تفسير الطبري = جامع البيانوَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175] فَإِنَّهُ يَعْنِي: خَرَجَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي كَانَ اللَّهُ آتَاهَا إِيَّاهُ، فَتَبَرَّأَ مِنْهَا وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175] فَإِنَّهُ يَعْنِي: خَرَجَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي كَانَ اللَّهُ آتَاهَا إِيَّاهُ، فَتَبَرَّأَ مِنْهَا وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعْنِي بِالْجَبَّارِينَ وَمَنْ مَعَهُ، أَتَاهُ يَعْنِي بَلْعَمَ بَنُو عَمِّهِ وَقَوْمُهُ فَقَالُوا: إِنَّ مُوسَى رَجُلٌ حَدِيدٌ، وَمَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ إِنْ يَظْهَرَ عَلَيْنَا يُهْلِكْنَا.
فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَنَّا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: إِنِّي إِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ذَهَبَتْ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي.
فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: 175] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ اللَّهُ آتَاهُ آيَاتِهِ فَتَرَكَهَا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175] قَالَ: نُزِعَ مِنْهُ الْعِلْمُ " وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 175] يَقُولُ: فَصَيَّرَهُ لِنَفْسِهِ تَابِعًا يَنْتَهِي إِلَى أَمْرِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَيُخَالِفُ أَمْرَ رَبِّهِ فِي مَعْصِيَةِ الشَّيْطَانِ وَطَاعَةِ الرَّحْمَنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: 175] يَقُولُ: فَكَانَ مِنَ الْهَالِكِينَ لِضَلَالِهِ وَخِلَافَةِ أَمْرِ رَبِّهِ وَطَاعَةِ الشَّيْطَانِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَا هَذَا الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا بِآيَاتِنَا

الَّتِي آتَيْنَاهُ، ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 176] يَقُولُ: سَكَنَ إِلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْأَرْضِ وَمَالَ إِلَيْهَا، وَآثَرَ لَذَّتَهَا وَشَهَوَاتِهَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، وَرَفَضَ طَاعَةَ اللَّهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ.
وَكَانَتْ قِصَّةُ هَذَا الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي خَبَرِهِ وَأَمْرِهِ

مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْآيَةِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175] فَحَدَّثَ عَنْ سَيَّارٍ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بَلْعَامُ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ.
قَالَ: وَإِنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامُ أَوْ قَالَ الشَّامَ قَالَ: فَرُعِبَ النَّاسُ مِنْهُ رُعْبًا شَدِيدًا، قَالَ: فَأَتَوْا بَلْعَامَ، فَقَالُوا ادْعُ

اللَّهَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَجَيْشِهِ، قَالَ: حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي أَوْ حَتَّى أُؤَامِرَ قَالَ: فَآمَرَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَدْعُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادِي وَفِيهِمْ نَبِيُّهُمْ، قَالَ: فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنِّي آمَرْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، وَإِنِّي قَدْ نُهِيتُ.
قَالَ: فَأَهْدَوْا إِلَيْهِ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا.
ثُمَّ رَاجَعُوهُ فَقَالُوا: ادْعُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي.
فَآمَرَ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ.
قَالَ: فَقَالَ: قَدْ وَامَرْتُ فَلَمْ يَأْمُرْنِي بِشَيْءٍ، فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ رَبُّكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَنَهَاكَ كَمَا نَهَاكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى.
قَالَ: فَأَخَذَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَإِذَا دَعَا عَلَيْهِمْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ الدُّعَاءُ عَلَى قَوْمِهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ أَنْ يُفْتَحَ لِقَوْمِهِ، دَعَا أَنْ يُفْتَحَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَيْشِهِ أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ: فَقَالُوا مَا نَرَاكَ تَدْعُو إِلَّا عَلَيْنَا.
قَالَ: مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِي إِلَّا هَكَذَا، وَلَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مَا اسْتُجِيبَ لِي، وَلَكِنْ سَأَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَلَاكُهُمْ، إِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الزِّنَا، وَإِنَّهُمْ إِنْ وَقَعُوا بِالزِّنَا هَلَكُوا، وَرَجَوْتُ أَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ، فَأَخْرِجُوا النِّسَاءَ لِتَسْتَقْبِلَهُمْ وَإِنَّهُمْ قَوْمٌ مُسَافِرُونَ، فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلَكُوا.
قَالَ: فَفَعَلُوا وَأَخْرَجُوا النِّسَاءَ تَسْتَقْبِلُهُمْ.
قَالَ: وَكَانَ لِلْمَلِكِ ابْنَةٌ، فَذَكَرَ مِنْ عِظَمِهَا مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ أَبُوهَا أَوْ بَلْعَامُ: لَا تُمَكِّنِي نَفْسَكَ إِلَّا مِنْ مُوسَى، قَالَ: وَوَقَعُوا فِي الزِّنَا.
قَالَ: وَأَتَاهَا رَأْسُ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ: فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِمُمَكِّنَةٍ نَفْسِي إِلَّا مِنْ مُوسَى، قَالَ: فَقَالَ:

