وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوَقِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74] قَالَ: بِأَخْذِ الدِّيَةِ "
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: 74] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنْ يَتُبْ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ مِنْ قِيلِهِمُ الَّذِي قَالُوهُ فَرَجَعُوا عَنْهُ، يَكُ رُجُوعُهُمْ وَتَوْبَتُهُمْ مِنْ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ مِنَ النِّفَاقِ.
﴿وَإِنْ يَتَولَّوْا﴾ [التوبة: 74] يَقُولُ: وَإِنْ يُدْبِرُوا عَنِ التَّوْبَةِ فَيَأْبَوْهَا، وَيُصِرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 74] يَقُولُ: يُعَذِّبْهُمْ عَذَابًا مُوجِعًا فِي الدُّنْيَا، إِمَّا بِالْقَتْلِ، وَإِمَّا بِعَاجِلِ خِزْي لَهُمْ فِيهَا، وَيُعَذِّبُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: 74] يَقُولُ: وَمَا لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ إِنْ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، مِنْ وَلِيٍّ يُوَالِيهِ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، وَلَا نَصِيرٍ يَنْصُرُهُ مِنَ اللَّهِ، فَيُنْقِذُهُ مِنْ عِقَابِهِ وَقَدْ كَانُوا أَهْلَ عَزٍّ وَمَنَعَةٍ بِعَشَائِرِهِمْ وَقَوْمِهِمْ يَمْتَنِعُونَ بِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَمْنَعُونَهُمْ مِمَّنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ، لَا يَمْنَعُونَهُمْ مِنَ اللَّهِ وَلَا يَنْصُرُونَهُمْ مِنْهُ إِذا احْتَاجُوا إِلَى نَصْرِهِمْ.
وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِيَ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ تَابَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ النِّفَاقِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: 74] قَالَ: قَالَ الْجُلَاسُ: «قَدِ اسْتَثْنَى اللَّهُ لِي التَّوْبَةَ، فَأَنَا أَتُوبُ، فَقَبِلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: 74] الْآيَةَ، فَقَالَ الْجُلَاسُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى اللَّهَ قَدِ اسْتَثْنَى لِيَ التَّوْبَةَ، فَأَنَا أَتُوبُ، فَتَابَ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ هَؤُلَاءِ
الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ صِفَتَهُمْ ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: 75] يَقُولُهُ: أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75]
يَقُولُ: لَئِنْ أَعْطَانَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَرَزَقَنَا مَالًا، وَوَسَّعَ عَلَيْنَا مِنْ عِنْدِهِ ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: 75] يَقُولُ: لَنُخْرِجَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي رَزَقَنَا رَبُّنَا ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: 75] يَقُولُ: وَلَنَعْمَلَنَّ فِيهَا بِعَمَلِ أَهْلِ الصَّلَاحِ بِأَمْوَالِهِمْ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ بِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَرَزَقَهُمُ اللَّهُ وَآتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ﴾ [التوبة: 76] اللَّهُ ﴿مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: 76] بِفَضْلِ اللَّهِ الذي آتَاهُمْ فَلَمْ يَصَّدَّقُوا مِنْهُ وَلَمْ يَصِلُوا مِنْهُ قَرَابَةً وَلَمْ يُنْفِقُوا مِنْهُ فِي حَقِّ اللَّهِ ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ [التوبة: 76] يَقُولُ وَأَدْبَرُوا عَنْ عَهْدِهِمُ الَّذِي عَاهَدُوهُ اللَّهَ ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23] عَنْهُ ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ [التوبة: 77] اللَّهُ ﴿نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 77] بِبُخْلِهِمْ بِحَقِّ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِيمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَإِخْلَافِهِمُ الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدُوا اللَّهَ وَنَقْضِهِمْ عَهْدَهُ فِي قُلُوبِهِمْ ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: 77] مِنَ الصَّدَقَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِهِ ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فِي قِيلِهِمْ وَحَرَمَهُمُ التَّوْبَةَ مِنْهُ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اشْتَرَطَ فِي نِفَاقِهِمْ أَنَّهُ أَعْقَبَهُمُوهُ ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: 77] وَذَلِكَ يَوْمُ مَمَاتِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ مِنَ الْأَنْصَارِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَتَى مَجْلِسًا فَأَشْهَدَهُمْ، فَقَالَ: لَئِنْ آتَانِيَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، آتَيْتُ مِنْهُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَتَصَدَّقْتُ مِنْهُ، وَوَصَلْتُ مِنْهُ الْقَرَابَةَ، فَابْتَلَاهُ اللَّهُ فَآتَاهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَأَخْلَفَ اللَّهَ مَا وَعْدَهُ، وَأَغْضَبَ اللَّهَ بِمَا أَخْلَفَ مَا وَعْدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ السُّلَمِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الْأَلْهَانِيِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِيَ مَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ» قَالَ: ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ تَسِيرَ مَعِيَ الْجِبَالُ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَسَارَتْ» قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَئِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَرَزَقَنِي مَالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا» . قَالَ: فَاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا، حَتَّى جَعَلَ
يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ، وَيَتْرُكَ مَا سِوَاهُمَا.
ثُمَّ نَمَتْ وَكَثُرَتْ، فَتَنَحَّى حَتَّى تَرَكَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا الْجُمُعَةَ، وَهِيَ تَنْمُو كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، حَتَّى تَرَكَ الْجُمُعَةَ.
فَطَفِقَ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَسْأَلُهُمْ عَنِ الْأَخْبَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّخَذَ غَنَمًا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ، فَأَخْبَرُوهُ بِأَمْرِهِ، فَقَالَ: «يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ» قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] الْآيَةَ.
وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ، رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ، وَرَجُلًا مِنْ سُلَيْمٍ، وَكَتَبَ لَهُمَا كَيْفَ يَأْخُذَانِ الصَّدَقَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ لَهُمَا: «مُرَّا بِثَعْلَبَةَ، وَبِفُلَانٍ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَخُذَا صَدَقَاتِهِمَا» فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ، فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَةَ، وَأَقْرَأَاهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ، مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ، مَا أَدْرِي مَا هَذَا، انْطَلِقَا حَتَّى تَفْرُغَا ثُمَّ عُودَا إِلَيَّ، فَانْطَلَقَا، وَسَمِعَ بِهِمَا السُّلَمِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى خِيَارِ أَسْنَانِ إِبِلِهِ فَعَزَلَهَا لِلصَّدَقَةِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمْ بِهَا، فَلَمَّا رَأَوْهَا، قَالُوا: مَا يَجِبُ عَلَيْكَ هَذَا، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ هَذَا مِنْكَ.
قَالَ: بَلَى فَخُذُوهُ، فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ لِي فَأَخَذُوهَا مِنْهُ.
فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ صَدَقَاتِهِمَا رَجَعَا، حَتَّى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: أَرُونِي كِتَابَكُمَا، فَنَظَرَ فِيهِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ، انْطَلِقَا حَتَّى أَرَى رَأْيِي.
فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَآهُمَا قَالَ: «يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ» قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا، وَدَعَا لِلسُّلَمِيِّ بِالْبَرَكَةِ، فَأَخْبَرَاهُ بِالَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ، وَالَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: 75] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، قَدْ أَنْزَلَ
اللَّهُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ صَدَقَتَهُ.
فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ» فَجَعَلَ يُحْثِي عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ لَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا عَمَلُكَ، قَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي» . فَلَمَّا أَبِي أَنْ يَقْبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا.
ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْضِعِي مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاقْبَلْ صَدَقَتِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَقْبَلُهَا؟ فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَقْبِضْهَا.
فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْبَلْ صَدَقَتِي، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا لَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ، فَقُبِضَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا.
