تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 617-629

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ

صفحات 617-629
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا حَيْوَةُ أَبُو يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ: " ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: 87] قَالَ: النِّسَاءُ "

قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: 87] قَالَ: مَعَ النِّسَاءِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: " ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: 87] أَيْ مَعَ النِّسَاءِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ: " ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: 87] قَالَا: النِّسَاءُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: 87] قَالَ: مَعَ النِّسَاءِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التوبة: 88] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَمْ يُجَاهِدْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ اقْتَصَصْتُ قَصَصَهُمُ الْمُشْرِكِينَ، لَكِنِ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ مَعَهُ

هُمُ الَّذِينَ جَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فَأَنْفَقُوا فِي جِهَادِهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَأَتْعَبُوا فِي قِتَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَبَذَلُوهَا.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ [البقرة: 5] يَقُولُ: وَلِلرَّسُولِ وَلِلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ الَّذِينَ جَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمُ الْخَيْرَاتُ، وَهِيَ خيراتُ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ نِسَاؤُهَا وَجَنَّاتُهَا وَنَعِيمُهَا،

وَاحِدَتُهَا: خَيْرَةٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل] وَلَقَدْ طَعَنْتُ مَجَامِعَ الرَّبَلَاتِ ... رَبَلَاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ وَالْخَيْرَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: الْفَاضِلَةُ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5] يَقُولُ: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُخَلَّدُونَ فِي الْجَنَّاتِ الْبَاقُونَ فِيهَا الْفَائِزُونَ بِهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَعَدَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَنَّاتٍ، وَهِيَ الْبَسَاتِينُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: لَابِثِينَ فِيهَا، لَا

يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا.
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119] يَقُولُ: ذَلِكَ النَّجَاءُ الْعَظِيمُ وَالْحَظُّ الْجَزِيلُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَجَاءَ﴾ [الأعراف: 113] رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 90] فِي التَّخَلُّفِ.
﴿وَقَعَدَ﴾ [التوبة: 90] عَنِ الْمَجِيءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجِهَادِ مَعَهُ ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 90] وَقَالُوا الْكَذِبَ، وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ مِنْهُمْ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سَيُصِيبُ

الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ وَنُبُوَّةَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: 90] وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُعَذِّرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِنَّمَا هُوَ الَّذِي يُعَذِّرُ فِي الْأَمْرِ، فَلَا يُبَالِغْ فِيهِ وَلَا يَحْكُمُهُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةَ هَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا صِفَتُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدِ اجْتَهَدُوا فِي طَلَبِ مَا يَنْهَضُونَ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَدُوِّهِمْ، وَحَرَصُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَهُمْ بِأَنْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ قَدْ أُعْذِرُوا أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْهُمْ بِأَنْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ عُذِّرُوا.
وَإِذَا وُصِفُوا بِذَلِكَ فَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا قَرَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ

وَذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: " (وَجَاءَ الْمُعْذِرُونَ) مُخَفَّفَةً، وَيَقُولُ: هُمْ أَهْلُ الْعُذْرِ " مَعَ مُوَافَقَةِ مُجَاهِدٍ إِيَّاهُ وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَجَاءَ الْمُعْتَذِرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَلَكِنِ التَّاءُ لَمَّا جَاوَرَتِ الذَّالَ أُدْغِمَتْ فِيهَا، فَصِيرَتَا ذَالًا مُشَدَّدَةً لِتَقَارُبِ مَخْرَجِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، كَمَا قِيلَ: يَذَّكَّرُونَ فِي يَتَذَكَّرُونَ، وَيَذَّكَّرُ فِي يَتَذَكَّرُ.
وَخَرَجَتِ الْعَيْنُ مِنَ الْمُعَذَّرِينَ إِلَى الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ حَرَكَةَ التَّاءِ مِنَ الْمُعْتَذِرِينَ وَهِيَ الْفَتْحَةُ نُقِلَتْ إِلَيْهَا فَحُرِّكَتْ بِمَا كَانَتْ بِهِ مُحَرَّكَةً، وَالْعَرَبُ قَدْ تُوَجِّهُ فِي مَعْنَى الِاعْتِذَارِ إِلَى الْإِعْذَارِ، فَتَقُولُ: قَدِ اعْتَذَرَ فُلَانٌ

فِي كَذَا، يَعْنِي: أَعْذَرَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ: [البحر الطويل] إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ فَقَالَ: فَقَدِ اعْتَذَرَ، بِمَعْنَى: فَقَدْ أَعْذَرَ.
عَلَى أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ، قَدِ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَذَّرِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا كَاذِبِينَ فِي اعْتِذَارِهِمْ، فَلَمْ يُعْذِرْهُمُ اللَّهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يَقْرَأُ: " ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [التوبة: 90] قَالَ: اعْتَذَرُوا بِالْكَذِبِ "