إِنَّ مِنْ مَنْزِلَتِي كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ مِنْ حَالِي كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا تَسْتَأْمِرُهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهَا: مَكِّنِيهِ، قَالَ: وَيَأْتِيهِمَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَمَعَهُ الرُّمْحُ فَيَطْعَنُهَمَا، قَالَ: وَأَيَّدَهُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا، وَرَفَعَهُمَا عَلَى رُمْحِهِ.
قَالَ: فَرَآهُمَا النَّاسُ، أَوْ كَمَا حَدَّثَ.
قَالَ: وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ، قَالَ: فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا.
قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ: فَحَدَّثَنِي سَيَّارٌ أَنَّ بَلْعَامَ رَكِبَ حِمَارَةً لَهُ، حَتَّى إِذَا أَتَى الْمُعْلَوْلِيَّ أَوْ قَالَ: طَرِيقًا مِنَ الْمُعْلَوْلِيِّ جَعَلَ يَضْرِبُهَا وَلَا تَتَقَدَّمُ.
قَالَ: وَقَامَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: عَلَامَ تَضْرِبُنِي؟ أَمَا تَرَى هَذَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ قَالَ: فَإِذَا الشَّيْطَانُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَنَزَلَ فَسَجَدَ لَهُ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: 175] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176] قَالَ: فَحَدَّثَنِي بِهَذَا سَيَّارٌ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: فَبَلَغَنِي حَدِيثُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُحَدِّثُ " أَنَّ مُوسَى سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَطْبَعَهُ وَأَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
قَالَ: فَفَعَلَ اللَّهُ.
قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ مُوسَى قَتَلَهُ بَعْدُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّهُ حَدَّثَ: " أَنَّ مُوسَى لَمَّا نَزَلَ فِي أَرْضِ بَنِي كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ أَتَى قَوْمُ بَلْعَمَ إِلَى بَلْعَمَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا بَلْعَمُ إِنَّ هَذَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا مِنْ بِلَادِنَا وَيَقْتُلُنَا وَيُحِلُّهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَسْكُنُهَا، وَإِنَّا قَوْمُكَ، وَلَيْسَ لَنَا مَنْزِلٌ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، فَاخْرُجْ وَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، كَيْفَ أَذْهَبُ أَدْعُو عَلَيْهِمْ وَأَنَا أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ؟ قَالُوا: مَا لَنَا مِنْ مَنْزِلٍ.
فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ يَرْفَعُونَهُ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى فَتَنُوهُ فَافْتُتِنَ.
فَرَكِبَ حِمَارَةً لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلَى عَسْكَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَهُوَ جَبَلُ حَسَّانَ، فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهَا غَيْرَ كَثِيرٍ رَبَضَتْ بِهِ، فَنَزَلَ عَنْهَا، فَضَرَبَهَا، حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا قَامَتْ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَسِرْ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ بِهِ.
فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَامَتْ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَسِرْ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ بِهِ.
فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَذِنَ اللَّهُ لَهَا، فَكَلَّمَتْهُ حُجَّةً عَلَيْهِ، قَالَتْ: وَيْحَكَ يَا بَلْعَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ؟ أَمَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ تَرُدُّنِي عَنْ وَجْهِيَ هَذَا؟ أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ تَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا فَضَرَبَهَا فَخَلَّى اللَّهُ سَبِيلَهَا حِينَ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ.
قَالَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ حَتَّى إِذَا