ثُمَّ وَلِي عُثْمَانُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَأَنَا لَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ الْآيَةَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَئِنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا لَيُؤَدِّيَنَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَآتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَصَنَعَ فِيهِ مَا تَسْمَعُونَ.
قَالَ: فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ إِلَى
قَوْلِهِ: وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا جَاءَ بِالتَّوْرَاةِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّ التَّوْرَاةَ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّا لَا نَفْرُغُ لَهَا، فَسَلْ لَنَا رَبَّكَ جِمَاعًا مِنَ الْأَمْرِ نُحَافِظُ عَلَيْهِ وَنَتَفَرَّغُ فِيهِ لِمَعَايِشِنَا، قَالَ: يَا قَوْمِ مَهْلًا مَهْلًا، هَذَا كِتَابُ اللَّهِ، وَنُورُ اللَّهِ، وَعِصْمَةُ اللَّهِ.
قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ، قَالَهَا ثَلَاثًا.
قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ يَقُولُونَ: كَيْتَ وَكَيْتَ.
قَالَ: فَإِنِّي آمُرُهُمْ بِثَلَاثٍ إِنْ حَافَظُوا عَلَيْهِنَّ دَخَلُوا بِهِنَّ الْجَنَّةَ: أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ فَلَا يَظْلِمُوا فِيهَا، وَلَا يُدْخِلُوا أَبْصَارَهُمُ الْبُيُوتَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُمْ، وَأَنْ لَا يَطْعَمُوا طَعَامًا حَتَّى يَتَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ.
قَالَ: فَرَجَعَ بِهِنَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِهِ، فَفَرِحُوا وَرَأَوْا أَنَّهُمْ سَيَقُومُونَ بِهِنَّ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ الْقَوْمُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَنَحُوا، وَانْقَطَعَ بِهِمْ، فَلَمَّا حَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: «تَكَفَّلُوا لِي بِسِتٍّ أَتَكَفَّلْ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ» قَالُوا: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا حَدَّثْتُمْ فَلَا تَكْذِبُوا، وَإِذَا وَعَدْتُمْ فَلَا تَخْلِفُوا، وَإِذَا اؤْتُمِنْتُمْ فَلَا تَخُونُوا، وَكُفُّوا أَبْصَارَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَفُرُوجَكُمْ أَبْصَارَكُمْ عَنِ الْخِيَانَةِ وَأَيْدِيَكُمْ عَنِ السَّرِقَةِ وَفُرُوجَكُمْ عَنِ الزِّنَا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ صَارَ مُنَافِقًا وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمَعْنِيُّ بِذَلِكَ: رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا ثَعْلَبَةُ، وَالْآخَرُ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] إِلَى الْآخِرِ، وَكَانَ الَّذِي عَاهَدَ اللَّهَ مِنْهُمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، هُمَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] قَالَ: رَجُلَانِ خَرَجَا عَلَى مَلَإٍ قُعُودٍ، فَقَالَا: وَاللَّهِ لَئِنْ رَزَقَنَا اللَّهُ لَنَصَّدَّقَنَّ، فَلَمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ بَخِلُوا بِهِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبَى نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] رَجُلَانِ خَرَجَا عَلَى مَلَإٍ قُعُودٍ، فَقَالَا: وَاللَّهِ لَئِنْ رَزَقَنَا اللَّهُ لَنَصَّدَّقَنَّ، فَلَمَّا رَزَقَهُمْ بَخِلُوا بِهِ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ حِينَ قَالُوا: لَنَصَّدَّقَنَّ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ".
