تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 640-655

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ

صفحات 640-655
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: " مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: 100] . . حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100] قَالَ: وَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَقَالَ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذَا؟ قَالَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
فَقَالَ: لَا تُفَارِقُنِي حَتَّى أَذْهِبَ بِكَ إِلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ عُمَرُ: أَنْتَ أَقْرَأَتَ هَذَا هَذِهِ الْآيَةَ هَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّا رُفِعْنَا رِفْعَةً لَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ بَعْدَنَا، فَقَالَ أُبَيُّ: بَلَى تَصْدِيقُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: 3] . . إِلَى: ﴿وَهُو الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4] ، وَفِي سُورَةِ الْحَشْرِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ ، وَفِي الْأَنْفَالِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: 75] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ " وَرُوِي عَنْ عُمَرَ، فِي ذَلِكَ مَا

حَدَّثَنِي بِهِ، أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، وعَنِ ابْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَرَأَ: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ» فَرَفَعَ «الْأَنْصَارُ» وَلَمْ يُلْحِقِ الْوَاوَ فِي «الَّذِينَ» ، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ

بْنُ ثَابِتٍ: «وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ» ، فَقَالَ عُمَرُ: «الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ» . فَقَالَ زَيْدٌ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ فَقَالَ عُمَرُ: ائْتُونِي بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أُبَيُّ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: 100] فَقَالَ عُمَرُ: إِذًا نُتَابِعُ أُبَيًّا «وَالْقِرَاءَةُ عَلَى خَفْضِ» الْأَنْصَارِ «عَطْفًا بِهِمْ عَلَى» الْمُهَاجِرِينَ ". وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: «الْأَنْصَارُ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا بِهِمْ عَلَى «السَّابِقِينَ» وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهُمَا الْخَفْضَ فِي «الْأَنْصَارِ» ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ السَّابِقَ كَانَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
وَإِنَّمَا قَصَدَ الْخَبَرَ عَنِ السَّابِقِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ دُونَ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمِيعِ، وَإِلْحَاقَ الْوَاوِ فِي «الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ» ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا، عَلَى أَنَّ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ غَيْرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
وَأَمَّا السَّابِقُونَ فَإِنَّهُمْ مَرْفُوعُونَ بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ لِمَا أَطَاعُوهُ وَأَجَابُوا نَبِيَّهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ لِمَا أَجْزَلَ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَإِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ يَدْخُلُونَهَا خَالِدِينَ فِيهَا لَابِثِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا، ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ حَوْلَ مَدِينَتِكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ، وَمِنْ أَهْلِ مَدِينَتِكُمْ أَيْضًا أَمْثَالُهُمْ أَقْوَامٌ

مُنَافِقُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101] يَقُولُ: مَرَنُوا عَلَيْهِ وَدَرَبُوا بِهِ، وَمِنْهُ شَيْطَانٌ مَارِدٌ وَمُرِيدٌ: وَهُو الْخَبِيثُ الْعَاتِي، وَمِنْهُ قِيلَ: تَمَرَّدَ فُلَانٌ عَلَى رَبِّهِ: أَيْ عَتَا وَمَرَدَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَاعْتَادَهَا وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ، مَا

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: أَقَامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَتُوبُوا كَمَا تَابَ الْآخَرُونَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101] أَيْ لَجُّوا فِيهِ وَأَبَوْا غَيْرَهُ.
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: 101] يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَعْلَمُ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَكِنَّا نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ " كَمَا

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ،

فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: 101] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَكَلَّفُونَ عِلْمَ النَّاسِ، فُلَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَفُلَانٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا سَأَلْتَ أَحَدَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ لَا أَدْرِي لَعَمْرِي أَنْتَ بِنَفْسِكَ أَعْلَمُ مِنْكَ بِأَعْمَالِ النَّاسِ، وَلَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا مَا تَكَلَّفَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَكُمْ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: 112] ، وَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: 86] ، وَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: 101] " وَقَوْلُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] يَقُولُ: سَنُعَذِّبُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا فِي الدُّنْيَا، وَالْأُخْرَى فِي الْقَبْرِ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّتِي فِي الدُّنْيَا مَا هِيَ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ فَضِيحَتُهُمْ فَضَحَهُمُ اللَّهُ بِكَشْفِ أُمُورِهِمْ وَتَبْيِينِ سَرَائِرِهُمْ لِلنَّاسِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرٍو الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبِي قَالَ، ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101] . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [البقرة: 7] قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ «اخْرُجْ يَا فُلَانُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ اخْرُجْ يَا فُلَانُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ» فَأَخْرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ

نَاسًا مِنْهُمْ فَضَحَهُمْ.
فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاخْتَبَأَ مِنْهُمْ حَيَاءً أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الْجُمُعَةَ، وَظَنَّ أَنَّ النَّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا وَاخْتَبَئُوا هُمْ مِنْ عُمَرَ، ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأَمْرِهِمْ.
فَجَاءَ عُمَرُ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ لَمْ يُصَلُّوا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ، فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ فَهَذَا الْعَذَابُ الْأَوَّلُ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَالْعَذَابُ الثَّانِي: عَذَابُ الْقَبْرِ "

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَيَذْكُرُ الْمُنَافِقِينَ فَيُعَذِّبُهُمْ بِلِسَانِهِ، قَالَ: وَعَذَابُ الْقَبْرِ " ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: الْقَتْلُ وَالسِّبَاءُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] بِالْجُوعِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ.
قَالَ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101] يَوْمَ الْقِيَامَةِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، وَالْقَاسِمُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: بِالْجُوعِ وَالْقَتْلِ " وَقَالَ يَحْيَى: بِالْخَوفِ وَالْقَتْلِ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «بِالْجُوعِ وَالْقَتْلِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: بِالْجُوعِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: بِالْجُوعِ وَالْقَتْلِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَنُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابًا فِي الْآخِرَةِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ

" ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] عَذَابَ الدُّنْيَا وَعَذَابَ الْقَبْرِ ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرَّ إِلَى حُذَيْفَةَ بِاثَنِي عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: «سِتَّةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَأْخُذُ فِي كَتِفِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يُفْضِي إِلَى صَدْرِهِ، وَسِتَّةٌ يَمُوتُونَ مَوْتًا» ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ إِذَا مَاتَ رَجُلٌ يَرَى أَنَّهُ مِنْهُمْ نَظَرَ إِلَى حُذَيْفَةَ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَإِلَّا تَرَكَهُ.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَا أُؤَمِّنُ مِنْهَا أَحَدًا بَعْدَكَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: عَذَابَ الدُّنْيَا وَعَذَابَ الْقَبْرِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: ثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: عَذَابًا فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابًا فِي الْقَبْرِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «عَذَابَ الدُّنْيَا وَعَذَابَ الْقَبْرِ؛ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابِ النَّارِ»

وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ عَذَابُهُمْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ مَصَائِبَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَالْمَرَّةُ الْأُخْرَى فِي جَهَنَّمَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: أَمَا عَذَابًا فِي الدُّنْيَا: فَالْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: 55] بِالْمَصَائِبِ فِيهِمْ، هِيَ لَهُمْ عَذَابٌ وَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَجْرٌ.
قَالَ: وَعَذَابًا فِي الْآخِرَةِ فِي النَّارِ.
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: النَّارُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ: الْحُدُودُ، وَالْأُخْرَى: عَذَابُ الْقَبْرِ.
ذِكْرُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ مَرَضِيٍّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ: أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَالْأُخْرَى: عَذَابُ الْقَبْرِ.
ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ عَذَابُهُمْ بِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْغَيْظِ فِي أَمْرِ الْإِسْلَامِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101] قَالَ: الْعَذَابُ الَّذِي وَعَدَهُمْ مَرَّتَيْنِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ، وَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ حِسْبَةٍ، ثُمَّ عَذَابُهُمْ فِي الْقَبْرِ إِذْ صَارُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ الْعَذَابُ الْعَظِيمُ الَّذِي يُرَدُّونَ إِلَيْهِ عَذَابُ الْآخِرَةِ وَيُخَلَّدُونَ فِيهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُعَذِّبُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ مَرَّتَيْنِ، وَلَمْ يَضَعْ لَنَا دَلِيلًا نَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى عِلْمِ صِفَةِ ذَيْنَكَ الْعَذَابَيْنِ؛ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا عَنِ الْقَائِلِينَ مَا أُنْبِئْنَا عَنْهُمْ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا عِلْمٌ بِأَيِّ ذَلِكَ مِنْ أَيٍّ.
عَلَى أَنَّ فِيَ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101] دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْعَذَابَ فِي الْمَرَّتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ، وَالْأَغْلَبُ مِنْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ أَنَّهَا فِي الْقَبْرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101] يَقُولُ: ثُمَّ يُرَدُّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ بَعْدَ تَعْذِيبِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مَرَّتَيْنِ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ، وَذَلِكَ عَذَابُ جَهَنَّمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُنَافِقُونَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ، وَمِنْهُمْ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، يَقُولُ: أَقَرُّوا بِذُنُوبِهِمْ.
﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ [التوبة: 102] يَعْنِي

جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي خَلَطُوهُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ: اعْتِرَافَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَتَوْبَتَهُمْ مِنْهَا، وَالْآخَرُ السَّيِّئُ هُوَ تَخَلُّفُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ غَازِيًا، وَتَرْكُهُمُ الْجِهَادَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ: خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا بِآخَرَ سَيِّئٍ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بِآخَرَ كَمَا تَقُولُ: اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةَ؛ أَيْ بِالْخَشَبَةِ، وَخَلَطْتُ الْمَاءَ وَاللَّبَنَ.
وَأَنْكَرَ آخَرُونَ أَنْ يَكُونَ نَظِيرَ قَوْلِهِمُ: اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةَ.
وَاعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْفِعْلَ فِي الْخِلْطِ عَامِلٌ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَجَائِزٌ تَقْدِيمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ الْخَشَبَةِ عَلَى الْمَاءِ غَيْرُ جَائِزٍ فِي قَوْلِهِمُ: اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ دَلِيلًا عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ الْخَلْطِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ: خَلَطْتُ

الْمَاءَ وَاللَّبَنَ، بِمَعْنَى خَلَطْتُهُ بِاللَّبَنِ ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102] يَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ.
وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: سَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى مَا وَصَفْتُ.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ذُو صَفْحٍ وَعَفْوٌ لِمَنْ تَابَ عَنْ ذُنُوبِهِ وَسَاتِرٌ لَهُ عَلَيْهَا رَحِيمٌ أَنْ يُعَذِّبَهُ بِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ أُنْزِلَتْ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي عَشْرَةِ أَنْفُسٍ كَانُوا تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، مِنْهُمْ أَبُو لُبَابَةَ، فَرَبَطَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ إِلَى السَّوَارِي عِنْدَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْبَةً مِنْهُمْ مِنْ ذَنْبِهِمْ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102] قَالَ: كَانُوا عَشْرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا حَضَرَ رُجُوعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: «مَنْ هَؤُلَاءِ الْمُوَثِّقَونَ أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي؟» قَالُوا: هَذَا أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى تُطْلِقَهُمْ وَتَعْذُرَهُمْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُهُمْ رَغِبُوا عَنِّي وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ» فَلَمَّا

بَلَغَهُمْ ذَلِكَ، قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ الَّذِي يُطْلِقُنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102] وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ.
فَلَمَّا نَزَلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانُوا سِتَّةً، أَحَدُهُمْ أَبُو لُبَابَةَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ﴾ [التوبة: 102] . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَتَخَلَّفَ أَبُو لُبَابَةَ وَخَمْسَةٌ مَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا لُبَابَةَ وَرَجُلَيْنِ مَعَهُ تَفَكَّرُوا وَنَدِمُوا وَأَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، وَقَالُوا: نَكُونُ فِي الْكِنِّ وَالطُّمَأْنِينَةِ مَعَ النِّسَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَهُ فِي الْجِهَادِ؟ وَاللَّهِ لَنُوثِقَنَّ أَنْفُسَنَا بِالسَّوَارِي، فَلَا نُطْلِقُهَا حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ يُطْلِقُنَا وَيَعْذُرُنَا فَانْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ وَأَوْثَقُ نَفْسَهُ، وَرَجُلَانِ مَعَهُ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يُوَثِّقُوا أَنْفُسَهُمْ.
فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ، وَكَانَ طَرِيقُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «مَنْ هَؤُلَاءِ الْمُوَثِقُو أَنْفُسِهِمْ بِالسَّوَارِي؟» فَقَالُوا: هَذَا أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ لَا يُطْلِقُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهُمْ وَتَرْضَى عَنْهُمْ، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ حَتَّى أُومَرَ بِإِطْلَاقِهِمْ، وَلَا أَعْذَرَهُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ يَعْذُرُهُمْ، وَقَدْ تَخَلَّفُوا عَنِّي وَرَغِبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ غَزْوِ الْمُسْلِمِينَ وَجِهَادِهِمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 102] وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ.
فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ أَطْلَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَذَرَهُمْ، وَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي كَانُوا ثَمَانِيَةً.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، " ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 102] قَالَ: هُمُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي، مِنْهُمْ كَرْدَمُ وَمِرْدَاسُ وَأَبُو لُبَابَةَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: " الَّذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي: هِلَالٌ، وَأَبُو لُبَابَةَ، وَكَرْدَمُ، وَمِرْدَاسُ، وَأَبُو قَيْسٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: كَانُوا سَبْعَةً.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102] ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَأَمَّا أَرْبَعَةٌ فَخَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا: جَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَأَبُو لُبَابَةَ، وَحَرَامٌ، وَأَوْسٌ، وَكُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103] . . الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102] قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ: مِنْهُمْ أَبُو لُبَابَةَ، وَمِنْهُمْ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ؛ تِيبَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَلَيْسُوا بِثَلَاثَةٍ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] قَالَ: هُمْ سَبْعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو لُبَابَةَ كَانُوا تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَيْسُوا بِالثَّلَاثَةِ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102] نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ تَخَلَّفُوا عَنْ نَبِيِّ

جارٍ التحميل