وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 76] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَلَمَّا غَابَ وَذَهَبَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَارِمٌ أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَغَيْرِهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «بِشِرْكٍ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] يَقُولُ: «بِكُفْرٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] يَقُولُ: " لَمْ
يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِالشِّرْكِ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَرَأَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] ، فَلَمَّا قَرَأَهَا فَزِعَ، فَأَتَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، قَرَأْتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَنْ يَسْلَمُ؟ فَقَالَ: مَا هِيَ؟ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ: " غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] ؟ إِنَّمَا هُوَ: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ، دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَرَأَ فِي الْمُصْحَفِ فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] ، فَأَتَى أُبَيًّا فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مِهْرَانَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ نَشَرَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَهُ، فَدَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَرَأَ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] فَاشْتَغَلَ وَأَخَذَ
رِدَاءَهُ، ثُمَّ أَتَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] ، وَقَدْ تَرَى أَنَّا نَظْلِمُ وَنَفْعَلُ وَنَفْعَلُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِذَاكَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] ، إِنَّمَا ذَلِكَ الشِّرْكُ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَمْرِو بْنِ سَالِمٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ، فَقَالَ أُبَيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: ذَاكَ الشِّرْكُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنِ ابْنِ سَالِمٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَذَكَرَهُ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «بِشِرْكٍ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا حُسَيْنٌ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «بِشِرْكٍ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] ، «أَيْ بِشِرْكٍ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «بِشِرْكٍ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «بِشِرْكٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: 82] إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ كَبُرَ
ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ لُقْمَانَ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: «بِشِرْكٍ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «بِشِرْكٍ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَانِي الظُّلْمِ.
وَذَلِكَ فِعْلُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْ فِعْلِهِ، أَوْ تَرْكُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، وَقَالُوا: الْآيَةُ عَلَى الْعُمُومِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الظُّلْمِ.
قَالُوا: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَفَلَا أَمْنَ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِي صَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَةٍ، وَإِلَّا لِمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَلَا ذَنْبَ لَهُ؟ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ خَاصًّا مِنْ خَلْقِهِ دُونَ الْجَمِيعِ مِنْهُمْ، وَالَّذِي عَنَى بِهَا وَأَرَادَهُ بِهَا خَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّهُ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ فِي مَشِيئَتِهِ إِذَا كَانَ قَدْ أَتَى بَعْضَ مَعَاصِيهِ الَّتِي لَا تَبْلُغُ أَنْ تَكُونَ كُفْرًا، فَإِنْ شَاءَ لَمْ يُؤْمِنْهُ مِنْ عَذَابِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَعَفَا عَنْهُ.
قَالُوا: وَذَلِكَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «هَذِهِ الْآيَةُ لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، لَيْسَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْهَا شَيْءٌ» ذِكْرُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهَا الْمُهَاجِرُونَ خَاصَّةً
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قَالَ: «هِيَ لِمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ، مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «الظُّلْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الشِّرْكُ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] فَإِنَّهُ يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ، لَهُمُ الْأَمْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] يَقُولُ: وَهُمُ الْمُصِيبُونَ سَبِيلَ الرَّشَادِ، وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ النَّجَاةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ [الأنعام: 83] قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِمُخَاصِمِيهِ مِنْ قَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، أَمَنْ يَعْبُدُ رَبًّا وَاحِدًا مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَالْعِبَادَةَ أَمْ مَنْ يَعْبُدُ
أَرْبَابًا كَثِيرَةً؟ وَإِجَابَتَهُمْ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِمْ: بَلْ مَنْ يَعْبُدُ رَبًّا وَاحِدًا أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، وَقَضَاءَهُمْ لَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ قَطْعُ عُذْرِهِمْ، وَانْقِطَاعُ حُجَّتِهِمْ، وَاسْتِعْلَاءُ حُجَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمْ، فَهِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي آتَاهَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ
كَالَّذِي حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83] قَالَ: هِيَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ حِينَ سَأَلَ: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ؟ قَالَ: هِيَ حُجَّةُ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَوْلُهُ: وَ ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83] يَقُولُ: لَقَنَّاهَا إِبْرَاهِيمَ وَبَصَّرْنَاهُ إِيَّاهَا، وَعَرَّفْنَاهُ عَلَى قَوْمِهِ
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: 83] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: (نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ) بِإِضَافَةِ الدَّرَجَاتِ إِلَى مَنْ، بِمَعْنَى: نَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ نَشَاءُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: 83] بِتَنْوِينِ (الدَّرَجَاتِ) ، بِمَعْنَى نَرْفَعُ مَنْ نَشَاءُ دَرَجَاتٍ.