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ، قَالَ: هَؤُلَاءِ صِنْفٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمْ ذَلِكَ بَخِلُوا بِهِ، فَلَمَّا بَخِلُوا بِذَلِكَ أَعْقَبَهُمْ بِذَلِكَ نِفَاقًا إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ، لَيْسَ لَهُمْ مِنْهُ تَوْبَةٌ وَلَا مَغْفِرَةٌ وَلَا عَفْوٌ، كَمَا أَصَابَ إِبْلِيسَ حِينَ مَنَعَهُ التَّوْبَةَ " وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِبَانَةُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ عَلَامَةِ أَهْلِ النِّفَاقِ، أَعْنِي فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] . وَبِنَحْوِ هَذَا الْقَوْلِ كَانَ يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَوَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " اعْتَبِرُوا الْمُنَافِقَ بِثَلَاثٍ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ السَّمَّاكِ، عَنْ صُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ " قَالَ: وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: 75] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ صُبَيْحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْسِيَّ يَقُولُ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، عَنِ الْمُنَافِقِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: ثنا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، يَقُولُ: " كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ الْمُنَافِقَ يُعْرَفُ بِثَلَاثٍ: بِالْكَذِبِ، وَالْإِخْلَافِ، وَالْخِيَانَةِ.
فَالْتَمَسْتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ زَمَانًا لَا أَجِدُهَا.
ثُمَّ وَجَدْتُهَا فِي آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: 75] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ "
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، قَالَ: ثنا أُسَامَةُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدٌ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ " فَقُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ لَئِنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَيَّ دَيْنٌ فَلَقِيَنِي، فَتَقَاضَانِي وَلَيْسَ عِنْدِي، وَخِفْتُ أَنْ يَحْبِسَنِيَ وَيُهْلِكَنِي، فَوَعَدْتُهُ أَنْ أَقْضِيَهُ رَأْسَ الْهِلَالِ فَلَمْ أَفْعَلْ، أَمُنَافِقٌ أَنَا؟ قَالَ.
هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ.
ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ أَبَاهُ لَمَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قَالَ: زَوِّجُوا فُلَانًا فَإِنِّي وَعَدْتُهُ أَنْ أُزَوِّجَهُ، لَا أَلْقَى اللَّهَ بِثُلُثِ النِّفَاقِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ وَيَكُونُ ثُلُثُ الرَّجُلِ مُنَافِقًا وَثُلُثَاهُ مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ.
قَالَ: فَحَجَجْتُ فَلَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، فَأَخْبَرْتُهُ الْحَدِيثَ الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنَ الْحَسَنِ، وَبِالَّذِي قُلْتُ لَهُ وَقَالَ لِي فَقَالَ: أَعَجَزْتَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَلَمْ يَعِدُوا أَبَاهُمْ فَأَخْلَفُوهُ وَحَدَّثُوهُ فَكَذَبُوهُ وَأْتَمَنَهُمْ فَخَانُوهُ، أَفَمُنَافِقِينَ كَانُوا؟ أَلَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ أَبُوهُمْ نَبِيٌّ وَجَدُّهُمْ نَبِيٌّ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي بِأَصْلِ النِّفَاقِ، وَبِأَصْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُنَافِقِينَ خَاصَّةً الَّذِينَ حَدَّثُوا النَّبِيَّ فَكَذَبُوهُ، وَأْتَمَنَهُمْ عَلَى سِرِّهِ فَخَانُوهُ، وَوَعَدُوهُ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فِي الْغَزْوِ فَأَخْلَفُوهُ.
قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ مَكَّةَ، فَأَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ وَاكْتُمُوا» قَالَ: فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27] وَأَنْزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] إِلَى ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] فَإِذَا لَقِيتَ الْحَسَنَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ بِأَصْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبِمَا قُلْتُ لَكَ، قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَى الْحَسَنِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ أَخَاكَ عَطَاءً يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَ وَمَا قَالَ لِي.
