تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 272-286

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] فَإِنَّهُمْ هَالِكُونَ، مُنْقَطِعَةٌ حُجَجُهُمْ، نَادِمُونَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ

صفحات 272-286
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ

نَبِيَّهُ عَنْ طَرْدِهِمْ، وَقَدْ مَضَتِ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ عَنْ قَائِلِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهَا قَوْمًا اسْتَفْتُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عِظَامٍ، فَلَمْ يُؤَيِّسْهُمُ اللَّهُ مِنَ التَّوْبَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَمِّعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَاهَانَ، قَالَ: جَاءَ قَوْمٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَصَابُوا ذُنُوبًا عِظَامًا.
قَالَ مَاهَانَ: فَمَا إِخَالُهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا.
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] الْآيَةَ

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُجَمِّعٍ، عَنْ مَاهَانَ: أَنَّ قَوْمًا

جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا أَصَبْنَا ذُنُوبًا عِظَامًا، فَمَا إِخَالُهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَانْصَرَفُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَمِّعٍ التَّمِيمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ مَاهَانَ يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا أَشَارُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرْدِ الْقَوْمِ الَّذِينَ نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ طَرْدِهِمْ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ خَطِيئَةً، فَغَفَرَهَا اللَّهُ لَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَوْهُ أَنْ يُبَشِّرَهُمْ بِأَنْ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ خَطِيئَتَهُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ بِمَشُورَتِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرْدِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِطَرْدِهِمْ.
وَذَلِكَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمَا بِذَلِكَ قَبْلُ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] غَيْرُ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَرْدِهِمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: 54] خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ تَقَضِّي الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طْردِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا هُمْ لَقِيلَ: وَإِذَا جَاءُوُكَ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَفِي ابْتِدَاءِ اللَّهِ الْخَبَرَ عَنْ قِصَّةِ هَؤُلَاءِ وَتَرْكِهِ وَصْلِ الْكَلَامِ بِالْخَبَرِ عَنِ الْأَوَّلِينَ مَا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: وَإِذَا جَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِتَنْزِيلِنَا وَأَدِلَّتِنَا وَحُجَجِنَا فَيُقِرُّونَ بِذَلِكَ قَوْلًا وَعَمَلًا، مُسْتَرْشِدِيكَ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، هَلْ لَهُمْ مِنْهَا تَوْبَةٌ؟ فَلَا تُؤَيِّسْهُمْ مِنْهَا، وَقُلْ

لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ: أَمَنَةُ اللَّهِ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أَنَّ يُعَاقِبَكُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ تَوْبَتِكُمْ مِنْهَا، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] يَقُولُ: قَضَى رَبُّكُمُ الرَّحْمَةَ بِخَلْقِهِ، ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدَنِيِّينَ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ [الأنعام: 54] فَيَجْعَلُونَ (أَنَّ) مَنْصُوبَةً عَلَى التَّرْجَمَةِ بِهَا عَنِ الرَّحْمَةِ، (ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عَلَى ائْتِنَافِ (إِنَّهُ) بَعْدَ الْفَاءِ فَيَكْسِرُونَهَا وَيَجْعَلُونَهَا أَدَاةً لَا مَوْضِعَ لَهَا، بِمَعْنَى: فَهُوَ لَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أَوْ فَلَهُ الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ.
وَقَرَأَهُمَا بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْهُمَا جَمِيعًا، بِمَعْنَى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، ثُمَّ تَرْجَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: 54] عَنِ الرَّحْمَةِ ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] فَيَعْطِفُ (فَأَنَّهُ) الثَّانِيَةُ عَلَى (أَنَّهُ) الْأُولَى، وَيَجْعَلَهُمَا اسْمَيْنِ مَنْصُوبَيْنِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ (إِنَّهُ) وَ (فَإِنَّهُ) عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَعَلَى أَنَّهُمَا أَدَاتَانِ لَا مَوْضِعَ لَهُمَا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُمَا بِالْكَسْرِ: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ) عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ قَدِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الْخَبَرُ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَنْ عَمِلَ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ مِنْهُ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: 54] : أَنَّهُ مَنِ اقْتَرَفَ مِنْكُمْ ذَنْبًا، فَجَهِلَ بِاقْتِرَافِهِ إِيَّاهُ.
﴿ثُمَّ تَابَ﴾ [الأنعام: 54] ، ﴿وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ﴾ [الأنعام: 54] لِذَنْبِهِ إِذَا تَابَ وَأَنَابَ وَرَاجَعَ الْعَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَرَكَ الْعَوْدَ إِلَى مِثْلِهِ مَعَ النَّدَمِ عَلَى مَا فَرُطَ مِنْهُ.
﴿رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] بِالتَّائِبِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذَنْبِهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ مِنْهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: 54] قَالَ: «مَنْ جَهْلٍ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَلَالًا مِنْ حَرَامٍ، وَمِنْ جَهَالَتِهِ رَكِبَ الْأَمْرَ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: 17] قَالَ: «مَنْ عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَذَاكَ مِنْهُ جَهْلٌ حَتَّى يَرْجِعَ»