وَالدَّرَجَاتُ: جَمْعُ دَرَجَةٍ، وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مَرَاقِي السُّلَّمِ وَدَرَجُهُ، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي ارْتِفَاعِ الْمَنَازِلِ وَالْمَرَاتِبِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: هُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَئِمَّةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، مُتَقَارِبٌ مَعْنَاهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنَ رُفِعَتْ دَرَجَتُهُ فَقَدْ رُفِعَ فِي الدَّرَجِ، وَمَنْ رُفِعَ فِي الدَّرَجِ فَقَدْ رُفِعَتْ دَرَجَتُهُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ فَرَفَعْنَا بِهَا دَرَجَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَشَرَّفْنَاهُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَآتَيْنَاهُ فِيهَا أَجْرَهُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مِنَ الصَّالِحِينَ، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: 83] أَيْ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83] فَإِنَّهُ يَعْنِي: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ حَكِيمٌ فِي سِيَاسَتِهِ خَلْقَهُ، وَتَلْقِينَهُ أَنْبِيَاءَهُ الْحُجَجَ عَلَى أُمَمِهِمُ الْمُكَذِّبَةِ لَهُمُ الْجَاحِدَةِ تَوْحِيدَ رَبِّهِمْ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِهِ، عَلِيمٌ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ رُسُلِهِ وَالْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ مِنْ
ثَبَاتِ الْأُمَمِ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَهَلَاكِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَابَتِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ مِنْهُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَى طَاعَتِهِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَأَسَّ يَا مُحَمَّدُ فِي نَفْسِكَ وَقَوْمِكَ الْمُكَذِّبِيكَ وَالْمُشْرِكِينَ بِأَبِيكَ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَنُوبُكَ مِنْهُمْ صَبْرَهُ، فَإِنِّي بِالَّذِي يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُكَ وَأَمْرُهُمْ عَالِمُ التَّدْبِيرِ، فِيكَ وَفِيهِمْ حَكِيمٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَجَزَيْنَا إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَاعَتِهِ إِيَّانَا، وَإِخْلَاصِهِ تَوْحِيدَ رَبِّهِ، وَمُفَارَقَتِهِ دِينَ
قَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ بِأَنْ رَفَعْنَا دَرَجَتَهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا، وَوَهَبْنَا لَهُ أَوْلَادًا خَصَصْنَاهُمْ بِالنُّبُوَّةِ، وَذُرِّيَّةً شَرَّفْنَاهُمْ مِنَّا بِالْكَرَامَةِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، مِنْهُمُ ابْنُهُ إِسْحَاقُ، وَابْنُ ابْنِهِ يَعْقُوبُ.
﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: 84] يَقُولُ: هَدَيْنَا جَمِيعَهُمْ لِسَبِيلِ الرَّشَادِ، فَوَفَّقْنَاهُمْ لِلْحَقِّ وَالصَّوَابِ مِنَ الْأَدْيَانِ.
﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: 84] يَقُولُ: وَهَدَيْنَا لِمِثْلِ الَّذِي هَدَيْنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مِنَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ فَوَفَّقْنَاهُ لَهُ، نُوحًا مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ ، وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام: 84] مِنْ ذِكْرِ نُوحٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي سِيَاقِ الْآيَاتِ الَّتِي تَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ لُوطًا فَقَالَ: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 86] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ لُوطًا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ.
فَإِذَا
كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مَعْطُوفًا عَلَى أَسْمَاءِ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِالذُّرِّيَّةِ ذُرِّيَّةَ إِبْرَاهِيمَ لَمَا دَخَلَ يُونُسُ وَلُوطٌ فِيهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ لُوطًا لَيْسَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَكِنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي (الذُّرِّيَّةِ) مِنْ ذِكْرِ نُوحٍ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَنُوحًا وَفَّقْنَا لِلْحَقِّ وَالصَّوَابِ مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَهَدَيْنَا أَيْضًا مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ.
وَدَاوُدُ: هُوَ دَاوُدُ بْنُ إِيشَا.
وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُهُ، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ.
وَأَيُّوبُ هُوَ أَيُّوبُ بْنُ مُوصِ بْنِ رَوْحِ بْنِ عِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَيُوسُفُ: هُوَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَمُوسَى: هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ.
وَهَارُونُ: أَخُو مُوسَى.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: 84] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: جَزَيْنَا نُوحًا بِصَبْرِهِ عَلَى مَا امْتُحِنَ بِهِ فِينَا بِأَنْ هَدَيْنَاهُ فَوَفَّقْنَاهُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ الَّذِي خَذَلْنَا عَنْهُ مَنْ عَصَانَا فَخَالَفَ أَمْرَنَا وَنَهْيَنَا مِنْ قَوْمِهِ، وَهَدَيْنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ لِمِثْلِ الَّذِي هَدَيْنَاهُ لَهُ.