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [التوبة: 90] قَالَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ جَاءُوا فَاعْتَذَرُوا، فَلَمْ يَعْذِرْهُمُ اللَّهُ " فَقَدْ أَخْبَرَ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِنَّمَا كَانُوا أَهْلَ اعْتِذَارٍ بِالْبَاطِلِ لَا بِالْحَقِّ.
فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوصَفُوا بِالْإِعْذَارِ إِلَّا أَنْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ أَعْذَرُوا فِي الِاعْتِذَارِ بِالْبَاطِلِ.
فَأَمَّا بِالْحَقِّ عَلَى مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنْ

هَؤُلَاءِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوصَفُوا بِهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا جَاءُوا مُعَذِّرِينَ غَيْرَ جَادِّينَ، يَعْرِضُونَ مَا لَا يُرِيدُونَ فِعْلَهُ.
فَمَنْ وَجَّهَهُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَلَا كُلْفَةَ فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَسْتَحِبُّ الْقَوْلَ بِهِ.
وَبَعْدُ، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ التَّشْدِيدُ فِي الذَّالِ، أَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: 90] فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ وُصِفُوا بِذَلِكَ لَمْ يُكَلَّفُوا أَمْرًا عُذِرُوا فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانُوا فِرْقَتَيْنِ إِمَّا مُجْتَهِدٌ طَائِعٌ وَإِمَّا مُنَافِقٌ فَاسِقٌ لِأَمْرِ اللَّهِ مُخَالِفٌ، فَلَيْسَ فِي الْفَرِيقَيْنِ مَوْصُوفٌ بِالتَّعْذِيرِ فِي الشُّخُوصِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَذِّرٌ مُبَالِغٌ، أَوْ مُعْتَذِرٌ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَتِ الْحُجَّةُ مِنَ الْقُرَّاءِ مُجْمِعَةً عَلَى تَشْدِيدِ الذَّالِ مِنْ الْمُعَذِّرِينَ، عُلِمَ أَنَّ مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَاهُ مِنَ التَّأْوِيلِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ مُوَافَقَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: قَرَأَ مُجَاهِدٌ: (وَجَاءَ الْمُعْذِرُونَ) مُخَفَّفَةً، وَقَالَ: هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الْعَذْرُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «كَانَ الْمُعَذِّرُونَ.
. . . . . . . . .»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 91] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانَةِ وَأَهْلِ الْعَجْزِ عَنِ السَّفَرِ وَالْغَزْوِ، وَلَا عَلَى الْمَرْضَى، وَلَا عَلَى مَنْ لَا

يَجِدُ نَفَقَةً يَتَبَلَّغُ بِهَا إِلَى مَغْزَاهُ حَرَجٌ، وَهُوَ الْإِثْمُ، يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِثْمٌ إِذَا نَصَحُوا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي مَغِيبِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى مَنْ أَحْسَنَ فَنَصَحَ للَّهِ وَرَسُولِهِ فِي تَخَلُّفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جِهَادٍ مَعَهُ لِعُذْرٍ يُعْذَرُ بِهِ طَرِيقٌ يُتَطَرَّقُ عَلَيْهِ فَيُعَاقَبَ مِنْ قِبَلِهِ.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218] يَقُولُ: وَاللَّهُ سَاتِرٌ عَلَى ذُنُوبِ الْمُحْسِنِينَ، يَتَغَمَّدَهَا بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا، رَحِيمٌ بِهِمْ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا.
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ نَزَلَتْ فِي عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91] نَزَلَتْ فِي عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ نَزَلَتْ فِي ابْنِ مُغَفَّلٍ:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: 91] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَزَنًا أَن لَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَنْبَعِثُوا غَازِينَ مَعَهُ، فَجَاءَتْهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» فَتَوَلَّوْا وَلَهُمْ بُكَاءٌ، وَعَزَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْلِسُوا عَنِ الْجِهَادِ وَلَا يَجِدُونَ نَفَقَةً وَلَا مَحْمَلًا.
فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ حِرْصَهُمْ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ، أَنْزَلَ عُذْرَهُمْ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 93]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَلَا سَبِيلَ أَيْضًا عَلَى النَّفْرِ الَّذِينَ إِذَا مَا جَاءُوكَ لِتَحْمِلَهُمْ يَسْأَلُونَكَ الْحُمْلَانَ لِيَبْلُغُوا إِلَى مَغْزَاهُمْ لِجِهَادِ أَعْدَاءِ

اللَّهِ مَعَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْتَ لَهُمْ: لَا أَجِدُ حَمُولَةً أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهَا.
﴿تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: 115] يَقُولُ: أَدْبَرُوا عَنْكَ ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: 92] وَهُمْ يَبْكُونَ مِنْ حَزَنٍ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ وَيَتَحَمَّلُونَ بِهِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ مُزَيْنَةَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92] قَالَ: هُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] قَالَ: هُمْ بَنُو مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قِرَاءَةً عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَزَنًا أَنْ لَا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ قَالَ: هُمْ بَنُو مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] قَالَ: هُمْ بَنُو مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ "

قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ " وَكَانَ أَحَدَ النَّفَرِ الَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: 92] قَالَ: مِنْهُمُ ابْنُ مُقَرِّنٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: قَالَ النَّاسُ: مِنْهُمْ عِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ فِي عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، وَحُجْرِ بْنِ حُجْرٍ الْكَلَاعِيِّ، قَالَا: " دَخَلْنَا عَلَى عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] الْآيَةَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ، قَالَ: ثنا ثَوْرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو، وَحُجْرِ بْنِ حُجْرٍ بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ سَبْعَةٍ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحْمِلُونَهُ، فَقَالَ: «لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] الْآيَةَ،

قَالَ: هُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنْ بَنِي وَاقِفٍ: حَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، يُكْنَى أَبَا لَيْلَى، وَمِنْ بَنِي الْمُعَلَّى: سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ، وَمِنْ بَنِي حَارِثَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْلَةَ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ فَقَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ عَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَزَنًا﴾ [التوبة: 92] وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ كَانُوا سَبْعَةً ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 93] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا السَّبِيلُ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى أَهْلِ الْعُذْرِ يَا مُحَمَّدُ، وَلَكِنَّهَا عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ فِي التَّخَلُّفِ خِلَافَكَ، وَتَرْكِ الْجِهَادَ مَعَكَ

وَهُمْ أَهْلُ غِنًى وَقُوَّةٍ وَطَاقَةٍ لِلْجِهَادِ وَالْغَزْوِ، نِفَاقًا وَشَكًّا فِي وَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ.
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: 87] يَقُولُ: رَضُوا بِأَنْ يَجْلِسُوا بَعْدَكَ مَعَ النِّسَاءِ، وَهُنَّ الْخَوَالِفُ خَلْفَ

الرِّجَالِ فِي الْبُيُوتِ، وَيَتَرُكُوا الْغَزْوَ مَعَكَ.
﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 93] يَقُولُ: وَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِمَا كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 93] سُوءَ عَاقِبَتِهِمْ بِتَخَلُّفِهِمْ عَنْكَ وَتَرْكِهِمُ الْجِهَادَ مَعَكَ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ قَبِيحِ الثَّنَاءِ فِي الدُّنْيَا وَعَظِيمِ الْبَلَاءِ فِي الْآخِرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 94] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَعْتَذِرُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ هَؤُلَاءِ

الْمُتَخَلِّفُونَ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، التَّارِكُونَ جِهَادَ الْمُشْرِكِينَ مَعَكُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالْأَبَاطِيلِ وَالْكَذِبِ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ سَفَرِكُمْ وَجِهَادِكُمْ؛ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: 94] يَقُولُ: لَنْ نُصَدِّقَكُمْ عَلَى مَا تَقُولُونَ.
﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: 94] يَقُولُ: قَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، وَأَعْلَمَنَا مِنْ أَمْرِكُمْ مَا قَدْ عَلِمْنَا بِهِ كَذِبَكُمْ.
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 94] يَقُولُ: وَسَيَرَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيمَا بَعْدُ عَمَلَكُمْ، أَتَتُوبُونَ مِنْ نِفَاقِكُمْ أَمْ تُقِيمُونَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [التوبة: 94] يَقُولُ: ثُمَّ تَرْجِعُونَ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ؛ يَعْنِي الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ بَوَاطِنُ أُمُورِكُمْ وَظَوَاهِرُهَا.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105] فَيُخْبِرُكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ

كُلِّهَا سَيِّئِهَا وَحَسَنِهَا، فَيُجَازِيكُمْ بِهَا الْحَسَنُ مِنْهَا بِالْحَسَنِ وَالسَّيِّئُ مِنْهَا بِالسَّيِّئِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: 95] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سَيَحْلِفُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ، ﴿إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾

[التوبة: 95] يَعْنِي: إِذَا انْصَرَفْتُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ غَزْوِكُمْ، ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: 95] فَلَا تُؤَنِّبُوهُمْ.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: 95] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ: فَدَعُوا تَأْنِيبَهُمْ وَخَلُّوهُمْ وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ.
﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [التوبة: 95] يَقُولُ: إِنَّهُمْ نَجَسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ، يَقُولُ: وَمَصِيرُهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ وَهِيَ مَسْكَنُهُمُ الَّذِي يَأْوُونَهُ فِي الْآخِرَةِ.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: 82] يَقُولُ: ثَوَابًا بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ.
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَالَا مَا

حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا﴾ [التوبة: 95] . . إِلَى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: 95] وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَغْزُو بَنِي الْأَصْفَرَ لَعَلَّكَ أَنْ تُصِيبَ بِنْتَ عَظِيمِ الرُّومِ، فَإِنَّهُمْ حِسَانٌ فَقَالَ رَجُلَانِ: قَدْ عَلِمْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّ النِّسَاءَ فِتْنَةٌ، فَلَا تَفْتِنَّا بِهِنَّ، فَأْذَنْ لَنَا فَأَذِنَ لَهُمَا؛ فَلَمَّا انْطَلَقَا، قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنْ هُوَ إِلَّا شَحْمَةٌ لَأَوَّلِ آكِلٍ.
فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَزَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى بَعْضِ الْمِيَاهِ: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا

جارٍ التحميل