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: 54] قَالَ: " كُلُّ مَنْ عَمِلَ بِخَطِيئَةٍ فَهُوَ بِهَا جَاهِلٌ

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ أَبُو خَلْدَةَ، قَالَ: كُنَّا إِذَا دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: 55] : وَكَمَا فَصَّلْنَا لَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ ابْتِدَائِهَا وَفَاتِحَتِهَا يَا مُحَمَّدُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ حُجَّتَنَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ وَأَدِلَّتِنَا، وَمَيَّزْنَاهَا لَكَ وَبَيَّنَّاهَا،

كَذَلِكَ نُفَصِّلُ لَكَ أَعْلَامَنَا وَأَدِلَّتِنَا فِي كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أَهْلُ الْبَاطِلِ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ غَيْرِهِمْ، فَنُبَيِّنَهَا لَكَ حَتَّى تُبَيِّنَ حَقَّهُ مِنْ بَاطِلِهِ، وَصِحِيحَهُ مِنْ سَقِيمِهِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ [الأنعام: 55] بِالتَّاءِ (سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ) بِنَصْبِ السَّبِيلِ، عَلَى أَنَّ (تَسْتَبِينَ) خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: وَلِتَسْتَبِينَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ.
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ: «وَلِتَسْتَبِينَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ سَأَلُوكَ طَرْدَ النَّفَرِ الَّذِينَ سَأَلُوهُ طَرْدَهُمْ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ) قَالَ: «الَّذِينَ يَأْمُرُونَكَ بِطَرْدِ هَؤُلَاءِ» وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ [الأنعام: 55] بِالتَّاءِ ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55] بِرَفْعِ السَّبِيلِ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ لِلسَّبِيلِ، وَلَكِنَّهُ يُؤَنِّثُهَا، وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَتَّضِحَ لَكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (وَلِتَسْتَبِينَ) بِالْيَاءِ ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55] بِرَفْعِ السَّبِيلِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلسَّبِيلِ وَلَكِنَّهُمْ يُذَكِّرُونَهُ.
وَمَعْنَى هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَمَعْنَى مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ فِي: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ [الأنعام: 55] وَرَفْعِ السَّبِيلِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي تَذْكِيرِ السَّبِيلِ وَتَأْنِيثِهَا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي (السَّبِيلِ) الرَّفْعُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَصَّلَ آيَاتِهِ فِي كِتَابِهِ وَتَنْزِيلِهِ، لِيَتَبَيَّنَ الْحَقَّ بِهَا مِنَ الْبَاطِلِ جَمِيعُ مَنْ خُوطِبَ بِهَا، لَا بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ.
وَمَنْ قَرَأَ (السَّبِيلَ) بِالنَّصْبِ، فَإِنَّمَا جَعَلَ تَبْيِينَ ذَلِكَ مَحْصُورًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ [الأنعام: 55] فَسَوَاءٌ قُرِئَتْ بِالتَّاءِ أَوْ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُذَكِّرُ السَّبِيلَ وَهُمْ تَمِيمٌ وَأَهْلُ نَجْدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَنِّثُ السَّبِيلَ وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، وَلُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِإِحْدَاهُمَا خِلَافٌ لِقِرَاءَتِهِ بِالْأُخْرَى وَلَا وَجْهَ لِاخْتِيَارِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ السَّبِيلَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: 55] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: 55] : نُبَيِّنُ الْآيَاتِ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: 55] : نُبَيِّنُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنُ الْمُهْتَدِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ مِنْ قَوْمِكَ، الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَانَ وَالْأَنْدَادَ، الَّذِينَ

يَدْعُونَكَ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ: إِنَّ اللَّهَ نَهَانِي أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، فَلَنْ أَتَّبِعَكُمْ عَلَى مَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أُوَافِقُكُمْ عَلَيْهِ، وَلَا أُعْطِيكُمْ مَحَبَّتَكُمْ وَهَوَاكُمْ فِيهِ، وَإِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكْتُ مَحَجَّةَ الْحَقِّ وَسَلَكْتُ عَلَى غَيْرِ الْهُدَى، فَصِرْتُ ضَالًّا مِثْلَكُمْ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ.
وَلِلْعَرَبِ فِي (ضَلَلْتُ) لُغَتَانِ: فَتْحُ اللَّامِ وَكَسْرُهَا، وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ هِيَ فَتْحُهَا، وَبِهَا قَرَأَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، وَبِهَا نَقْرَأُ لِشُهْرَتِهَا فِي الْعَرَبِ، وَأَمَّا الْكَسْرُ فَلَيْسَ بِالْغَالِبِ فِي كَلَامِهَا وَالْقُرَّاءُ بِهَا قَلِيلُونَ، فَمَنْ قَالَ ضَلَلْتُ قَالَ أَضِلُّ، وَمَنْ قَالَ ضَلِلْتُ قَالَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَضَلُّ، وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا﴾ [السجدة: 10] بِفَتْحِ اللَّامِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ، الدَّاعِينَ لَكَ إِلَى الْإِشْرَاكِ بِرَبِّكَ: ﴿إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾

[الأنعام: 57] : أَيْ إِنِّي عَلَى بَيَانٍ قَدْ تَبَيَّنْتُهُ وَبُرْهَانٌ قَدْ وَضَحَ لِي مِنْ رَبِّي، يَقُولُ: مِنْ تَوْحِيدِهِ، وَمَا أَنَا عَلَيْهِ مِنْ

إِخْلَاصِ عُبُودِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكِ شَيْءٍ بِهِ.
وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: فُلَانٌ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، إِذَا كَانَ عَلَى بَيَانٍ مِنْهُ، وَمَنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] أَبَيِّنَةً تَبْغُونَ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ ... وَقَوْلِ سُوَيْدٍ قَدْ كَفَيْتُكُمْ بِشْرَا ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 57] يَقُولُ: وَكَذَبْتُمْ أَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ.
وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿بِهِ﴾ [البقرة: 22] مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: 57] يَقُولُ: مَا الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ بِيَدِي، وَلَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ بِقَادِرٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْحِيدِهِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بِشْرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: 3] ، وَقَالُوا لِلْقُرْآنِ: هُوَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ اخْتِلَاقٌ اخْتَلَقَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مُحَمَّدٌ شَاعِرٌ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجِبْهُمْ بِأَنَّ الْآيَاتِ بِيَدِ اللَّهِ لَا بِيَدِكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ لِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَقْضِي الْحَقَّ فِيهِمْ وَفِيكَ وَيَفْصِلُ بِهِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَيَتَبَيَّنُ الْمُحِقُّ مِنْكُمْ وَالْمُبْطِلُ.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57] أَيْ وَهُوَ خَيْرٌ مَنْ بَيَّنَ وَمَيَّزَ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ وَأَعْدَلُهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ حَيْفٌ إِلَى أَحَدٍ لِوَسِيلَةٍ لَهُ إِلَيْهِ وَلَا لِقَرَابَةٍ وَلَا مُنَاسَبَةٍ، وَلَا فِي قَضَائِهِ جَوْرٌ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ فِي الْأَحْكَامِ فَيَجُورُ، فَهُوَ أَعْدَلُ الْحُكَّامِ وَخَيْرُ الْفَاصِلِينَ.
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (وَهُوَ أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ)