أَشْرَفَتْ عَلَى رَأْسِ جَبَلِ حَسَّانَ عَلَى عَسْكَرِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ جَعَلَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِشَرٍّ إِلَّا صُرِفَ بِهِ لِسَانُهُ إِلَى قَوْمِهِ.
وَلَا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِخَيْرٍ إِلَّا صُرِفَ لِسَانُهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: أَتَدْرِي يَا بَلْعَمُ مَا تَصْنَعُ؟ إِنَّمَا تَدْعُو لَهُمْ وَتَدْعُو عَلَيْنَا، قَالَ: فَهَذَا مَا لَا أَمْلِكُ، هَذَا شَيْءٌ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الْآنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْحَيْلَةُ، فَسَأَمْكُرُ لَكُمْ وَأَحْتَالُ، جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَأَعْطُوهُنَّ السِّلَعَ، ثُمَّ أَرْسِلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَبِعْنَها فِيهِ، وَمُرُوهُنَّ فَلَا تَمْنَعُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَرَادَهَا، فَإِنَّهُمْ إِنْ زَنَى مِنْهُمْ وَاحِدٌ كُفِيتُمُوهُمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا دَخَلَ النِّسَاءُ الْعَسْكَرَ مَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ اسْمُهَا كستى ابْنَةُ صُورٍ رَأْسُ أُمَّتِهِ بِرَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ زمري بْنُ شَلُومٍ رَأْسُ سِبْطِ شَمْعُونَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا حِينَ أَعْجَبَهُ جَمَالَهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: إِنِّي أَظُنُّكَ سَتَقُولُ هَذِهِ حَرَامٌ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: أَجَلْ هِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ لَا تَقْرَبْهَا، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا أُطِيعُكَ فِي هَذَا، فَدَخَلَ بِهَا قُبَّتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا.
وَأَرْسَلَ اللَّهُ الطَّاعُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ فنحاص بْنُ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ صَاحِبَ أَمْرِ مُوسَى، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أُعْطِيَ بَسْطَةً فِي الْخَلْقِ وَقُوَّةً فِي الْبَطْشِ، وَكَانَ غَائِبًا حِينَ صَنَعَ زمري بْنُ شَلُومٍ مَا صَنَعَ.
فَجَاءَ وَالطَّاعُونُ يَجُوسُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ،

فَأَخَذَ حَرْبَتَهُ.
وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ كُلُّهَا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْقُبَّةَ وَهُمَا مُتَضَاجِعَانِ، فَانْتَظَمَهُمَا بِحَرْبَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا رَافِعَهَمَا إِلَى السَّمَاءِ، وَالْحَرْبَةُ قَدْ أَخَذَهَا بَذِرَاعِهِ، وَاعْتَمَدَ بِمِرْفَقِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ، وَأَسْنَدَ الْحَرْبَةَ إِلَى لَحْيَيْهِ، وَكَانَ بِكْرَ الْعَيْزَارِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَكَذَا نَفْعَلُ بِمَنْ يَعْصِيكَ، وَرُفِعَ الطَّاعُونُ، فَحُسِبَ مَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الطَّاعُونِ، فِيمَا بَيْنَ أَنْ أَصَابَ زمري الْمَرْأَةَ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ فِنْحَاصٌ، فَوَجَدُوا قَدْ هَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَالْمُقَلِّلُ يَقُولُ: عِشْرُونَ أَلْفًا فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ.
فَمِنْ هُنَالِكَ يُعْطِي بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلَدَ فِنْحَاصَ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ مِنْ كُلِّ ذَبِيحَةٍ ذَبَحُوهَا الْفِشَّةَ وَالذِّرَاعَ وَاللَّحْيِ؛ لِاعْتِمَادِهِ بِالْحَرْبَةِ عَلَى خَاصِرَتِهِ وَأَخْذِهِ إِيَّاهَا بِذِرَاعِهِ وَإِسْنَادِهِ إِيَّاهَا إِلَى لَحْيَيْهِ، وَالْبِكْرَ مِنْ كُلِّ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِكْرَ الْعَيْزَارِ.
فَفِي بَلْعَمَ بْنِ بَاعُورَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175] يَعْنِي بَلْعَمَ ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: 175] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176] "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " انْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ بَلْعَمُ، فَأَتَى الْجَبَّارِينَ، فَقَالَ: لَا تَرْهَبُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنِّي إِذَا خَرَجْتُمْ تُقَاتِلُونَهُمْ أَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ يُوشَعُ يُقَاتِلُ الْجَبَّارِينَ فِي النَّاسِ.
وَخَرَجَ بَلْعَمُ مَعَ الْجَبَّارِينَ عَلَى أَتَانِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَلْعَنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ دَعَا عَلَى الْجَبَّارِينَ، فَقَالَ الْجَبَّارُونَ: إِنَّكَ إِنَّمَا تَدْعُو عَلَيْنَا، فَيَقُولُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الْمَدِينَةِ أَخَذَ مَلَكٌ بِذَنَبِ الْأَتَانِ،

