وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] وَلَا تُؤَثِّمْنِي أَلَا فِي الْإِثْمِ سَقَطُوا " وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 49] يَقُولُ: وَإِنَّ النَّارَ لَمُطِيفَةٌ بِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَجَحَدَ آيَاتِهِ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، مُحْدِقَةٌ بِهِمْ جَامِعَةٌ لَهُمْ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يَقُولُ: فَكَفَى لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسِ وَأَشْكَالِهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِصِلِيِّهَا خِزْيًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ يُصِبْكَ سُرُورٌ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَيْكَ أَرْضَ الرُّومِ فِي غَزَاتِكَ هَذِهِ يَسُؤِ الْجَدَّ بْنَ قَيْسٍ وَنُظَرَاءَهُ وَأَشْيَاعَهُ مِنَ
الْمُنَافِقِينَ، وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ بِفُلُولِ جَيْشِكَ فِيهَا يَقُولُ الْجَدُّ وَنُظَرَاؤُهُ: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 50] أَيْ قَدْ أَخَذْنَا حِذْرَنَا بِتَخَلُّفِنَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَتَرْكِ اتِّبَاعِهِ إِلَى عَدُوِّهِ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُصِيبَهُ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ.
﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: 50] يَقُولُ: وَيَرْتَدُّوا عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُمْ فَرِحُونَ بِمَا أَصَابَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْمُصِيبَةِ بِفُلُولِ أَصْحَابِهِ وَانْهِزَامِهِمْ عَنْهُ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [سورة: التوبة، آية رقم: 50] يَقُولُ: إِنْ تُصِبْكَ فِي سَفَرِكَ
هَذَا لِغَزْوَةِ تَبُوكَ حَسَنَةٌ، تَسُؤْهُمْ.
قَالَ: الْجَدُّ وَأَصْحَابُهُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 50] حِذْرَنَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة: التوبة، آية رقم: 50] قَالَ: حِذْرَنَا "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [سورة: التوبة، آية رقم: 50] إِنْ كَانَ فَتْحٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَسَاءَهُمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُؤَدِّبًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْكَ: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ [التوبة: 51] أَيُّهَا الْمُرْتَابُونَ فِي دِينِهِمْ ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
[التوبة: 51] فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَقَضَاهُ عَلَيْنَا.
﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: 51] يَقُولُ: هُوَ نَاصِرُنَا عَلَى أَعْدَائِهِ.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122] يَقُولُ: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَرْجُوا النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَخَافُوا شَيْئًا غَيْرَهُ، يَكْفِهِمْ أُمُورَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ بَغَاهُمْ وَكَادَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ وَبَيَّنْتُ لَكَ أَمْرَهُمْ:
هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْخَلَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِهِمَا، إِمَّا ظَفَرًا بِالْعَدُوِّ وَفَتْحًا لَنَا بِغَلَبَتْنَاهُمْ، فَفِيهَا الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ وَالسَّلَامَةُ، وَإِمَّا قَتْلًا مِنْ عَدُوِّنَا لَنَا، فَفِيهِ الشَّهَادَةُ وَالْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، وَكِلْتَاهُمَا مِمَّا يُحِبُّ، وَلَا يَكْرَهُ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ.
يَقُولُ: وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعُقُوبَةٍ مِنْ عِنْدِهِ عَاجِلَةً تُهْلِكُكُمْ، أَوْ بِأَيْدِينَا فَنَقْتُلُكُمْ.
﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52] يَقُولُ: فَانْتَظِرُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُنْتَظِرُونَ مَا اللَّهُ فَاعِلٌ بِنَا، وَمَا إِلَيْهِ صَائِرٌ أَمْرُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَّا وَمِنْكُم وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: 52] يَقُولُ: فَتْحٌ أَوْ شَهَادَةٌ.
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: يَقُولُ الْقَتْلُ، فَهِيَ الشَّهَادَةُ وَالْحَيَاةُ وَالرِّزْقُ.
وَإِمَّا يُخْزِيكُمْ بِأَيْدِينَا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: 52] يَقُولُ: قَتْلٌ فِيهِ الْحَيَاةُ وَالرِّزْقُ، وَإِمَّا أَنْ يَغْلِبَ فَيُؤْتِيَهُ اللَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 74] إِلَى ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74] "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: 52] قَالَ: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالظُّهُورُ عَلَى أَعْدَائِهِ "
قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالظُّهُورُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [سورة: التوبة، آية رقم: 52] الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالظُّهُورُ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [التوبة: 52] بِالْمَوْتِ أَوْ بِأَيْدِينَا، قَالَ الْقَتْلُ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: 52] إِلَّا فَتْحًا أَوْ قَتْلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: 52] أَيْ قَتْلٍ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ: أَنْفِقُوا كَيْفَ شِئْتُمْ أَمْوَالَكُمْ فِي سَفَرِكُمْ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ شِئْتُمْ مِنْ حَالِ الطَّوْعِ وَالْكُرْهِ، فَإِنَّكُمْ
إِنْ تُنْفِقُوهَا لَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكُمْ نَفَقَاتِكُمْ، وَأَنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِكُمْ وَجَهْلٍ مِنْكُمْ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّكُمْ وَسُوءِ مَعْرِفَةٍ مِنْكُمْ بِثَوَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ.
﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 53] يَقُولُ: خَارِجِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِرَبِّكُمْ، وَخَرَجَ قَوْلُهُ: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: 53] مَخْرَجَ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُحْسِنُ فِيهَا إِنْ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] فَهُوَ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا ... مَلُومَةً لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: 53] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: إِنْ تُنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: 53] وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ مَعَهُ لِغَزْوِ الرُّومِ: هَذَا مَالِي أُعِينُكَ بِهِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " قَالَ الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: إِنِّي إِذَا رَأَيْتُ النِّسَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى أفْتَتِنَ، وَلَكِنْ أُعِينُكَ بِمَالِي، قَالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: 53] قَالَ: لِقَوْلِهِ: أُعِينُكَ بِمَالِي "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا مَنَعَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَهَا فِي سَفَرِهِمْ مَعَكَ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ
مِنَ السُّبُلِ ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54] فَـ ﴿أَنْ﴾ [البقرة: 25] الْأُولَى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالثَّانِيَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، لَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: مَا مَنَعَ قَبُولَ نَفَقَاتِهِمْ إِلَّا كُفْرُهُمْ بِاللَّهِ.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: 54] يَقُولُ: لَا يَأْتُونَهَا إِلَّا مُتَثَاقِلِينَ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ بِأَدَائِهَا ثَوَابًا وَلَا يَخَافُونَ بِتَرْكِهَا عِقَابًا، وَإِنَّمَا يُقِيمُونَهَا مَخَافَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَرْكِهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِذَا أَمَّنُوهُمْ لَمْ يُقِيمُوهَا.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 54] يَقُولُ: وَلَا يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا ﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54] أَنْ يُنْفِقُونَهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ فِيهِ مِمَّا فِيهِ
تَقْوِيَةٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 55] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَلَا تُعْجِبْكَ يَا مُحَمَّدُ أَمْوَالُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا،
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: التَّقْدِيمُ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: 55] قَالَ: هَذِهِ مِنْ تَقَادِيمِ الْكَلَامِ، يَقُولُ: لَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ [التوبة: 55] فِي الْآخِرَةِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بِمَا أَلْزَمَهُمْ فِيهَا مِنْ فَرَائِضِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْأَقْصُرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ: " ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: 55] قَالَ: بِأَخْذِ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: 55] بِالْمَصَائِبِ فِيهَا، هِيَ لَهُمْ عَذَابٌ وَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَجْرٌ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْزِيلِ، فَصَرْفُ تَأْوِيلِهِ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرَهُ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إِلَى بَاطِنٍ لَا دَلَالَةَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا وَجَّهَ مَنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى التَّقْدِيمِ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ لِتَعْذِيبِ اللَّهِ الْمُنَافِقِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَجْهًا يُوَجِّهْهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: كَيْفَ يُعَذِّبُهُمْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لَهُمْ فِيهَا سُرُورٌ، وَذَهَبَ عَنْهُ تَوْجِيهُهُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ عَظِيمِ الْعَذَابِ عَلَيْهِ إِلْزَامُهُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ حُقُوقِهِ وَفَرَائِضِهِ؛ إِذْ كَانَ يَلْزَمُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَهُوَ غَيْرُ طَيِّبِ النَّفْسِ، وَلَا راجٍ مِنَ اللَّهِ جَزَاءً وَلَا مِنَ الْآخِذِ مِنْهُ حَمْدًا وَلَا شُكْرًا عَلَى ضَجَرٍ مِنْهُ وَكُرْهٍ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 55] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَتَخْرُجَ أَنْفُسُهُمْ، فَيَمُوتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُقَالُ مِنْهُ: زَهَقَتْ نَفْسُ فُلَانٍ، وَزَهِقَتْ، فَمَنْ قَالَ: زَهَقَتْ، قَالَ: تَزْهَقُ، وَمَنْ قَالَ: زَهِقَتْ، قَالَ: تَزْهِقُ زُهُوقًا، وَمِنْهُ قِيلَ: زَهِقَ
فُلَانٌ بَيْنَ أَيْدِي الْقَوْمِ يَزْهَقُ زُهُوقًا: إِذَا سَبَقَهُمْ فَتَقَدَّمَهُمْ، وَيُقَالُ: زَهَقَ الْبَاطِلُ: إِذَا ذَهَبَ وَدُرِسَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ كَذِبًا وَبَاطِلًا خَوْفًا مِنْكُمْ، إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ فِي الدِّينِ وَالْمِلَّةِ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مُكَذِّبًا لَهُمْ: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: 56] أَيْ لَيْسُوا مِنْ
أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ، بَلْ هُمْ أَهْلُ شَكٍّ وَنِفَاقٍ.
﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: 56] يَقُولُ: وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَخَافُونَكُمْ، فَهُمْ خَوْفًا مِنْكُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ: إِنَّا مِنْكُمْ؛ لِيَأْمَنُوا فِيكُمْ فَلَا يُقْتَلُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَوْ يَجِدُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مَلْجَأً، يَقُولُ: عَصَرًا يَعْتَصِرُونَ بِهِ مِنْ حِصْنٍ، وَمَعْقِلًا يَعْتَقِلُونَ فِيهِ مِنْكُمْ.
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ [التوبة: 57] وَهِيَ الْغِيرَانُ فِي الْجِبَالِ، وَاحِدَتُهَا: مَغَارَةُ، وَهِيَ مَفْعَلَةٌ مِنْ
غَارَ الرَّجُلُ فِي الشَّيْءِ
يَغُورُ فِيهِ إِذَا دَخَلَ، وَمِنْهُ قِيلَ: غَارَتِ الْعَيْنُ: إِذَا دَخَلَتْ فِي الْحَدَقَةِ.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: 57] يَقُولُ: سَرَبًا فِي الْأَرْضِ يَدْخُلُونَ فِيهِ، وَقَالَ: أَوْ مُدَّخَلًا الْآيَةَ؛ لِأَنَّهُ مِنَ ادَّخَلَ يَدَّخِلُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: 57] يَقُولُ: لَأَدْبَرُوا إِلَيْهِ هَرَبًا مِنْكُمْ.
﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 57] يَقُولُ: وَهُمْ يُسَارِعُونَ فِي مَشْيِهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْجِمَاحَ مَشْي بَيْنَ الْمَشْيَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ:
[البحر البسيط]
لَقَدْ جَمَحْتُ جِمَاحًا فِي دِمَائِهِمُ ... حَتَّى رَأَيْتُ ذَوِي أَحْسَابِهِمْ خَمَدوا
وَإِنَّمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَقَامُوا بَيْنَ أَظْهُرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ لَهُمْ، وَلِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي قَوْمِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ وَفِي دُورِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَفِرَاقِهِ، فَصَانَعُوا الْقَوْمَ بِالنِّفَاقِ وَدَافَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ بِالْكُفْرِ وَدَعْوَى الْإِيمَانِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ مَا فِيهَا مِنَ الْبُغْضِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَدَاوَةِ لَهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ وَاصِفَهُمْ بِمَا فِي ضَمَائِرِهِمْ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ [التوبة: 57] الْآيَةَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ [التوبة: 57] الْمَلْجَأُ: الْحِرْزُ فِي الْجِبَالِ، وَالْمَغَارَاتُ: الْغِيرَانُ فِي الْجِبَالِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: 57] وَالْمُدَّخَلُ: السَّرَبُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 57] مَلْجَأً، يَقُولُ: حِرْزًا ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ [التوبة: 57] يَعْنِي الْغِيرَانَ.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: 57] يَقُولُ: ذَهَابًا فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ النَّفَقُ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ السَّرَبُ "
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: 57] قَالَ: حِرْزًا لَهُمْ يَفِرُّونَ إِلَيْهِ مِنْكُمْ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: 57] قَالَ: مَحْرِزًا لَهُمْ، لَفَرَّوْا إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ [التوبة: 57] حِرْزًا أَوْ مَغَارَاتٍ، قَالَ: الْغِيرَانُ.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: 57] قَالَ: نَفَقًا فِي الْأَرْضِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا: يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: 57] يَقُولُ: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً: حُصُونًا ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ [التوبة: 57] غِيرَانًا.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ [التوبة: 57] أَسْرَابًا.
﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 57] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ ﴿مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 58] يَقُولُ: يَعِيبُكَ فِي أَمْرِهَا وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ فِيهَا، يُقَالُ مِنْهُ: لَمَزَ
فُلَانًا يَلْمِزُهُ، وَيَلْمُزُهُ: إِذَا عَابَهُ وَقَرَصَهُ، وَكَذَلِكَ هَمَزَهُ.
وَمِنْهُ قِيلَ: فُلَانٌ هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
[البحر الرجز]
قَارَبْتُ بَيْنَ عَنَقِي وَجَمْزِي ... فِي ظِلِّ عَصْرَيْ بَاطِلِي وَلَمْزِي
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر البسيط]
إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَةً ... وَأَنْ أَغِيبَ فَأَنْتَ الْعَائِبُ اللُّمَزَهْ
﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ [التوبة: 58] يَقُولُ: لَيْسَ بِهِمْ فِي عَيْبِهِمْ إِيَّاكَ فِيهَا وَطَعْنِهِمْ عَلَيْكَ بِسَبَبِهَا الدِّينُ، وَلَكِنِ الْغَضَبُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ أَنْتَ أَعْطَيْتَهُمْ مِنْهَا مَا يُرْضِيهِمْ رَضُوا عَنْكَ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تُعْطِهِمْ مِنْهُمْ سَخِطُوا عَلَيْكَ وَعَابُوكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