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي

بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (يَقْضِي الْحَقَّ وَهُوَ أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ) وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: (يَقْضِ الْحَقَّ) فَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: 57] بِالصَّادِ بِمَعْنَى الْقَصَصِ، وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3] . وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: 57] ، وَقَالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3] وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقْضِ الْحَقَّ) بِالضَّادِ مِنَ الْقَضَاءِ بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْفَصْلِ بِالْقَضَاءِ.
وَاعْتَبَرُوا صِحَّةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57] ، وَأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْقَضَاءِ لَا بِالْقَصَصِ.
وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ لِمَا ذَكَرْنَا لِأَهْلِهَا مِنَ الْعِلَّةِ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: مَا الْحَكَمُ فِيمَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَفِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، إِلَّا اللَّهُ الَّذِي لَا يَجُورُ فِي حُكْمِهِ، وَبِيَدِهِ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، يَقْضِي الْحَقَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ بَيْنَنَا بِقَضَائِهِ وَحُكْمِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ، الْمُكَذِّبِيكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ، السَّائِلِيكَ أَنْ تَأْتِيَهُمُ بِآيَةٍ

اسْتِعْجَالًا مِنْهُمْ بِالْعَذَابِ: لَوْ أَنَّ بِيَدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَفُصِلَ ذَلِكَ أَسْرَعَ الْفَصْلِ بِتَعْجِيلِي لَكُمْ مَا تَسْأَلُونِي مِنْ ذَلِكَ وَتَسْتَعْجِلُونَهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ بِوَقْتِ إِرْسَالِهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَضَعُونَ عِبَادَتَهُمُ الَّتِي لَا تَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَصْنَامَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِوَقْتِ الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ وَحَالِ الْقَضَاءِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ.
وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 58] : الذَّبْحُ لِلْمَوْتِ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: بَلَغَنِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: 8] قَالَ: ذَبْحُ الْمَوْتِ وَأَحْسَبُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا النَّوْعِ نَزَعَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةً﴾ [مريم: 39] ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قِصَّةٌ تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ فِي قَضَاءِ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 58] مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اسْتَعْجَلَهُ فَصْلَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ قَوْلِهِ بِآيَةٍ يَأْتِيهِمْ بِهَا: لَوْ أَنَّ الْعَذَابَ وَالْآيَاتِ بِيَدِي وَعِنْدِي لَعَاجَلْتُكُمْ بِالَّذِي تَسْأَلُونِي مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ بِيَدِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا

يُصْلِحُ خَلْقَهُ مِنِّي وَمِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] يَقُولُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 59] وَالْمَفَاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٍ، يُقَالُ فِيهِ: مِفْتَحٌ وَمِفْتَاحٌ، فَمَنْ قَالَ

مِفْتَحٌ جَمَعَهُ مَفَاتِحَ، وَمَنْ قَالَ مِفْتَاحٌ جَمَعَهُ مَفَاتِيحَ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 59] : خَزَائِنَ الْغَيْبِ

كَالَّذِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 59] قَالَ: يَقُولُ: خَزَائِنُ الْغَيْبِ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مَفَاتِحَ الْغَيْبِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 59] قَالَ: هُنَّ خَمْسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: 34] إِلَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34] فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ مِنْ خَلْقِهِ وَمَا هُمْ مُسْتَحِقُّوهُ وَمَا هُوَ

