ، وَالْقَائِلِينَ: مَا

أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، وَالْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَالْقَائِلِينَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَتُعَاينُهُمْ

وَقَدْ غَشِيَتْهُمْ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ، وَنَزَلَ بِهِمْ أَمْرُ اللَّهِ، وَحَانَ فَنَاءُ آجَالِهِمْ، وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: 28] ، يَقُولُونَ لَهُمْ: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ.
وَالْغَمَرَاتُ: جَمْعُ غَمْرَةٍ، وَغَمْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ: كَثْرَتُهُ وَمُعْظَمُهُ، وَأَصْلُهُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَغْمُرُ الْأَشْيَاءَ فَيُغَطِّيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الوافر] وَهَلْ يُنْجِي مِنَ الْغَمَرَاتِ إِلَّا ... بَرَاكَاءُ الْقِتَالِ أَوِ الْفِرَارُ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: 93] قَالَ: «سَكَرَاتُ الْمَوْتِ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: 93] يَعْنِي: «سَكَرَاتِ الْمَوْتِ» وَأَمَّا بَسْطُ الْمَلَائِكَةِ أَيْدِيَهُمْ فَإِنَّهُ مَدُّهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي سَبَبِ بَسْطِهَا أَيْدِيَهَا عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قَالَ: " هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْبَسْطُ: الضَّرْبُ، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي: قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: «الْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ.
وَالظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَتَوَفَّاهُمْ»

جارٍ التحميل