وَكَمَا جَزَيْنَا هَؤُلَاءِ بِحُسْنِ طَاعَتِهِمْ إِيَّانَا وَصَبْرِهِمْ عَلَى الْمِحَنِ فِينَا، كَذَلِكَ نَجْزِي بِالْإِحْسَانِ كُلَّ مُحْسِنٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: 85]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَدَيْنَا أَيْضًا لِمِثْلِ الَّذِي هَدَيْنَا لَهُ نُوحًا مِنَ الْهُدَى وَالرَّشَادِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ زَكَرِيَّا بْنَ أَزْنِ بْنِ بَرْكِيَا، وَيَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ بْنِ أَشْيَمَ بْنِ أُمُورِ بْنِ حِزْقِيَا، وَإِلْيَاسَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِلْيَاسَ، فَكَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يَقُولُ: هُوَ إِلْيَاسُ بْنُ يَسِّي بْنِ فِنْحَاصِ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ ابْنُ أَخِي مُوسَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ: هُوَ إِدْرِيسُ، وَمِمَّنْ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " إِدْرِيسُ هُوَ إِلْيَاسُ، وَإِسْرَائِيلُ هُوَ يَعْقُوبُ وَأَمَّا أَهْلُ الْأَنْسَابِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِدْرِيسُ جَدُّ نُوحِ بْنِ لَمْكَ بْنِ مُتْوشَلَخِ بْنِ أَخْنُوخَ، وَأَخْنُوخُ: هُوَ إِدْرِيسُ بْنُ يَرِدَ بْنِ مَهْلَائِيلَ.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.
وَالَّذِي يَقُولُ أَهْلُ الْأَنْسَابِ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَبَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى نُوحٍ، وَجَعَلَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَنُوحٌ ابْنُ إِدْرِيسَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ،
فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ جَدُّ أَبِيهِ مَنْسُوبًا إِلَى أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: 85] يَقُولُ: مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْنَا مِنَ الصَّالِحِينَ، يَعْنِي: زَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَعِيسَى، وَإِلْيَاسَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكِلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 86] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَدَيْنَا أَيْضًا مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْيَسَعُ: هُوَ الْيَسَعُ بْنُ أَخْطُوبَ بْنِ الْعَجُوزِ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ اسْمِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ
وَالْعِرَاقِ: ﴿وَالْيَسَعَ﴾ [الأنعام: 86] بِلَامٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ.
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ (يَفْعَلُ) ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَسِعَ يَسَعُ، وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تُدْخِلُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى اسْمٍ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، أَعْنِي: عَلَى (يَفْعَلُ) ، لَا يَقُولُونَ: رَأَيْتُ الْيَزِيدَ، وَلَا أَتَانِي التُّجِيبُ، وَلَا مَرَرْتُ بِالْيَشْكُرُ، إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ، وَذَلِكَ أَيْضًا إِذَا تُحُرِّيَ بِهِ الْمَدْحُ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
[البحر الطويل]
وَجَدْنَا الْوَلِيدَ بْنَ الْيَزِيدَ مُبَارَكًا ... شَدِيدًا بِأَعْبَاءِ الْخِلَافَةِ كَاهِلُهُ
فَأَدْخَلَ فِي (الْيَزِيدَ) الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَذَلِكَ لِإِدْخَالِهِ إِيَّاهُمَا فِي الْوَلِيدِ، فَأَتْبَعَهُ الْيَزِيدَ بِمِثْلِ لَفْظِهِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (وَاللَّيْسَعَ) بِلَامَيْنِ وَبِالتَّشْدِيدِ،
وَقَالُوا: إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ أَشْبَهَ بِأَسْمَاءِ الْعَجَمِ.
وَأَنْكَرُوا التَّخْفِيفَ وَقَالُوا: لَا نَعْرِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْمًا عَلَى (يَفْعَلُ) فِيهِ أَلِفٌ وَلَامٌ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ اسْمِهِ دُونَ التَّشْدِيدِ، مَعَ أَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيُّ، فَيُنْطَقُ بِهِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ.
وَإِنَّمَا لَا يَسْتَقِيمُ دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيمَا جَاءَ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَرَبِ عَلَى (يَفْعَلُ) ، وَأَمَّا الِاسْمُ الَّذِي يَكُونُ أَعْجَمِيًّا فَإِنَّمَا يُنْطَقُ بِهِ عَلَى مَا سَمَّوْا بِهِ، فَإِنْ غُيِّرَ مِنْهُ شَيْءٌ إِذَا تَكَلَّمَتِ الْعَرَبُ، فَإِنَّمَا يُغَيَّرُ بِتَقْوِيمِ حَرْفٍ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ فِيهِ وَلَا نُقْصَانٍ، وَالْيَسَعُ إِذَا شُدِّدَ لَحِقَتْهُ زِيَادَةٌ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَبْلَ التَّشْدِيدِ.
وَأُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَالَ: اسْمُهُ (لَيْسَعَ) ، فَيَكُونُ مُشَدَّدًا عِنْدَ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ اللَّتَيْنِ تَدْخُلَانِ لِلتَّعْرِيفِ، ﴿وَيُونُسَ﴾ [النساء: 163] هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، ﴿وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا﴾ [الأنعام: 86] مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَنُوحًا، لَهُمْ بَيَّنَّا الْحَقَّ وَوَفَّقْنَاهُمْ لَهُ.
وَفَضَّلْنَا جَمِيعِهُمْ ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] يَعْنِي: عَلَى عَالَمِ أَزْمَانِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 87] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَدَيْنَا أَيْضًا مِنْ آبَاءِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمِنْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ آخَرِينَ سِوَاهُمْ لَمْ يُسَمِّهِمْ لِلْحَقِّ وَالدِّينِ الْخَالِصِ الَّذِي لَا