بِهِمْ صَانِعٌ، فَإِنَّ عِنْدَهُ عِلْمُ مَا غَابَ عِلْمُهُ عَنْ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُدْرِكُوهُ وَلَمْ يَعْلَمُوهُ وَلَنْ يُدْرِكُوهُ.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 59] يَقُولُ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ مَا لَمْ يَغِبْ أَيْضًا عَنْكُمْ، لِأَنَّ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْعَيْنِ يَعْلَمُهُ الْعِبَادُ.
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَعِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِمَّا لَا تَعْلَمُونَهُ وَلَنْ تَعْلَمُوهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ نَفْسَهُ، وَيَعْلَمُ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا يَعْلَمُهُ جَمِيعُكُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ إِلَّا مَا يَخْفَى عَنِ النَّاسِ أَوْ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ.
فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ وَيَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، وَذَلِكَ هُوَ الْغَيْبُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ فِي الصَّحَارِي وَالْبَرَارِي وَلَا فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى إِلَّا اللَّهُ يَعْلَمُهَا.
﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] يَقُولُ: وَلَا شَيْءَ أَيْضًا مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ مِمَّا سَيُوجَدُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، إِلَّا وَهُوَ مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، مَكْتُوبٌ ذَلِكَ فِيهِ وَمَرْسُومٌ عَدَدُهُ وَمَبْلَغُهُ وَالْوَقْتُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ وَالْحَالُ الَّتِي يَفْنَى فِيهَا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿مُبِينٍ﴾ [البقرة: 168] أَنَّهُ يُبِينُ عَنْ صِحَّةِ مَا هُوَ فِيهِ بِوُجُودِ مَا رُسِمَ فِيهِ عَلَى مَا رُسِمَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ إِثْبَاتِهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ، وَهُوَ بِجَمِيعِهِ عَالِمٌ لَا يُخَافُ نِسْيَانُهُ؟

قِيلَ لَهُ: لِلَّهِ تَعَالَى فِعْلُ مَا شَاءَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ امْتِحَانًا مِنْهُ لِحَفَظَتِهِ وَاخْتِبَارًا لِلْمُتَوَكِّلِينَ بِكِتَابَةِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ مَأْمُورُونَ بِكِتَابَةِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ ثُمَّ بِعَرْضِهَا عَلَى مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، حَتَّى أَثْبَتَ فِيهِ مَا أَثْبَتَ كُلَّ يَوْمٍ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29] ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، إِمَّا بِحُجَّةٍ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَى بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ، وَإِمَّا عَلَى بَنِي آدَمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ

وَقَدْ حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانَيُّ أَبُو الْخَطَّابِ، قَالَ: ثنا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: «مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ وَلَا كَمَغْرَزِ إِبْرَةٍ، إِلَّا عَلَيْهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا يَأْتِي اللَّهَ يُعْلِمُهُ يُبْسَهَا إِذَا يَبِسَتْ، وَرُطُوبَتَهَا إِذَا رَطِبَتْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ: وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّى

أَرْوَاحَكُمْ بِاللَّيْلِ فَيَقْبِضُهَا مِنْ أَجْسَادِكُمْ، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] يَقُولُ: وَيَعْلَمُ مَا كَسَبْتُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِالنَّهَارِ.
وَمَعْنَى التَّوَفِّي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: اسْتِيفَاءُ الْعَدَدِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرجز]

إِنَّ بَنِي الْأَدْرَدِ لَيْسُوا مِنْ أَحَدْ ... وَلَا تَوَفَّاهُمْ قُرَيْشٌ فِي الْعَدَدْ بِمَعْنَى: لَمْ تُدْخِلْهُمْ قُرَيْشٌ فِي الْعَدَدِ.
وَأَمَّا الِاجْتِرَاحُ عِنْدَ الْعَرَبِ: فَهُوَ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ فَمِهِ، وَهِيَ الْجَوَارِحُ عِنْدَهُمْ جُوَارِحُ الْبَدَنِ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ، ثُمَّ يُقَالُ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ عَمَلًا: جَارِحٌ، لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ كَسْبًا بِأَيِّ أَعْضَاءِ جِسْمِهِ اكْتَسَبَ: مُجْتَرِحٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] أَمَّا ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: 60] : فَفِي النَّوْمِ، وَأَمَّا ﴿يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] فَيَقُولُ: مَا اكْتَسَبْتُمْ مِنَ الْإِثْمِ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] يَعْنِي: «مَا اكْتَسَبْتُمْ مِنَ الْإِثْمِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ

قَتَادَةَ: ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] قَالَ: «مَا عَمِلْتُمْ بِالنَّهَارِ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: 60] يَعْنِي بِذَلِكَ: نَوْمَهُمْ، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] أَيْ مَا عَمِلْتُمْ مِنْ ذَنْبٍ فَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ "

جارٍ التحميل