فَأَخَذَ الْحَسَنُ بِيَدِي فَأَمَالَهَا وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا؟ سَمِعَ مِنِّيَ حَدِيثًا فَلَمْ يَقْبَلْهُ حَتَّى اسْتَنْبَطَ أَصْلَهُ، صَدَقَ عَطَاءٌ، هَكَذَا الْحَدِيثُ، وَهَذَا فِي الْمُنَافِقِينَ خَاصَّةً
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ مُنَافِقٌ» فَقِيلَ لَهُ: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: ثنا مَيْسَرَةُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَائِلٍ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: «إِنَّ فُلَانًا خَطَبَ إِلَيَّ ابْنَتِي، وَإِنِّي كُنْتُ قُلْتُ لَهُ فِيهَا قَوْلًا شَبِيهًا بِالْعِدَّةِ، وَاللَّهِ لَا أَلْقَى اللَّهَ بِثُلُثِ النِّفَاقِ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُهُ» وَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ الْعَهْدُ الَّذِي عَاهَدَ اللَّهَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ شَيْئًا نَوَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ، يَقُولُ: «رَكِبْتُ الْبَحْرَ فَأَصَابَنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَنَذَرَ قَوْمٌ مِنَّا نُذُورًا، وَنَوَيْتُ أَنَا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ.
فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ، سَأَلْتُ أَبِي سُلَيْمَانَ، فَقَالَ لِي يَا بَنَيَّ، فُهْ بِهِ»
قَالَ مُعْتَمِرٌ، وَثَنًا كَهْمَسٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَوْلُهُ: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ نَوَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: 78] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: 78] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ سِرًّا، وَيُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ بِهِمَا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِمَا جَهْرًا، أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمُ الَّذِي يُسِرُّونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ
الْكُفْرِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78] يَقُولُ: وَنَجْوَاهُمْ إِذَا تَنَاجَوْا بَيْنَهُمْ بِالطَّعْنِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَذِكْرِهِمْ بِغَيْرِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرُوا بِهِ، فَيَحْذَرُوا مِنَ اللَّهِ عُقُوبَتَهُ أَنْ يُحِلَّهَا بِهِمْ وَسَطْوَتَهُ أَنْ يُوقِعَهَا بِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَعَيْبِهِمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَيَنْزَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيَتُوبُوا مِنْهُ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: 78] يَقُولُ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ مَا غَابَ عَنْ أَسْمَاعِ خَلْقِهِ
وَأَبْصَارِهِمْ وَحَوَاسِّهِمْ مِمَّا أَكْنَتْهُ نُفُوسُهُمْ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى جَوَارِحِهِمُ الظَّاهِرَةِ فَيَنْهَاهُمْ ذَلِكَ عَنْ خِدَاعِ أَوْلِيَائِهِ بِالنِّفَاقِ وَالْكَذِبِ، وَيَزْجُرُهُمْ عَنْ إِضْمَارِ غَيْرَ مَا يُبْدُونَهُ وَإِظْهَارِ خِلَافَ مَا يَعْتَقِدُونَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 79] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْحَاجَةِ، بِمَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ،
وَيَطْعَنُونَ فِيهَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّمَا تَصَدَّقُوا بِهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَلَمْ يُرِيدُوا وَجْهَ اللَّهِ، وَيَلْمِزُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَتَصَدَّقُونَ بِهِ إِلَّا جُهْدَهُمْ، وَذَلِكَ طَاقَتَهُمْ، فَيَنْتَقِصُونَهُمْ وَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَنْ صَدَقَةِ هَؤُلَاءِ غَنِيًّا، سُخْرِيَةً مِنْهُمْ بِهِمْ.
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79] وَقَدْ بَيَّنَّا صِفَةَ سُخْرِيَةِ اللَّهِ بِمَنْ يَسْخَرُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 10] يَقُولُ: وَلَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابٌ مُوجِعٌ مُؤْلِمٌ.
وَذُكِرَ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 79] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ.
وَأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: 79] أَبُو عَقِيلٍ الْأَرَاشِيُّ أَخُو بَنِي أُنَيْفٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 79] قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: وَاللَّهِ مَا جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّا رِيَاءً، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ هَذَا الصَّاعِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: 79] وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ يَوْمًا فَنَادَى فِيهِمْ: أَنِ اجْمَعُوا صَدَقَاتِكُمْ، فَجَمَعَ النَّاسُ صَدَقَاتَهُمْ.
ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَحْوَجِهِمْ بِمَنٍّ مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، بِتُّ لَيْلَتِي أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ الْمَاءَ حَتَّى نِلْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، فَأَمْسَكْتُ أَحَدَهُمَا وَأَتَيْتُكَ بِالْآخَرِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْثُرَهُ فِي الصَّدَقَاتِ.
فَسَخِرَ مِنْهُ رِجَالٌ وَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ هَذَا، وَمَا يَصْنَعَانِ بِصَاعِكَ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ بَقِيَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ
أَهْلِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ؟ فَقَالَ: «لَا» فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ عِنْدِي مِائَةَ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِي الصَّدَقَاتِ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَمَجْنُونٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِي جُنُونٌ.
فَقَالَ: أَتَعْلَمُ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ: أَمَّا أَرْبَعَةٌ فَأُقْرِضُهَا رَبِّي، وَأَمَّا أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَلِي.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ وَفِيمَا أَعْطَيْتَ» وَكَرِهَ الْمُنَافِقُونَ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَطِيَّتَهُ إِلَّا رِيَاءً، وَهُمْ كَاذِبُونَ، إِنَّمَا كَانَ بِهِ مُتَطَوِّعًا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهُ، وَعَذَرَ صَاحِبَهُ الْمِسْكِينَ الَّذِي جَاءَ بِالصَّاعِ مِنَ التَّمْرِ، فَقَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 79] الْآيَةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 79] قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِصَدَقَةِ مَالِهِ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَلَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ، وَقَالُوا: رَاءَى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: 79] قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، آجَرَ نَفْسَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ، فَجَاءَ بِهِ فَلَمَزُوهُ، وَقَالُوا: كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا عَنْ صَاعِ هَذَا " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 79] الْآيَةَ، قَالَ: أَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِنِصْفِ مَالِهِ، فَتُقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ، فَلَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالُوا: مَا أَعْطَى ذَلِكَ إِلَّا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ: حَبْحَابٌ أَبُو عَقِيلٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِتُّ أَجُرُّ الْجَرِيرَ عَلَى صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ: أَمَّا صَاعٌ فَأَمْسَكْتُهُ لِأَهْلِي، وَأَمَّا صَاعٌ فَهَا هُوَ ذَا.
فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ [التوبة: 79] الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 79] قَالَ: تَصَدَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِشَطْرِ مَالِهِ، وَكَانَ مَالُهُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَتَصَدَّقَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لَعَظِيمُ الرِّيَاءِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 79] وَكَانَ لِرَجُلٍ صَاعَانِ مِنْ تَمْرٍ، فَجَاءَ بِأَحَدِهِمَا، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: إِنْ كَانَ اللَّهُ عَنْ صَاعِ هَذَا لَغَنِيًّا، فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَطْعَنُونَ عَلَيْهِمْ وَيَسْخَرُونَ بِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 79] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ الْأَنْمَاطِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَصَدَّقُوا فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْثًا،» قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي أَرْبَعَةَ آلَافٍ: أَلْفَيْنِ أُقْرِضُهُمَا اللَّهَ، وَأَلْفَيْنِ لِعِيَالِي.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَإِنَّ عِنْدِي صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا لِرَبِّي، وَصَاعًا لِعِيَالِي، قَالَ: فَلَمَزَ الْمُنَافِقُونَ، وَقَالُوا: مَا أَعْطَى ابْنُ عَوْفٍ هَذَا إِلَّا رِيَاءً، وَقَالُوا: أَوَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ غَنِيًّا عَنْ صَاعِ هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 79] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