فَأَمْسَكَهَا، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهَا فَلَا تَتَحَرَّكُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ ضَرْبَهَا تَكَلَّمَتْ فَقَالَتْ: أَنْتَ تَنْكَحُنِي بِاللَّيْلِ وَتَرْكَبُنِي بِالنَّهَارِ؟ وَيْلِي مِنْكَ وَلَوْ أَنِّي أَطَقْتُ الْخُرُوجَ لَخَرَجْتُ، وَلَكِنْ هَذَا الْمَلَكُ يَحْبِسُنِي.
وَفِي بَلْعَمَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف: 175] الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثني رَجُلٌ سَمِعَ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: " قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ: أَرُونِي مُوسَى، فَأَنَا أَفْتِنُهُ، قَالَ: فَتَطَيَّبَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى رَجُلٍ يُشْبِهُ مُوسَى، فَوَاقَعَهَا، فَأَتَى ابْنُ هَارُونَ فَأُخْبِرَ، فَأَخَذَ سَيْفًا، فَطَعَنَ بِهِ فِي إِحْلِيلِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ قُبُلِهَا، ثُمَّ رَفَعَهُمَا حَتَّى رَآهُمَا النَّاسُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مُوسَى، فَفُضِّلَ آلُ هَارُونَ فِي الْقُرْبَانِ عَلَى آلِ مُوسَى بِالْكَتِفِ وَالْعَضُدِ وَالْفَخِذِ، قَالَ: فَهُوَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا، يَعْنِي بَلْعَمَ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 176] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَرَفَعْنَاهُ بِعِلْمِهِ بِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 176] لَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْحَالَ الَّتِي صَارَ إِلَيْهَا مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ بِآيَاتِنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 176] لَرَفَعْنَا عَنْهُ بِهَا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 176] لَرَفَعْنَاهُ عَنْهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَمَّ الْخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 176] إِنَّهُ لَوْ شَاءَ رَفَعَهُ بِآيَاتِهِ الَّتِي آتَاهُ إِيَّاهَا.
وَالرَّفْعُ يَعُمَّ مَعَانِيَ كَثِيرَةً، مِنْهَا الرَّفْعُ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ، وَمِنْهَا الرَّفْعُ فِي شَرَفِ الدُّنْيَا وَمَكَارِمِهَا.
وَمِنْهَا الرَّفْعُ فِي الذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَالثَّنَاءِ الرَّفِيعِ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَنَى كُلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَرَفَعَهُ، فَأَعْطَاهُ كُلَّ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ لِلْعَمَلِ بِآيَاتِهِ الَّتِي كَانَ آتَاهَا إِيَّاهُ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ أَنْ لَا يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ؛ إِذْ كَانَ لَا دَلَالَةَ عَلَى خُصُوصِهِ مِنْ خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ

جارٍ التحميل